تداولت
وسائل إعلام محلية وإقليمية مشاهد
تعنيف العميد السابق لكلية الهندسة بجامعة
القاهرة ومحافظ القليوبية الحالي في
مصر؛ لمديرَيْ مدرستين في إطار جولة ميدانية
له قبيل بدء العام الجديد، ومع الرفض الكامل لهذا السلوك من المحافظ، فإن سؤالاً
يقفز إلى الذهن مباشرة عمَّا دفعه إلى هذا التصرف المرفوض.
في
الذاكرة القريبة نجد أن الوزير المدلل كامل الوزير عنَّف مهندساً بطريقة بها تجاوز
وإهانة، ومرَّ الأمر وسط انتقادات اجتماعية دون تعليق من أي مسؤول. أما الذاكرة
البعيدة فمملوءة بوزراء ومحافظين انتقدوا مديري مستشفيات ومدارس في العلن،
وأحالوهم إلى التحقيق أو أوقفوهم عن العمل، أو قرروا نقلهم. وبغض النظر عن مدى
استحقاق الشخص للإجراء العقابي من عدمه، فالإشكال في الإهانة المصاحبة لسلوك
المسؤولين في تعاملهم مع مرؤوسيهم. هذا عن المسؤولين الكبار في الدولة، فماذا عن
رأس السلطة التنفيذية؟
اعتاد
السيسي تعنيف الأشخاص في خطاباته وسحقهم، فمثلاً في قضية التنازل عن جزيرتيْ تيران
وصنافير خرج ليخاطب بعض الأشخاص المجتمعين معه والمختارين بعناية، وقال لهم:
"بلاش كلام في الموضوع دا تاني"، فأراد منع النقاش في قضية تنازل عن
الأرض، وسحَقَ المتظاهرين سحقاً.
الإشكال في الإهانة المصاحبة لسلوك المسؤولين في تعاملهم مع مرؤوسيهم. هذا عن المسؤولين الكبار في الدولة، فماذا عن رأس السلطة التنفيذية؟
وعندما
قال وزير الكهرباء المصري -الأسبق- محمد شاكر: إن "السد العالي خرج من الخدمة"
باعتباره أهم مصادر توليد الكهرباء في البلاد، وذلك نتيجة التداعيات الخطيرة لسد
النهضة الإثيوبي على مصر، قاطعه السيسي وأحرجه قائلاً: "بلاش نتكلم في
التفاصيل دي لو سمحت". ليمنع المصريين من معرفة الأخطار التي تحيط بمستقبلهم
المائي قبل أزمة الكهرباء.
أيضاً،
لم يسلم وزير الداخلية -الأسبق- مجدي عبد الغفار من النقد العلني، في أثناء افتتاح
أكاديمية الشرطة بالتجمع الخامس، مطالباً إياه بتخفيف التأمين البشري لتقليل
المصروفات، مع حدة في الكلام الموجَّه إلى عبد الغفار ولواء الشرطة المسؤول عن شرح
التفاصيل له.
كذلك،
عندما طالب أحد نواب برلمانه المصنوع على عينه بإرجاء الزيادات المتوقعة -وقتها-
في أسعار الوقود، عنَّفه بطريقة مهينة، وسأله "من أنت؟"، وعندما عرّف عن
نفسه بأنه عضو مجلس نواب قال السيسي: "نواب إيه؟"، "هل درستَ ما
تقول؟".
وفي
واقعة أخرى انفعل على وزير الداخلية (لم يكن مدير أمن الإسكندرية موجوداً) بسبب ما
أسماها تعديات على أراضي الدولة، وأحرج مذيعة مؤتمر حكاية وطن، آية عبد الرحمن، في
جلسة المشروعات القومية والبنية التحتية، عقب مقاطعتها وزير البترول طارق الملا، في
أثناء الحديث عن الاستثمارات بقطاع البترول.
وأحرج
محافظا القاهرة والإسكندرية من قبل على الهواء وهو يسألهم عن تفاصيل مالية في
مؤتمرين منفصلين، وأحدها كان عن تقديرات مالية مستقبلية لمحافظة الإسكندرية، ضاغطاً
ليقول في النهاية: "أنا لو مكانك سأحسبها بالجنيه، سواء الوارد أو
المصروف". ليبدوَ بصورة المُلمِّ بالتفاصيل كلها وحده.
والأخطر
من ذلك مَلَامُه لشيخ الأزهر الذي يحظى باحترام دولي وشعبي، في احتفالية عيد
الشرطة عام 2017، وهو يشير إلى مسألة الطلاق الشفهي الذي رفضته "هيئة كبار
العلماء" أكبر هيئة علمية في مصر، ومن أكبر الهيئات السنية في العالم كله،
فعاتبه بقوله: "تعبتني يا فضيلة الإمام".
كما
اعتاد السيسي اختصاص الدعاة من الأزهر الشريف بنقد خاص في معظم الاحتفاليات التي
يلقاهم بها، باعتبارهم جامدين، ولعل أبرز خطاب كان في ذكرى المولد النبوي الشريف
عام 1436هـ/2015م عندما قال: "ليس معقولا أن يكون الفكر الذي نقدسه على مئات
السنين يدفع الأمة بكاملها للقلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها".
وأضاف أن هذا الفكر "يعني أن 1.6 مليار (مسلم) حيقتلوا الدنيا كلها التي يعيش
فيها سبعة مليارات عشان يعيشوا هم". وهي كلمات لا تخرج من فم شخص يفهم دينه،
فضلاً عن قبح اختيار المكان والشخوص الذين ألقيت عليهم هذه الكلمات، والأسوأ قبح
اختيار المناسبة التي يحتفي بها المسلمون بالنبي الذي ابتعثه الله لهذا
الدين/الفكر الذي "يقدسونه".
إذا كانت الدولة قائمة على العنف والقمع وكبت الحريات، فهذا مناخ مناسب ليبسط كل ذي سطوة سطوته على من يستطيع، سواء كان بسط السطوة بسلطة رسمية، أو بقهر مجرم يحتمي بزمرة من المجرمين أو بسلاحٍ ما
تضاف
إلى هذه الوقائع، تعنيفه وتهديده الدائمين للمصريين، وتحميلهم سبب كوارث الأوضاع
الاقتصادية والسياسية. فالمصريون مسؤولون عن الغلاء، ومسؤولون عن سد النهضة بسبب
تظاهرهم في 25 يناير 2011، ومسؤولون عن تراجع وضع مصر الإقليمي، ومسؤولون عن
الأزمات الاقتصادية بإنجابهم للأطفال، واستخدام الطعام بكثافة في الموائد
الرمضانية (والحقيقة أنه كرم اعتاده المصريون في رمضان وربما لم يعتَدْه هو)،
ومسؤولون عن إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ومسؤولون عن الإساءة إلى
العلاقة بين الجيش والمجتمع، فالمصريون دائماً معرَّضون للتعنيف والتهديد من
قِبَله.
هذه
العادة التي بدأها السيسي ولا يزال مستمراً فيها، جعلت أصحاب المناصب الأدنى منه يظنون
أن فِعْلَهم مظنَّةٌ لمدحه وثنائه، وأن المنفعل على مرؤوسيه سيلفت النظر إلى
"كفاءته وجديته"، ما قد يجعله مرشحاً لمنصب أعلى في دولة قائمة على
التعنيف.
كذلك،
إذا كانت الدولة قائمة على العنف والقمع وكبت الحريات، فهذا مناخ مناسب ليبسط كل
ذي سطوة سطوته على من يستطيع، سواء كان بسط السطوة بسلطة رسمية، أو بقهر مجرم
يحتمي بزمرة من المجرمين أو بسلاحٍ ما.
يعيش
محافظ القليوبية في بيئة هكذا فصدر سلوكه المرفوض، وهذا ليس تبريراً له، فهو مخطئ
تماماً وردُّ الاعتبار للمديريْن أمر جيد، لكن السؤال: لماذا تعرَّض هذا المحافظ
دون غيره للوم والعتاب رغم صدور مواقف مشابهة لمحافظين ووزراء؟ والسؤال الأهم: من
يوقف السيسي عن تعنيف المصريين وازدرائهم وقمعهم؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.