منذ
اندلاع موجات العنف المحلي في المنطقة بحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، ثم
العنف العابر للحدود في تسعينيات القرن نفسه، واتساع نطاقها مطلع القرن الحالي،
كانت توجد شخصيات تقف في مواجهة تلك الموجات؛ ترفض فكرة الصدام المسلَّح،
وبالقَطْع ترفض أفكار "صدام الحضارات". وكان أحد هذه الشخصيات البارزة،
الدكتور
عبد المنعم أبو الفتوح الذي أتمَّ في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر
عامه الخامس والسبعين، وقد مثَّل جسراً بين الطيف السياسي الإسلامي من جهة،
والأطراف المختلفة فكريّاً معه، أو المخاصِمة لأفكار هذا المشروع من جهة أخرى.
هذا
المسار الذي بدأه أبو الفتوح في بواكير شبابه، استمر عليه حتى سجَنَه الحاكم
العسكري عبد الفتاح
السيسي شباط/فبراير 2018، فقد كانت تجربة أبو الفتوح
البرلمانية الأولى خلال تحالف الإخوان والوفد في انتخابات البرلمان
المصري عام
1984، ولم يكن مرشحا حينها، لكنه كان مشاركا في التأليف بين الوفد وهو حزب ليبرالي
تاريخي، والإخوان المسلمين وهي جماعة دينية تاريخية.
خوف السيسي من أبو الفتوح لأنه كان صادقا عندما قال في حوار قناة الجزيرة قبيل اعتقاله: "أنا أغْيَر على الجيش من السيسي"، ورغبته في إخراج الجيش من السياسة رغبة وطنية يتفق عليها الجميع، إلا القائد الأعلى لهذه المؤسسة الوطنية والهامة
ومع
الوقت، بدا أن أبو الفتوح مختلف عن كثير من قادة الإخوان المسلمين، وكانت زيارته
لنجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله سنة 1994 سببا جديدا لتعميق الخلافات، فأديب نوبل
كان مثار جدل كبير بين أوساط الإسلاميين، رغم أن الشيخ الغزالي زاره أيضاً. وبعد ذلك،
سُجن أبو الفتوح على خلفية تنظيم الجماعة انتخابات مجلس شورى التنظيم، في ممارسة
غير مألوفة على النظام السياسي وقتها، الذي يقمع أي انتخابات وطنية، وقضى خمس
سنوات في السجن تحت حكم حسني مبارك (1996-2001).
بعد
ثورة يناير 2011 ترشَّح أبو الفتوح لانتخابات الرئاسة، وقد جمعَتْ حملته الرئاسية
شخصيات من اليمين واليسار، والمسلمين والمسيحيين، والشيوخ والقساوسة، والفنانين
والرياضيين، فحصل اجتماع أطراف متنافرة لكن دون أن يتنافروا، ودون ذواب خصائص أي
من هذه الأطراف مع بعضها؛ بل كان الجميع يدرك وجود خلاف في الأفكار، لكنهم يبحثون
عن المساحات المشترَكة، ولم يفعل هذا سوى عبد المنعم أبو الفتوح فقط من بين كل
مرشحي الرئاسة المصريين، وهذه حقيقة مجرَّدَة لا مبالَغة.
كانت
الأنظمة المتعاقبة على مصر تعرف أبو الفتوح جيداً، وكانت المعرفة الوثيقة للسلطة
الحالية بالرجل عقب ثورة يناير، عندما وقف أمام الكتل التنظيمية بالمجتمع والدولة،
دون أدوات الحشد أو البطش أو المال نفسها، ورغم ذلك استطاع الحصول على أكثر من
أربعة ملايين صوت، رغم رسالة التهديد (الاعتداء عليه وسرقة سيارته)، ورغم التشويه
الذي كان يجري ضده من "إخوانه" الذين صحبهم لعقود، فكانت النتيجة مؤشراً
واضحا على ما يمكن للرجل أن يصنعه بين الكتل التنظيمية الكبرى لو تكررت التجربة
وفُتح له المجال ليتكلم مع الشارع.
وما
يؤكد أن النظام يعرف أبو الفتوح جيداً، الواقعة الشهيرة قبيل انتخابات 2014، عندما
جلس حاكم مصر هذا مع مُحاوره (ياسر رزق)، واستَرْجَعَ لحظات قلقه منذ سنتيْن
سبَقَتَا جلستَه تلك، وتساءل: "واحد زي عبد المنعم أبو الفتوح لو كان نجح كان
هيعمل معنا إيه؟"، فأجاب المحاور بتلقائية: "عبد المنعم؟ عبد المنعم
هيعلقنا زي الذبيحة، دا إخوان"، فردّ صاحب "الأحلام" مؤكدا:
"أنت هتقول لي؟ دا إخواني متطرف". فتبقى الحقيقة في ظل الزيف المصاحب
لاتهاماته، أن جنايته الوحيدة هي أنه بديل شديد الخطورة إذا طُرح اسمٌ مدني لإنقاذ
البلاد من دوامتها التي غرقت فيها منذ أن تولى الدفة ربّان محدود الإمكانيات
البدنية والذهنية.
خوف
السيسي من أبو الفتوح لأنه كان صادقا عندما قال في حوار قناة الجزيرة قبيل
اعتقاله: "أنا أغْيَر على الجيش من السيسي"، ورغبته في إخراج الجيش من
السياسة رغبة وطنية يتفق عليها الجميع، إلا القائد الأعلى لهذه المؤسسة الوطنية
والهامة. وهذا التوازن في المطالب السياسية يفزع الحريصين على المقاعد الرسمية
والأهلية، فهو لا ينطلق من أرضية هدم الدولة، بل يعارض نظامها السياسي فقط، ويميّز
بين الدولة والقائمين على الحكم فيها، ويقدّم خطابا واضحا في هذا لا لبس فيه ولا مواربة.
ولم يدَعْ مناسبة التقى فيها دبلوماسيين غربيين، إلا ودعاهم إلى استثمار حكوماتهم
في مصر، ابتغاء تخفيف معاناة الفقراء، وقد زاد النظام من إفقارهم دون اكتراث
لاحتياجاتهم. ونزاهته السياسية دعت وزير خارجية دولة أوروبية ليوصي خَلَفه بالذهاب
لعبد المنعم أبو الفتوح، إذا احتاج إلى الاستماع إلى وجهة نظر غير منحازة عمّا
يحدث في مصر.
قاربنا
على إتمام تسع سنوات من اعتقال الرجل الذي مثّل أحد الجسور بين الإسلاميين
والعلمانيين من جهة، وبين المسلمين والمسيحيين في مصر من جهة أخرى، وبين السنّة
والشيعة من جهة ثالثة، وهو إن كان لا يحتكر تلك الحالة، إلا أنه أحد تجلياتها
المضيئة على المستوى الوطني، وهو مَعْقَد للوئام في زمن الصراع والحروب التي
اشتعلت في المنطقة، لما يحمله من ثقافة متجذرة في المنطقة مرتبطة بدينها، ولما
يحمله من وعي سياسي فاق به أقرانه.
ربما
نختلف مع بعض تقديراته، ولا يمنعنا الاختلاف من تقدير الرجل في المجمل، كما لم
يمنعه اختلافُنا معه من إبداء المودّة لناقده وسماع النصيحة، وما شهدتُ أحداً أحاط
نفسه بهذا الكم من الشباب ليعاونوه، والتزم برأيهم وإن كان معارضاً له، ليرسِّخ
أهمية الالتزام بالقرارات الصادرة عن الحزب الذي يقوده هو، أو الرأي المأخوذ بعد
تداول الآراء، إن كان الأمر لا يتعلق بالحزب.
يظل أبو الفتوح مزعجاً للمستبدين، وأملاً للحالمين بمستقبل أفضل لوطنهم، وجسراً يمكن التلاقي عبر أفكاره وصِدْقِه في التعبير عنها بين الأطراف المختلفة أو حتى المتصارِعة
في
الظهور الإعلامي النادر لأبو الفتوح أمام الكاميرات خلال محاكماته المسيَّسة، يبدو
عليه الإعياء الشديد، والفقدان الملحوظ للوزن، والحاجة إلى المعاونة في أثناء
الحركة، وهو الرجل الذي كان يجوب محافظتين أو ثلاثا في يوم واحد في أثناء حملته
الانتخابية. ظهر أبو الفتوح لا ليشكف عن إعيائه، بل ليكشف عن إعياء العقول التي
تدير البلد، والتي صنعت العنف والإرهاب والفوضى بسلوكها وممارساتها، بدءا من
الانقلاب الذي يقطع الطريق أمام الحركات السلمية برسالة العنف التي قدَّمها،
وطبيعة عملية التغيير نفسها التي لا تلتزم بالمسار السلمي، ومفاد الرسالة ألّا
مكان للديمقراطية والحكم الشعبي إذا لم يكن على هوى راكبي الدبابات، ثم بالدموية
"التي لم تتوقف" في التعامل مع المعارضين؛ لكنها اختلفت من مجازر جماعية
إلى عمليات تصفية وقتل خارج إطار القانون، وأخيرا بسحق المجتمع اقتصاديا بصورة
تدفع المحتاجين إلى الجرائم بغرض إشباع حاجاتهم المالية أو الجنسية، في ظل تغييب
عمدي للقيم والأخلاق التي تكبح جماح السلوك الشاذ في المجتمع.
هدف
النظام السياسي، دون تجميل للألفاظ، إنهاء حياة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح،
وهو ما فعله من قبل مع العديد من المعتقلين السياسيين، فهناك إهمال طبي متعمّد،
وتجاهل لأبسط حقوق المعتقلين، بما فيها الحقوق التي نصّ عليها القانون، الذي وافق
عليه برلمان تحت السيطرة بشكل كليّ، فلا توجد لدى النظام حقوق قانونية ولا حقوق
إنسانية.
ومع
ذلك، فإن ما نعلمه عنه أنه أكثر صلابة من السيسي ونظامه، لهذا يظل أبو الفتوح مزعجاً
للمستبدين، وأملاً للحالمين بمستقبل أفضل لوطنهم، وجسراً يمكن التلاقي عبر أفكاره
وصِدْقِه في التعبير عنها بين الأطراف المختلفة أو حتى المتصارِعة، فمن يُنقذ هذا
الجسر قبل فوات الأوان في زمن لا تُسمَع فيه إلا أصوات القذائف، وتشتدُّ الحاجة
إلى إسكاتها!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.