عندما يدار المرض سياسياً !

عبد الناصر سلامة
"للمرة الأولى، نجد الكتائب الإلكترونية الخاصة بالنظام تعترض على التشفي في مريض، أو الدعاء بالمرض على شخص ما، أو استخدام ألفاظ سوقية في التعبير"
"للمرة الأولى، نجد الكتائب الإلكترونية الخاصة بالنظام تعترض على التشفي في مريض، أو الدعاء بالمرض على شخص ما، أو استخدام ألفاظ سوقية في التعبير"
شارك الخبر
أزمة حقيقية تمر بها الإدارة السياسية المصرية هذه الآونة، تتعلق بمرض أحد أذرعها الإعلامية، عندما فوجئت بهبّة شعبية منقطعة النظير تتشفى في المريض، بالدعاء عليه وأمثاله من تلك الأذرع، بمزيد من الأمراض ومزيد من النكبات، وهكذا إلى أن وجد القائمون على أمر الشأن الإعلامي أنفسهم في مأزق مهين، استوجب التعامل معه بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة، فما كان منهم إلا أن أثبتوا فشلاً ذريعاً في التعامل مع الموقف، كما هو الفشل الحاصل في التعامل مع المسار الإعلامي بشكل عام.

المذيع أحمد موسى، مقدم أحد البرامج التلفزيونية الليلية، هو بطل المعركة مع الشعب هذه المرة، حينما استدعت ظروفه الصحية السفر إلى ألمانيا للعلاج، ثم التوجه لأحد المستشفيات في مصر، بعد فترة وجيزة من العودة، فما كان من السوشيال ميديا إلا أن انقلبت رأساً على عقب بالدعاء عليه وعلى الآخرين ممن هم على شاكلته، على اعتبار أنهم اعتادوا التعامل مع الشعب بالطريقة نفسها، واستخدام الألفاظ القبيحة، وتوجيه الاتهامات المزيفة، وسب ولعن المعارضين، وتحريض النظام على قتل الناس في الشوارع؛ نعم قتل الناس، تبرير كل ما هو فاسد ومشين، إلى غير ذلك من كثير، في وقت يعاني فيه المواطن أيما معاناة.

ما كان من السوشيال ميديا إلا أن انقلبت رأساً على عقب بالدعاء عليه وعلى الآخرين ممن هم على شاكلته، على اعتبار أنهم اعتادوا التعامل مع الشعب بالطريقة نفسها، واستخدام الألفاظ القبيحة، وتوجيه الاتهامات المزيفة، وسب ولعن المعارضين، وتحريض النظام على قتل الناس في الشوارع

للمرة الأولى، نجد الكتائب الإلكترونية الخاصة بالنظام تعترض على التشفي في مريض، أو الدعاء بالمرض على شخص ما، أو استخدام ألفاظ سوقية في التعبير، على الرغم من أن هذه الكتائب النظامية، وتلك البرامج الرسمية، هي التي اخترعت هذا النوع من الأداء الإعلامي الرخيص، فلا تكاد تشاهد أي من مقدمي هذه البرامج إلا وتردد "حسبي الله ونعم الوكيل" نتيجة ما تسمع وترى، حتى أن أسماءهم جميعاً اقترنت بتلك المفردات السيئة أو القبيحة، التي يعف اللسان عن ترديدها، أو القلم عن ذكرها.

بدا واضحاً أن التعليمات صدرت للصف الأول من هؤلاء، بكتابة كل منهم نصاً على "السوشيال ميديا"، ينفي خطورة المرض الذي لحق بزميلهم، يؤكدون أنه بخير، وأنها مجرد وعكة صحية خفيفة، وأنه سوف يتجاوزها قريباً (وكأن المرض في حد ذاته أمراً معيباً أو وضعاً مشيناً)، ويكيلون في الوقت نفسه السباب للمتشفين، متهمين إياهم بأنهم من فصيل الإخوان المسلمين، أو يعملون لحسابهم على أقل تقدير، وهو ما جعل الرأي العام يعي أهمية الموضوع بالنسبة لهؤلاء، ما دعاه للتصعيد بمزيد من الدعاء والتشفي.

لم تفلح الجولة الأولى كما هو واضح في تغيير أي شيء في مسار الأحداث، وبدا واضحاً الانتقال إلى جولة أخرى، بكتائب جديدة، ممثلة في العاملين بالقناة نفسها التي يعمل فيها المريض، مستخدمين أيضاً في هذه المرة نصاً محدداً، وهو أن الزميل يتميز بحسن الخلق، وخدمة زملاء العمل، والبشاشة في التعامل مع الآخرين، والتصدق على الفقراء، وأنه قد نال دعاء الوالدين قبل وفاتهما، نظراً للبر بهما، وأنه ساعد إحدى الساعيات لفريضة الحج مادياً، كما أنه يتميز بالوطنية الشديدة، وعدم التحول في الانتماء الوطني، إلى غير ذلك.

بالتأكيد دخل على خط السجال فرع متخصص، ممن استخدموا الدين في التصدي لهذه الهجمة، على اعتبار أن ذلك أمر يتعارض مع الأخلاقيات الدينية، وأن ديننا الحنيف دعانا إلى الدعاء للمريض أياً كان دينه أو طائفته، فما كان من آخرين إلا أن استعانوا بنصوص من سيرة السلف الصالح، تجيز التعامل مع سيرة الفاسقين والمجرمين بما يستحقون، بهدف العظة والاعتبار، مستشهدين أيضاً بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام "أنتم شهداء الله في الأرض" حينما مرت جنازة أثنى عليها الصحابة، ثم مرت أخرى ففعلوا العكس، ما يشير إلى أهمية شهادة الناس بحق هذا الشخص، أو ذاك المريض، أو ذلك المتوفى.

الغريب في الأمر، أن القائمين على أمر الإعلام بشكل عام، لا يستطيعون إخفاء ذلك الضجر والقلق، من ردة فعل الناس تجاه أمراضهم أو نكباتهم، حتى أن أحدهم خرج ذات مرة على الهواء مباشرة، يبدي قلقه من هذه الحالة، في أعقاب وفاة أحد زملائه، والتي لاقت حينذاك ابتهاجاً واسعاً أيضاً. وها هم جميعاً يعيشون الحالة نفسها هذه المرة، مدركين أن ألعاباً نارية يمكن أن تطلق في الهواء حال وفاة أحدهم، وهو ما جعل بعضهم يدعو إلى الحد من التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، وفرض مزيد من الرقابة عليها، بل هناك من يطالب بإغلاقها.

كأن أمر حرية الرأي يحتاج إلى مؤتمرات، في الوقت الذي تعج فيه السجون بالعشرات من الصحفيين وسجناء الرأي، لم يخطر ببال الوزير طلب الإفراج عنهم أولاً قبل الحديث عن أي مؤتمرات، أو هكذا منطق الأشياء، وهو ما جعل الرأي العام يتعامل مع هذا الأمر أيضاً كسابقه من الحوارات

المثير للدهشة أيضاً، أنه ومع كل ما يجري، لم نسمع صوتاً رسمياً يعتذر عما بدر من هؤلاء على مدى أكثر من عقد من الزمان، أو يدعو لفتح صفحة جديدة في العمل الإعلامي، أو يدعو لاحترام المواثيق الإعلامية على الجانبين، الرسمي والمعارضة، أو من يبادر بتغيير هذه الوجوه التي ضجر منها المجتمع، بل عفا عليها الزمن، بعد أن أصبحت مقيتة إلى الحد الذي لا يمكن قبوله أو التعامل معه.. على العكس تماماً، بدا الإصرار واضحاً على استكمال مسيرة الفشل، التي تعدت إدارة العمل الإعلامي، إلى إدارة مرض أو مريض، كان يمكن تجاهله تماماً على المستوى الرسمي، بالتالي كان يمكن تجاهل الأمر شعبياً.

وتأتي هذه الأزمة الطارئة، في وقت يتحدث فيه وزير الدولة للإعلام، عن مؤتمر ضخم الجثة، عريض المنكبين، يعقد في الثالث من أيلول/سبتمبر المقبل حول الإعلام، بهدف إمكانية فتح باب النقد والمعارضة شيئاً ما، وكأن أمر حرية الرأي يحتاج إلى مؤتمرات، في الوقت الذي تعج فيه السجون بالعشرات من الصحفيين وسجناء الرأي، لم يخطر ببال الوزير طلب الإفراج عنهم أولاً قبل الحديث عن أي مؤتمرات، أو هكذا منطق الأشياء، وهو ما جعل الرأي العام يتعامل مع هذا الأمر أيضاً كسابقه من الحوارات التي كانت بمثابة استهلاك للوقت، لم تسمن أو تغني من جوع، ومن خلال ذلك الشخص نفسه، وزير الدولة للإعلام، الذي لم يترك أثراً في أي من مواقعه، إلا أن الإصرار واضح على تدويره، كما لو كانت البلاد قد نضبت من الكفاءات.

على أية حال، لسنا أبداً من أنصار التشفي بالمرض، أو الدعاء بالسوء، إلا أن التماس العذر للمتضررين أمر طبيعي، يستدعي عقداً اجتماعياً، أو إنسانياً، بين كل الأطراف، يلتزم فيه الجميع بالقيم الدينية من جهة، وقيم المجتمع من جهة أخرى، بعد أن أصبحت من الماضي، في ظل سياسات لم تجلّ الدم أو الموت أو المرض، وقبل ذلك الكبير والصغير والمرأة، إلى غير ذلك من كثير أصبح في طي النسيان، بل وغيابات الجب، في خضم كثير من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية، التي لا يعلم إلا الله وحده متى وكيف يمكن أن تنتهي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل