من
لسعته الشوربة لا تثريب عليه إذا نفخ في الزبادي!
وقد
كان إعلان الرئيس
المصري بأنه لن يسمح بالمساس بالدستور، قنبلة أفقدت كثيرين
اتزانهم، فتصرف الأنصار كالأبناء القصّر المهددين بفقد عائلهم، وما يترتب على ذلك
من آثار، لا سيما طائفة الإعلاميين الذين سيجدون أنفسهم خارج الاستوديوهات، والأمر
انسحب على عتاة المعارضين الذين لم يستوعبوا أن الرجل يمكن أن يغادر فعلاً..
ولماذا يغادر؟ وهل من الطبيعي أن يتخلى أحد عن الحكم بسهولة، ولمن شيّد كل هذه
الأبهة؟!
لم
يكد الناس يفيقون حتى بدأوا يفسرون الخطاب، وفيه بعض الغموض، لصالح البقاء، ومنهم
من ذهب للقول إنه "التوريث"، فإذا بالرئيس في اليوم التالي يؤكد المعنى
نفسه، مع بعض الشروح، فلا مساس بالدستور، ولا توريث للحكم، ولن يبقى في موقعه بعد
نهاية ولايته في 2030، بل وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بوضع خطة لاختيار الرئيس
الجديد تحت إشرافه!
حكم
من ظاهر الأوراق:
ولم
يتوقف التشكيك، وجرى استدعاء وعود الماضي، ومن قبل تم المساس بالدستور، وبنصوص
يحظر
الدستور نفسه الاقتراب منها، وهي الخاصة بمدد
الرئاسة، فقدسية الدستور هذه
تبدو غير منطقية، ولا شك أن ما يقال في هذا الصدد هو لصالح الوعد بمغادرة الحكم!
لا ضغوط في الشارع، فلماذا يغادر؟! والشعب صار مغلوباً على أمره، ولو قرر تعديل الدستور في الغد، فلن يمنعه أحد. وهو حكم من ظاهر الأوراق، فإذا كان لا شيء يمثل ضغوطاً لمنع تعديل الدستور، فلماذا هذا الإعلان الآن من جانب الرئيس بعدم المساس به، وليس هناك ما يدفعه لذلك لو بدأ في الإجراءات من الغد؟!
فلا
ضغوط في الشارع، فلماذا يغادر؟! والشعب صار مغلوباً على أمره، ولو قرر تعديل
الدستور في الغد، فلن يمنعه أحد. وهو حكم من ظاهر الأوراق، فإذا كان لا شيء يمثل
ضغوطاً لمنع تعديل الدستور، فلماذا هذا الإعلان الآن من جانب الرئيس بعدم المساس
به، وليس هناك ما يدفعه لذلك لو بدأ في الإجراءات من الغد؟!
بحسابات
السلطة، فلا وقت هناك يُهدر في المناورات، وقد تم تعديل الدستور في المرة السابقة
في 2019، وكان من المقرر أن تجرى
الانتخابات في 2022، وهي نفسها المدة المناسبة
للبدء في الاستعداد للتعديل، ونهاية الولاية الرئاسية الحالية هي في 2 نيسان/أبريل
2030، ولا يمكن ترك الأمور للحظة الأخيرة.
بطبيعة
الحال، فلا معنى للقول إنه احترام للدستور، ليس فقط لأنه تم المساس به من قبل،
ولكن لأن المساس به يتم الآن، بدون استفتاء، وشروط الترشح للانتخابات الرئاسية
منصوص عليها على سبيل الحصر، والحديث عن حصول المرشح على درجة الدكتوراة، أو
الماجستير، والخضوع للتدريب في المؤسسة العسكرية، وفرض الوصاية على الشعب، كل هذه
أمور تنتهك الدستور، وليس فقط تمس به.
وهنا
نكون قد وصلنا لبيت القصيد، فالإعلان ليس استشعاراً لعظمة الدستور ونصوصه، وليس
لأن هناك ضغوطاً تحول دون التعديل، فما الذي حمل الرئيس على إعلان كهذا؟!
عندما
تكلم الرئيس
السيسي عن الإفراج عن المعتقلين، كرر مقولة شائعة، وهي أن من أفرج
عنهم السادات اغتالوه، وقد زاد على هذه المقولة أن أحد الأشخاص نصح السادات بذلك،
فكان الإفراج عن معتقلين هم من قتلوا الرئيس.
ورئيس
لا يخطط للبقاء، فإن عليه أن يفتح صفحة جديدة مع الشعب بالإفراج عن المعتقلين،
فالسادات تم اغتياله لكونه رئيساً للدولة، فماذا يضيره إن أحدث الرضا لدى الناس
وهو يصلي صلاة مودع؟!
نقطة
نظام هنا، وهي أن ما يقال هو دعاية من جانب اليساريين، الذين كانوا في عداء مع
السادات، وكانت الجماعات الإسلامية قوة بطش بهم، وحضوراً في الجامعات أنهى وجودهم
فيها، بعد أن كانت لهم الكلمة العليا والحضور منفرداً!
وهي
مقولة ليست صحيحة، وكان المفروض التصدي المبكر لها، حتى لا تُروى كالمسلّمات،
فالذين اغتالوا السادات، وحرضوا على اغتياله، وخططوا لهذا الاغتيال ورضوا عنه
(اليسار في مجمله كان راضياً أيضاً)، هؤلاء لم يكونوا من المعتقلين الذين أفرج
عنهم السادات، بل إنهم ينتمون لفكرة لم تر في دعوة الإخوان السلمية ما يؤدي إلا
إلى البطش والتنكيل بهم، لذا فقد كان لهم طريق مختلف!
وجوب
الفرز والتجنيب:
وفي
الدعاية السياسية يمكن ترديد مثل هذه المقولة، بل يجوز القول إن من اغتالوا
السادات هم الإخوان الذين أفرج عنهم، لكن عندما يكون المطلوب اتخاذ قرارات مصيرية،
فإنه يلزم الفرز والتجنيب، فحريات الناس لا تتحكم فيها مقولات من تأليف أصحابها،
ولا واقع يسندها!
وإذا
تجاوزنا الإسلاميين، والإخوان للدقة، فإن هؤلاء ليسوا وحدهم من هم رهن الاعتقال،
ومع أنني أقرر أن هؤلاء سيخرجون من الاعتقال إلى بيوتهم، ولا يمثلون خطراً على
أحد، فإن الثابت أن هناك كبار السن، والنساء، بجانب معتقلين من قوى سياسية أخرى،
فهل يخشى من إطلاق سراح المهندس يحيى حسين عبد الهادي أن يخطط لاغتياله؟!
وهناك
نقطة لم تُبحث على مدار كل هذا الوقت من الجدل في العناوين، وهي أن معظم الإخوان
الذين أخرجهم السادات من السجن، ومنحهم حرية العمل، وكان يلتقي بمرشدهم ويدعوه
للمناسبات، لم يستمروا في التنظيم، وأعتقد أن من اهتموا بإعادة إحيائه هم في حدود
المئة شخص من إخوان هذه المرحلة، والذي قوي بانضمام شباب الجامعات في السبعينات
إليه.
ما
علينا، فالأمر هنا يعزز من فكرة استمرار الرئيس في الحكم، فهو لا يريد أن يحدث
انفراجة بمستوى الإفراج عن المعتقلين، وسريان هذه السياسة على جبهة المعارضين
المدنيين، ومستوى التعنت في استخراج وثائق المعارضين في الخارج، إنما يعززان من
فكرة البقاء في السلطة!
ورأيي
أن الفكرة، على وجاهتها، قد تؤدي إلى نتيجة أخرى، فهذا الملف المهم قد يكون متروكاً
للرئيس الجديد ليفتتح به عهده، وهذا شيء لزوم الشيء، لنيل الحاكم الجديد مساحة
كبيرة من الرضا الشعبي، ما دام لا يستطيع تقديم إنجازات ملموسة تغير من واقعهم
الاقتصادي.
والأمر
كله يوحي بأن هناك ما هو غير مرئي، معني بالانتقال السلمي للسلطة، وهو ما يفسر
الكثير من حالة الخوف في الشهور الأخيرة مما بدا لنا أنه اللهو الخفي، والتحذير من
خطر يبدو لنا مجهولاً، ونحن نرى أن الظاهر على السطح هو حالة استسلام دفع إليها
الوهن، فمن ماذا يحذر القوم؟!
اختيار
البديل.. بيد الرئيس:
هناك من يعنيهم الانتقال السلمي للسلطة في مصر، حتى لا تكون عرضة للمجهول، مع الموافقة على الضمانات اللازمة المطلوبة للخروج الآمن، وإن بدا الرئيس القادم تحت الوصاية من جانب الرئيس الحالي، وأن يكون من طائفة من المدنيين تشبه من وقع عليهم الاختيار رؤساء للمجالس النيابية ورؤساء الحكومات
ويبدو
واضحاً لي أن حرية اختيار البديل مكفولة له، ومن هنا كان الحديث عن حملة الماجستير
والدكتوراة (من جامعات مرموقة)، وعن السن وهو لا يتجاوز ما بين الأربعين والخمسين،
لاستبعاد كل الأسماء التي كانت مطروحة على السطح، من الفريق أحمد شفيق، إلى الفريق
سامي عنان، إلى عمرو موسى، إلى حمدين صباحي، إلى غيرهم من بدائل لن تكون تحت
الوصاية المطلوبة، إذا استبعدنا حمدين فهو سيقبل كل ما يعرض عليه.
وتبدو
الصورة واضحة لي أن البديل لن يكون من العسكريين، لأنه سيحكم باسم المؤسسة
العسكرية دون أن يكون خاضعاً لها، فإذا كان من المدنيين فإنه قد يسهل أن يكون تحت
الوصاية لفترة معينة، ولهذا كان المشير محمد حسين طنطاوي يدرك خطورة فوز اللواء
عمر سليمان والفريق أحمد شفيق، ورأى في الدكتور محمد مرسي بديلاً مريحاً، وإن كان
ينتمي لاتجاه ديني مرفوض.
وقد
علمنا منطق القوم، وعندما جرى تعديل الدستور في سنة 2019، ونص على نائب أو أكثر
لرئيس الجمهورية، واتجهت الأنظار إلى اللواء العصار، قلت إنه لن يقع عليه الاختيار
أبداً، بل لن يكون النائب من الجنرالات، واستبعدت ما تردد من أن الفريق كامل
الوزير سيحل محل مصطفى مدبولي في رئاسة الحكومة.
ومن
الطبيعي ألا يكون البديل المقرر تخليقه عسكرياً، وقد تقرر أن يتم تدريبه على الحكم
في الأكاديمية العسكرية. وهذا مصدر أمان، حتى لا تتكرر تجربة الجنرال الحاكم الآن
لموريتانيا محمد ولد الشيخ مع الجنرال السابق محمد ولد عبد العزيز.
فهناك
من يعنيهم الانتقال السلمي للسلطة في مصر، حتى لا تكون عرضة للمجهول، مع الموافقة
على الضمانات اللازمة المطلوبة للخروج الآمن، وإن بدا الرئيس القادم تحت الوصاية
من جانب الرئيس الحالي، وأن يكون من طائفة من المدنيين تشبه من وقع عليهم الاختيار
رؤساء للمجالس النيابية ورؤساء الحكومات، وإن بدت الشروط بما لم يخطر على بال أحد،
فلم يبق إلا تحديد طوله ووزنه ولون عينيه!
ويظل
الاتجاه للاكتفاء بالدورة الحالية هو وليد اللحظة الراهنة، الذي قد يتغير إذا
تغيرت الظروف، وجاء للعالم ما يشغله، ويجعل الحاجة ماسة لمصر بوضعها وظرفها
الحالي!
الآن
كل ما قيل ليس مناورة!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.