تحالف مكة المكرمة.. بين العاطفة والعقل

عبد الناصر سلامة
"جاء في بيان الإعلان عن التحالف أن الباب مفتوح أمام انضمام دول أخرى"- واس
"جاء في بيان الإعلان عن التحالف أن الباب مفتوح أمام انضمام دول أخرى"- واس
شارك الخبر
تحالف الدفاع المشترك، المعلن عنه في مكة المكرمة يوم الجمعة الماضي بين كل من المملكة السعودية وتركيا وباكستان، لم يكن هو الأول من نوعه في المنطقة خلال العقود الثمانية المنصرمة، وبالتأكيد لن يكون الأخير، في ضوء تراكم الأحداث وتطورها بشكل درامي غير مسبوق، وسط توقعات بمزيد من التفاعل والسخونة، خلال الشهور وربما الأسابيع القليلة المقبلة، وهو ما يعجّل بمزيد من التحالفات من جهة، ويعجّل بانهيار أخرى من جهة أخرى، في ضوء اختبارات حسن النية التي تفرض نفسها على مسار الأحداث، على أكثر من صعيد وأكثر من جبهة.

بدءاً من تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، شهدت المنطقة تحالفات عديدة، ربما كان معظمها على عجل من أمرها، في مقدمتها حلف بغداد عام 1955، الذي ضم إضافة إلى العراق كلا من تركيا وإيران وباكستان وبريطانيا، ثم الجمهورية العربية المتحدة التي ضمت مصر وسوريا عام 1958، واتحاد الجمهوريات الثلاث؛ مصر وسوريا وليبيا عام 1971، ومجلس التعاون الخليجي؛ السعودية وعمان وقطر والإمارات والكويت والبحرين عام 1981، ومجلس التعاون العربي؛ مصر والعراق والأردن واليمن عام 1989، واتحاد الدول المغاربية؛ الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا في 1989، ثم التحالف العربي في اليمن بقيادة المملكة السعودية عام 2015، ثم كان تحالف مكة المكرمة الأسبوع الماضي.

ربما كان تحالف مكة المكرمة هو الأكثر إثارة وجدلاً بين كل التحالفات السابق ذكرها، ربما بعد فقدان الثقة في مثل هذه الممارسات، وربما لوجود علامات استفهام عديدة حول أطراف التحالف كل على حدة، وربما بسبب التوقيت الحالي، وما يحمله من معطيات كثيرة كفيلة بالتشكيك في الأهداف

ربما كان تحالف مكة المكرمة هو الأكثر إثارة وجدلاً بين كل التحالفات السابق ذكرها، ربما بعد فقدان الثقة في مثل هذه الممارسات، وربما لوجود علامات استفهام عديدة حول أطراف التحالف كل على حدة، وربما بسبب التوقيت الحالي، وما يحمله من معطيات كثيرة كفيلة بالتشكيك في الأهداف التي من أجلها تم إنشاء هذا التحالف، الذي ضم دولتين من خارج المنطقة الخليجية بل والعربية عموماً، وهو ما يثري الجدل الذي يظل بلا إجابات، على الرغم من زخم التحليلات التي أحاطت بالخبر بمجرد إعلانه.

ليس خافياً أن دولة باكستان، ذات الحكم العسكري الغليظ، تخضع من كل الوجوه لتوجيهات جهاز المخابرات الأمريكية في سياساتها الخارجية، لأسباب عديدة، أهمها الحاجة للدعم الأمريكي في ذلك العداء الدموي مع جارتها، الهند، بسبب الخلاف على إقليم كشمير المتنازع عليه، إضافة إلى قضايا أخرى، وهو ما يجعل من حرية القرار الباكستاني، فيما يتعلق بأي تحالفات عسكرية، أمراً مشكوكا في مصداقيته، ناهيك عن أن هناك بالفعل أكثر من تحالف دفاع مشترك بين باكستان والمملكة السعودية، من خلال عدد من الاتفاقيات، أعوام 1967 و1982 و2005، لم تستطع الرياض تفعيل أي منها عام 2015، في الحرب في اليمن، بعدما تذرعت إسلام أباد بأن الاتفاقيات تقضي بالدفاع عن السعودية وليس بالعدوان على الآخرين، وهو ما أطاح بذلك التحالف، بل أطاح برئيس الوزراء الباكستاني حينذاك نواز شريف، نظراً للتغلغل السعودي في الشأن الباكستاني الداخلي إلى حد كبير.

كما ليس خافياً أيضاً أن تركيا، العضو في حلف الناتو الغربي، لا يمكنها المغامرة من طرف واحد بالانخراط في حرب مع إيران أو حتى اليمن، في ضوء تمدد مصالحها خلال السنوات الأخيرة، في كل من قارتي آسيا وأفريقيا بشكل خاص، تجارياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً، ما يجعل من أي مغامرات عسكرية ضرباً من الحماقة، يهدد كل هذه المصالح، في الوقت الذي تستعر فيه الأحداث التركية مع الكيان الصهيوني، على أكثر من صعيد، تحديداً في سوريا ولبنان وغزة والبحر المتوسط، بينما تتأزم أحداث البحر الأسود، على الجبهة الروسية- الأوكرانية، والتي تنخرط فيها تركياً، رغماً عنها، يوماً بعد آخر، خصوصاً بعد استهداف سفنها التجارية، ومصالحها الحيوية، عمداً عن سبق إصرار.

أمام تحالف غريب من نوعه، ليس معلناً ضد مَن، ولا مع مَن، ولا كيف سيتعامل مع المواقف الطارئة التي قد تفرض نفسها بين لحظة وأخرى، كيف سيتعامل مع عدوان إسرائيلي متوقع على تركيا، أو عدوان هندي معتاد على باكستان، أو رد إيراني على القواعد العسكرية الأمريكية في المملكة السعودية

أيضاً ليس خافياً، أن استنزاف المملكة العربية السعودية، اقتصادياً وعسكرياً، من خلال الجبهة اليمنية بشكل خاص، أمر مكلف إلى أبعد حد، خصوصاً في ضوء انكشاف البنية التحتية النفطية، وأيضاً البنية العسكرية، في مواجهة خصم ليس لديه ما يبكي عليه، بعد نحو عشر سنوات من الحصار الاقتصادي والتجاري، وهو الأمر الذي يجعل من دخول السعودية في مواجهة مباشرة، طويلة المدى، مع أي من دول الجوار، أمراً غاية في الخطورة، وعدم تقدير للموقف.

نحن إذن أمام تحالف غريب من نوعه، ليس معلناً ضد مَن، ولا مع مَن، ولا كيف سيتعامل مع المواقف الطارئة التي قد تفرض نفسها بين لحظة وأخرى، كيف سيتعامل مع عدوان إسرائيلي متوقع على تركيا، أو عدوان هندي معتاد على باكستان، أو رد إيراني على القواعد العسكرية الأمريكية في المملكة السعودية، وهو الغموض الذي يقف أمامه المراقبون في حالة دهشة بالغة التعقيد، تكشف أسباب عدم انضمام دول أخرى إقليمية إليه، مثل مصر أو قطر أو الجزائر بشكل خاص، على الرغم مما جاء في بيان الإعلان عن التحالف، من أن الباب مفتوح أمام انضمام دول أخرى.

الغريب في الأمر، أن هناك عاطفياً، من التيارات العروبية بشكل خاص والإسلامية عموماً، من يعولون كثيراً على هذا التحالف وغيره مما شابه ذلك، باعتبار أنه مجرد بداية، نحو تشكيل قوة إقليمية سياسية واقتصادية وعسكرية وغيرها، إلا أن هذه التطلعات، وبإعمال قليل من العقل، سوف تجد أن أيا من هذه التحالفات لم تشر من قريب أو بعيد إلى الكيان الصهيوني كهدف، أو كعدو على أقل تقدير، بل إنها لا تستطيع ذلك، في الوقت الذي يجاهر فيه الكيان بأطماعه في المنطقة، والإصرار على ارتكاب جرائم حرب بحق الأشقاء في أكثر من قُطر عربي، ما يجعلنا أمام تحالفات غير موثوقة، تستهدف كما هو واضح، المواطن العربي بالدرجة الأولى، في الداخل والخارج، ما يجعل الفشل مصيرا محتوما.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)