بعد
حادثة الفيل بنحو خمسين يوماً، جلست الشفاء بنت عوف أمام سيدة بني زُهْرَة آمنة
بنت وهب لتستقبل مولوها من عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وكان بنو هاشم وبنو
عبد مناف بن زهرة أوسَطَ قريش نسباً وأعظمهم شرفاً، وكانت الشفاء أول من استقبلت
النور الذي خرج من السيدة آمنة، وقالت أم عثمان الثقفية، التي حضرَتْ
المولد
الشريف: حضرتُ ولادة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرأيت البيت حين وُضِعَ قد
امتلأ نوراً، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننتُ أنها ستقع عليَّ".
هذا
النور الذي خرج لم يكن نوراً معنويّاً أو مبالغة رواة، بل كان نوراً في صُلب
الأولين من لدن آدم عليه السلام، وكان ظاهراً في وجوههم، إلى والد نبينا الذي ما
إنْ دخل بالسيدة آمنة، حتى فارقه النور الذي كان في وجهه وانتقل إلى صاحب النور
الكامل في بطن أمه. والقصة في انتقال ذلك النور مشهورة في كتب السِّيَر، وقال
سيدنا أبو هريرة: "ما رأيتُ شَيئاً أحسَنَ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ، كأنَّ الشمسَ تَجري في وَجهِه"، وقال: "إذا وضع رداءَه عن
مَنْكِبَيْهِ فكأنه سبيكةُ فِضَّةٍ، وإذا ضحك كان يتلألأُ في الجُدُرِ لم أرَ
قبلَه ولا بعده مثلَه".
وقالت
السيدة عائشة: كُنْتُ قَاعِدَةً أَغْزِلُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ. قَالَتْ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ
جَبِينُهُ يَعْرَقُ، وَجَعَلَ عَرَقُهُ يَتَوَلَّدُ نُوراً. قَالَتْ: فَبُهِتُّ.
قَالَتْ: فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ؟" قَالَتْ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَظَرْتُ إِلَيْكَ فَجَعَلَ جَبِينُكَ يَعْرَقُ،
وَجَعَلَ عَرَقُكَ يَتَوَلَّدُ نُوراً، وَلَوْ رَآكَ أَبُو كَبِيرٍ الْهُذَلِيُّ
لَعَلِمَ أَنَّكَ أَحَقُّ بِشِعْرِهِ. قَالَ: "وَمَا يَقُولُ أَبُو
كَبِيرٍ؟" فَقُلْتُ: يَقُولُ:
وَمُبَرَّأً
مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ
وَدَاءٍ مُغِيلِ
وَإِذَا
نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِضِ الْمُتَهَلِّلِ
قَالَتْ:
فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ بِيَدِهِ،
وَقَامَ إِلَيَّ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيَّ، وَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، مَا
سُرِرْتِ مِنِّي كَسُرُورِي مِنْكِ".
ونورُه
صلى الله عليه وسلم أحد معجزاته، فمولده ترافق مع أحداث عظام، فقد انطفأت نار الفُرس
التي لم تنطفئ ألف عام قبل مولده، وجفَّتْ بحيرة طبرية، وكانت عظيمة الماء،
وتصدَّع قصر كسرى وهُدمت 14 شرفة منه، وقيل كان ذلك عدد من تولوا الملك منذ مولد
النبي حتى نهاية سلطانهم. وفي السماء، كانت هناك ترتيبات أخرى عظيمة، فقد انتشرت
الملائكة في السماء الدنيا لحراستها، ومنعتْ الشياطين من الاقتراب لاستراق السمع،
وهذا أمر ثابت بنص القرآن: "وأنَّا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً
وشُهباً، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً"،
فالأرض تهيَّأتْ واستنارت فرحاً بمقدمه بنور أضاءت ما بين المشرق والمغرب إلى قصور
الشام، كما تهيَّأت السماء لمولده الشريف كذلك.
في
زمن سيطرة الجوارح والأمور الحسِّيَّة قد يستنكر البعض ذلك، إذ إننا أمام بشر، ومن
المهم إدراك أن هذه الأمور لا تنافي بَشَرِيَّته، بل تُناسب إعجاز الإرسال، كما
أنها متصلة بقدرة الله على تصريف الأمور كما يشاء، ومَن خَلَقَ السماوات والأرض ومن
فيهما وجعلهم يسيرون بنظام شديد الدقة، لا يُعجزه فِعْل شيء آخر، ومن كان خاتم
الأنبياء، ومتمِّمَ البناء الإلهي للبشر، يناسبه هذا التعظيم في العالَمِين.
كان
صلى الله عليه وسلم، مع هذه المكانة، يُصغي الإناء للهرة وما يرفعه حتى تروَى؛
رحمةً لها، ولا يمد رجليه بين أصحابه، ويوسع عليهم إذا ضاق المكان، ولا يدع أحداً
يمشي معه وهو راكب حتى يحملَه، فإن أبى قال: "تقدَّمْني إلى المكان الذي
تريد". يخدم من خدَمَه، وله عبيد وإماء لا يترفَّع عليهم في مأكل ولا مشرب
ولا ملبس. قال أنس: خدَمْتُه عشر سنين، فوالله ما صحبته في حَضَرٍ ولا سفر لأخدمه
إلا كانت خدمته لي أكثَرَ من خدمتي له". ولما أراد ذبح شاة في سفر، اختار
جَمْعَ الحطب لإيقاد النار، وهي المهمة الأشق، فقال له أصحابه: "نحن
نكفيك"، فقال الكريم: "قد علمتُ أنكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميَّزَ
عليكم، فإن الله تبارك وتعالى يكره من عبده أن يراه متميِّزاً بين أصحابه"،
وكان يعود المرضى، ويحب المساكين ويُجالسهم ويشهدُ جنائزهم، ولا يحْقِرُ فقيراً
لفقره، ولا يهاب ملِكاً لمُلْكِه. وهذه المناقب كلها ذكرها ابن سيد الناس، في
مختصره لسيرة النبي المكرَّم.
مع
كل حديث عن النبي المصطفى لا يمكن للمرء أن يغفل الإشارات التي أبانها الإمام ابن
حجر الهيتمي في مختصر كتابه المشهور باسم "مولد ابن حجر"، وجاء فيه: فهو
الذي اصطفاه الله تعالى بالمحبَّة والخُلَّة والقرب المنزَّه عن الإحاطة والجهة
والمنزلة، وبالمعراج وما فيه من العجائب التي اطَّلع عليها، والمزايا والفضائل
التي أوتيها، وبالصلاة بالأنبياء أجمعين في بيت المقدس ذهاباً وعوْداً".
وفي
موضع آخر من مختصَرِه عند ذِكْرِه ما رأته السيدة آمنة عند ولادته قال: وأن
قابِلَتَه سمعَتْ قائلاً يقول: يرحمك الله. فسطع نور أضاء ما بين المشرق والمغرب،
لا سيما الشام وقصورَها؛ إشارة إلى أنه يصل إليها بنفسه، وأن الإسراء يكون إليها
ثم منها إلى السماء، وأنها دار مُلْكِه كما في أثَر، ومُهاجَرُ الأنبياء، وأنه ما
من نبي إلا هو منها أو هاجر إليها، (..) قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم
بالشام فإنها خِيرَةُ الله من أرضه، يجتبي إليها من خيرته من عباده".
فالمولد
لا يمرُّ دون تذكر موضع الإسراء وما يتعرَّض له من انتهاكات لحظيَّة على يد
الصهاينة، وما يتعرَّض له أهل الشام في فلسطين ولبنان وسوريا من عدوان صهيوني، يستلزم
اتحاد الأمة على كلمة واحدة، وجَعْل هذه المناسبة المباركة سببا للائتلاف لا
الاختلاف، ونبذ الفرقة السياسية والمذهبية، فائتلاف الأمة خير ما يُتَقَرَّب به
إلى الله، وخير ما يقدِم به المرء على حبيبه يوم اللقاء.
يا
رب بالمصطفى بلِّغ مقاصدنا واغْفِرْ لنا ما مضى يا واسعَ الكرَمِ
والْطُفْ
إلهي بكلِّ المسلمينَ بما يَتْلُونَ في المَسجدِ الأقْصى وفي الحَرَمِ
بِجَاهِ
من بَيْتُه في طِيبَةٍ حَرَمٌ واسْمُهُ قَسَمٌ مِن أَعْظَمِ القَسَمِ
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.