من
السهل أن تكون الشيخ عاصم عبد الماجد وفريقه، أو أن تكون الشيخ عصام تليمة وفريقه،
في أزمة جماعة
الإخوان المسلمين في
سوريا! والأول يمثل تياراً عريضاً يرى أن واجب
الوقت حل الجماعة لنفسها والانصهار في الدولة الجديدة، والثاني يمثل تياراً عريضاً
يدافع عن قرار مجلس شورى الجماعة بالتمسك بوجودها السلمي والتنظيمي، وهو القرار
الذي اختلف حوله الإسلاميون بين مؤيد كالدكتور تليمة، ومعارض بحدة كالشيخ عبد
الماجد!
وبعيداً
عن التيار العريض هنا وهناك، فهناك رأي ثالث، لا أظنه سيجد كثيرين يؤوبون معه،
لأنه ينطلق من قواعد الديمقراطية، وهي لا بواكي لها في عالمنا العربي، وقد أثبتت
التجربة أنه حتى أعضاء التيار المدني في مصر هم في الأصل والفصل فاشيون، يبحثون عن
فرصة، وعندما وجدوها لم يفرطوا فيها لإشباع أرواحهم بالتنكيل بخصومهم، وإن فرطت هي
فيهم بعد أن تبدت عوراتهم للناظرين!
إنه
ميراث الاستبداد:
عندما
قرأت حملة الإبادة الإعلامية، التي قام بها مصريون ضد قرار جماعة الإخوان في
سوريا، قلت إنه ميراث الاستبداد، والذي بدا واضحاً أنه ينتقل بالعدوى، فكل
المبررات التي سيقت في رفض القرار هي ذاتها التي أبداها من يدافعون عن الاستبداد،
وأعادنا الأمر إلى التجربة الناصرية التي قررت حل الأحزاب، وأيدها في ذلك كثير من
النخبة السياسية، وفي الصدارة منهم جماعة الإخوان المسلمين، لأن الوفد كان حزب
الأغلبية الكاسحة، ولا يمكن لتيار أن ينتصر عليه في معركة الانتخابات، بمن في ذلك
الضباط الأحرار أنفسهم، فكانت تجربة الحزب الواحد!
بعيداً عن التيار العريض هنا وهناك، فهناك رأي ثالث، لا أظنه سيجد كثيرين يؤوبون معه، لأنه ينطلق من قواعد الديمقراطية، وهي لا بواكي لها في عالمنا العربي
وهي
تجربة وجدت من يدافعون عنها باسم حماية الثورة، وبعد ذلك باسم حماية الدولة، إذ
ينبغي أن ينصهر المصريون في بوتقة واحدة، إعلاء لقيم الانتماء الوطني، وكانت هذه
البوتقة هي حزب السلطة، والذي تطور في نسخته الأخيرة "الاتحاد الاشتراكي"
الذي يرأسه رئيس الدولة، ولا بأس من تنويعات على نفس اللحن، فيتشكل التنظيم
الطليعي، ومنظمة الشباب!
وعندما
وجدتُ هبة الملأ ضد قرار جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بالتمسك بوجود الجماعة
وعدم حلها، قلت: ومتى يطالبون بإنشاء الاتحاد الاشتراكي السوري، والتنظيم الطليعي،
ومنظمة الشباب؟! وقد تحدثوا عن ضرورة الانصهار في الدولة، وأن هذه الدولة ليس لها
إلا رمز واحد هو الرئيس أحمد
الشرع، وفي الحالة المصرية كان هو الرئيس جمال عبد
الناصر، وقد تبين أن رفض الأخيرة لم يكن لاستبدادها، ولكن لأنهم من ضحايا هذا
الاستبداد، ويتم تبني تراثها إذا كان الحاكم من شيعتنا.
الذين
تابعوا مقالاتي في الشأن السوري، يعرفون انحيازي للدولة الجديدة، وقد قلت منذ
اليوم الأول إن هذه الدولة لو توقف عطاؤها عند فتح السجون، وإخراج الموتى فيها وهم
على قيد الحياة، لكفاها، ولا أطلب منها أمراً آخر، وغير هذا شأن سوري خالص، فسوف
يسعدني بكل تأكيد أن تنجح هذه الدولة في مواجهة التحديات التي تواجهها، وفي تحقيق
الاستقرار الاقتصادي وعملية الإعمار!
عن
الشرعية الثورية:
ولست
بالخب ولا الخب يخدعني، فأنا أتفهم "الشرعية الثورية"، وهي ليست بدعاً
في الحالة السورية، فهذا معلوم من الثورات بالضرورة، والثورة التي تخلت عن ذلك
أكلها خصومها وأجهزوا عليها، وأعرف أن حرص وكالات الأنباء الغربية على أن تذكر اسم
الشرع مسبوقاً بوصف الرئيس المؤقت، هو جزء من مؤامرة، ولا أرى في الدعوات الغربية
والداخلية بانتخابات الآن، إلا أنها الثورة المضادة.
والشرعية
الثورية لن تستمر للأبد، لكن الانتقال لنظام ديمقراطي لا يكون في يوم وليلة، وفي
المقابل لا يكون البديل هو إغلاق المجال العام في المستويات الأدنى، والبديل هو
اتحاد اشتراكي جديد، وتنظيم طليعي ومنظمة شباب بنكهة المرحلة، لأن فكرة الانصهار
في الدولة، والدولة هي الرئيس، تراث الاستبداد الذي نرفضه إذا كنا من ضحاياه،
ونتبناه إذا كان الحاكم منا، فكم أثروا فينا ولا ندري؟!
مع كل
قول لمسؤول سوري عن رفض المليشيات والكيانات، وأهمية الانخراط في الدولة، أضبط
نفسي متلبساً بابتسامة عريضة، وكأن القوم لم يؤسسوا مليشيات، وكأنهم لم يخرجوا على
الدولة، ولو كانت هذه رؤيتهم فعلاً لكان زمانهم يسبّحون بحمد بشار الأسد بكرة
وأصيلاً!
ولا
بد لهم من البحث عن خطاب مغاير، فلا يتبنون خطاب النظام البائد، وبخطاب لا يعتمد
الميوعة السياسية، وإنما يظهر قوة سلطتهم، لكنهم في الوقت ذاته لا يستوردون تراث
الاستبداد، حتى لا يكون كلامهم باعثاً على الابتسام، فانظر من يتكلم!
البديل
للشرع.. مع تحفظي على الإخوان:
إنني،
مع تسليمي الكامل بضوابط الشرعية الثورية، إلا أنني مع أن تبتعد سوريا الجديدة،
ومن ينحاز لها، عن تراث الاستبداد، فليس من الديمقراطية أن يبذل الشرع كل هذا
الجهد للوصول للمرحلة الراهنة ثم يسلم الحكم للبديل له، ولن يكونوا الإخوان الآن،
فالبديل هو نظام بشار الأسد، لكن هذا لا يمنع من إقامة حياة حزبية قوية، ستكون
جماعة الإخوان بلا شك ركناً ركيناً فيها، مع تحفظي على الحضور الإخواني، وما يمثله
حضورهم من مخاوف، ليس على حكم الشرع، ولكن على سوريا الجديدة!
فالإخوان
ليسوا فرسان المواجهات، ولكنهم خبرة في الحصاد وفي لعبة الانتخابات، ولا جُناح
عليهم إذا فازوا بإرادة الناس، لكنهم سيكونون لقمة سائغة للقوى المعادية، فتستغل
ضعفهم في الإدارة بالسياسة، ويبدو أنها جينات، فيخسرون الدولة ثم يذهبون إلى ركن
بعيد يشكون الاضطهاد والمؤامرة الكونية على الإسلام، وقد أحرجتهم تجربة الشرع في
سوريا، وطالبان في أفغانستان!
مع تسليمي الكامل بضوابط الشرعية الثورية، إلا أنني مع أن تبتعد سوريا الجديدة، ومن ينحاز لها، عن تراث الاستبداد، فليس من الديمقراطية أن يبذل الشرع كل هذا الجهد للوصول للمرحلة الراهنة ثم يسلم الحكم للبديل له، ولن يكونوا الإخوان الآن، فالبديل هو نظام بشار الأسد، لكن هذا لا يمنع من إقامة حياة حزبية قوية، ستكون جماعة الإخوان بلا شك ركناً ركيناً فيها
إن
المجتمع الدولي اعترف بالتجربة الأكثر تشدداً في مجال التدين، حيث الشرع، كما سلّم
الاحتلال بقوة طالبان، وهو ما يضع الإخوان في حرج بالغ، فالأزمة لا ترجع إلى
العداء للإسلام، وقد تكون نظرية صحيحة، لكن المؤامرة تدرس تراث الفشل في الشخصية
الإخوانية في الحكم، وتعمل على إسقاطهم بها، ولو وجدت قوة حقيقية تجهز لإسقاط
الشرع لتبنتها!
إنني
لا أحمل أي تقدير لتجارب الإخوان في الحكم، ولم تكن صدفة أنها سقطت جميعاً، من
الجماعة الأم في مصر، إلى النهضة في تونس، إلى الإصلاح في اليمن، بل إن تجربتهم
المختلفة في المغرب لم تكن ملهمة، فقد كانوا كالإسفنجة تمتص الحانات ولا تسكر (شطر
من بيت للشاعر مظفر النواب)، فارتكبت من الموبقات السياسية ما لا يمكن لأي حزب آخر
القيام به، بمن في ذلك أحزاب الملك، فوقعت على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، ومررت
قانون الفرنسة في التعليم، وحررت أسعار المحروقات!
ومع
أن سقوط حزب العدالة والتنمية في المغرب بعد هذه التجربة البائسة كان طبيعياً،
فلنا أن نعلم أنهم، كسَحَرة في الانتخابات، كادوا يعودون مرة أخرى بالانتخابات
الأخيرة لولا التزوير، وتسأل عن المعنى الذي يجعل منهم رقماً صحيحاً في
الانتخابات، بعد ما فعلوا، وما فعلوه كفيل بموت أي حركة، فيذهلك الأمر، حد مطالبة
أحد الإعلاميين الموالين للنظام المصري بالنظر لهذه التجربة، وهو يتحدث عن ترتيبهم
المرتفع في الانتخابات الأخيرة، معتمداً نتيجة النظام، ومع ذلك يراها تجربة مخيفة!
وهي مخيفة فعلاً، ومن حسن الحظ أن البعيد عن العين في مصر بعيد عن القلب، فلم
ينتبه أحد لما هو مفزع لهم، ولم يشاركه الإعلاميون الآخرون المأتم، فينصبوا سوياً سرادق
عزاء.
ومهما
يكن الأمر، في هذه التجربة لا بد من أن ينظر إليها من ينحازون للرئيس الشرع بخوف،
إذا استمر الإخوان ولم يحلوا تنظيمهم ولم ينصهروا في "الاتحاد الاشتراكي
العربي" كأفراد، وليس كجماعة!
موالاة
المحتل:
وإذا
كانت تجاربهم قد فشلت في الحكم بدول الربيع العربي، فضلاً عن التجربة المغربية،
فإن المسكوت عنه في دول تعرضت للاحتلال، كالعراق وأفغانستان، ومما يؤسف له، أنهم
كانوا إلى جانب المحتل، وفي التجربة الأولى تكالب عليهم المتنافسون وأخرجوهم من
المولد بلا حمص، وفي الثانية سقط الاحتلال وسقطوا معه، لكن حكم طالبان كان كريماً
معهم فلم ينتقم منهم، وإنما سمح لهم بالعودة، لكن بدون الترخيص لمحطة تلفزيونية،
وعليهم أن يقبلوا أيديهم وجهاً وظهراً على ذلك، فالحكم الوطني الصحيح أن يقدموا
للمحاكمة، وأن يكشفوا تفاصيل الدور الذي قاموا به، فإن صدر العفو بعد الإدانة فإلى
بيوتهم، وليس إلى الميدان بأي درجة من درجات الحضور!
ومع
كل هذا، فليس لأحد أن يفرض على إخوان سوريا أن يحلوا تنظيمهم، وليس في مصلحة
الرئيس الشرع شخصياً أن يؤمم الحياة السياسية إلا منه. والشرعية الثورية هي مرحلة
انتقالية، فيعمل ما يجعل السوريين يعيدون انتخابه، وليكن له حزب كبير يليق به
وبنضاله ضد استبداد نظام الأسد، لكن هذا الحزب الكبير لا يكون على قواعد الحزب
الواحد، والزعيم الأوحد، ومن الخليج الثائر إلى المحيط الهادر لبيك عبد الناصر!
ولو وُضعت
بين خيارين، الشرع والمراقب العام للإخوان في سوريا، لاخترت الشرع بدون تردد، لكن
كم سيعيش الشرع أو أي إنسان؟!
إن
النظام الجيد هو من يؤسس لدولة تستمر به وبدونه، ولمشروع يتبناه الناس عن قناعة،
فقد سقطت دولة الاتحاد الاشتراكي بموت عبد الناصر، والذين صفقوا لها هم أنفسهم من
صفقوا لقرار السادات بتأسيس المنابر، ثم الأحزاب!
فلا
تصنعوا مستبداً جديداً.
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.