نهاية تجربة حزب المستقبل التركي

إسماعيل ياشا
"لماذا شعبية حزب المستقبل لم تصل حتى 1 في المائة في عموم البلاد؟"- الأناضول
"لماذا شعبية حزب المستقبل لم تصل حتى 1 في المائة في عموم البلاد؟"- الأناضول
شارك الخبر
أعلن رئيس حزب المستقبل، أحمد داود أوغلو، الأربعاء الماضي، اعتزاله النشاط الحزبي، إضافة إلى حل الحزب الذي أسسه في كانون الأول/ ديسمبر 2019 بعد انشقاقه عن حزب العدالة والتنمية. وقال داود أوغلو في بيان مطول إن سبب إنهاء أنشطته الحزبية يرجع إلى حرصه على "تجنب الانخراط في المناخ السياسي الفاسد في البلاد"، وأن "النظام السياسي في تركيا يمر بأزمة عميقة، وأن الهيكل الحالي يقوض العمل الديمقراطي والأخلاقيات السياسية".

داود أوغلو عمل مستشارا لعبد الله غول ورجب طيب أردوغان، ثم تم تعيينه وزيرا للخارجية. وبعد فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية في آب/ أغسطس 2014، انتخب رئيسا لحزب العدالة والتنمية، خلفا لأردوغان، كما تم تكليفه لتشكيل الحكومة ليصبح رئيسا للوزراء. وبعد ذلك بدأ داود أوغلو والمقربون منه يقولون للصحفيين إن "عهد أردوغان قد ولَّى ليبدأ عهد الخوجا"، في إشارة إلى داود أوغلو.

حزب المستقبل أغلق أبوابه لأنه فشل فشلا ذريعا في الحصول على ثقة الشعب، وظل حزبا سياسيا صغيرا للغاية، ولم يتحمل التكاليف المالية المطلوبة لاستمرار أنشطته

ولم يتمكن حزب العدالة والتنمية برئاسة داود أوغلو من الحصول على أغلبية في البرلمان في انتخابات حزيران/ يونيو 2015 تمكنه من تشكيل الحكومة وحده، كما فشل داود أوغلو في تشكيل حكومة ائتلافية، واضطر أردوغان للتدخل في شؤون حزب العدالة والتنمية واختيار مرشحيه للانتخابات المبكرة التي أجريت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، وحصل فيها حزب العدالة والتنمية على 49,5 في المائة من أصوات الناخبين ليتمكن من تشكيل الحكومة وحده.

تداخل الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أدَّى إلى خلافات بين أردوغان وداود أوغلو، واستقالة الأخير أولا من رئاسة الوزراء في أيار/ مايو 2016، ثم من حزب العدالة والتنمية في أيلول/ سبتمبر 2019 ليؤسس حزب المستقبل.

ويرى داود أوغلو أنه تعرض لمؤامرة يقف وراءها أشخاص أفسدوا علاقاته مع أردوغان، إلا أن فرضية انخداع رئيس الجمهورية بما ذكره هؤلاء في حق داود أوغلو ضرب من الخيال، بل أردوغان كان على علم بكل تفاصيل تحركات داود أوغلو الهادفة إلى إقصائه عن حزب العدالة والتنمية وعن المشهد السياسي وحكم البلاد.

تأسيس حزب المستقبل برئاسة داود أوغلو أحيا لدى بعض الإسلاميين آمالا في وجود حزب ذي نكهة إسلامية؛ يقف إلى جانب الحكومة إن أصابت وينتقد خطأها إن أخطأت، كما كان هناك آخرون يأملون في ممارسة العمل السياسي في صفوف هذا الحزب الجديد والترشح للانتخابات ضمن قوائمه، بعد أن فقدوا الأمل في الترشح ضمن قوائم حزب العدالة والتنمية. إلا أن تلك الآمال سرعان ما تبخرت حين تحالف حزب المستقبل مع أحزاب الطاولة السداسية، وترشح عدد قليل من أعضائه للانتخابات البرلمانية ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري، في مقابل دعم كمال كليتشدار أوغلو في الانتخابات الرئاسية.

حزب المستقبل أغلق أبوابه لأنه فشل فشلا ذريعا في الحصول على ثقة الشعب، وظل حزبا سياسيا صغيرا للغاية، ولم يتحمل التكاليف المالية المطلوبة لاستمرار أنشطته، كإيجارات المقرات ورواتب العاملين وتكاليف المواصلات والاتصالات، علما بأن الأحزاب السياسية تتلقى دعما ماليا من خزانة الدولة حسب نسب الأصوات التي تحصل عليها، وأن الأحزاب الصغيرة تحرم من ذلك الدعم. وسبق أن نقل حزب المستقبل بعض مقراته، بما فيها مقره الرئيسي في أنقرة، إلى مباني أصغر لتخفيف تكاليف الإيجار.

داود أوغلو في البيان الذي أعلن فيه إنهاء أنشطته الحزبية، اعتبر أن النظام السياسي التركي في أزمة عميقة، كما وصف المناخ السياسي في البلاد بــ"الفاسد"، إلا أنه لم يجب حتى الآن على السؤال الأهم، وهو: "لماذا شعبية حزب المستقبل لم تصل حتى 1 في المائة في عموم البلاد؟
تركيا بحاجة إلى حزب سياسي معارض ذي نكهة إسلامية ووطنية يبقى خارج تحالف الجمهور ليتمكن من انتقاد أخطاء الحكومة، ويقترح حلولا لتصحيحها، ولكنه لا يتحالف مع العلمانيين المتطرفين
ولماذا لم يصوت الناخبون لحزبه في الانتخابات، على الرغم من قوله إن سكان الأناضول يقومون عن بكرة أبيهم للدفاع عنه لو أرسل إليهم تحياته فقط؟".

تركيا بحاجة إلى حزب سياسي معارض ذي نكهة إسلامية ووطنية يبقى خارج تحالف الجمهور ليتمكن من انتقاد أخطاء الحكومة، ويقترح حلولا لتصحيحها، ولكنه لا يتحالف مع العلمانيين المتطرفين، كما لا يوالي القوى الخارجية، ولا يتردد دعم الحكومة في القضايا الوطنية، ويقدم مصالح البلاد وأمنها واستقرارها على حسابات حزبية ضيقة. ولوهلة ظهر حزب الرفاه الجديد برئاسة فاتح أربكان كذاك الحزب، فارتفعت شعبيته، إلا أنه سرعان ما خيَّب آمال الناخبين الذين صوَّتوا لأردوغان في الانتخابات الرئاسية ولحزب الرفاه الجديد في الانتخابات البرلمانية والمحلية. وكان حزب المستقبل بإمكانه أن يسد ذات الفراغ، إلا أن خيارات خاطئة ضيّعت تلك الفرصة.

هناك محللون يقولون إن داود أوغلو قد يعود إلى حزب العدالة والتنمية بعد حل حزب المستقبل، وآخرون يرون ذلك شبه مستحيل، وهو الاحتمال الأقوى والأقرب إلى الواقع. ومن المتوقع أن يؤسس داود أوغلو مركز دراسات يواصل فيه أنشطته السياسية والفكرية، إلا أن استقالته من حزب العدالة والتنمية وتجربته الفاشلة في حزب المستقبل ستلقي بظلالها على تحليلاته، كما أن الأغلبية الساحقة من مؤيدي حزب العدالة والتنمية لم يعودوا منبهرين بآرائه السياسية وأطروحاته الفكرية ونظرياته الاستراتيجية.

x.com/ismail_yasa


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)