قبضة أمنية وإلكترونية في مواجهة الحالة المصرية

عبد الناصر سلامة
"القبضة الأمنية لم تحقق الاستقرار أبداً كل الوقت"- جيتي
"القبضة الأمنية لم تحقق الاستقرار أبداً كل الوقت"- جيتي
شارك الخبر
المراقب للحالة المصرية، سوف يلحظ بالعين المجردة حالة مخاض واسعة على كل المستويات؛ الشعبية، الاجتماعية، الشبابية، الطائفية، النقابيّة، السياسية، بعضها طبيعي بالتأكيد، والبعض الآخر بفعل فاعل، قد يكون بدعم الوطنيين في الداخل، وقد يكون بفعل الطابور الخامس في الخارج، الذي أراه أمريكياً إسرائيلياً إماراتياً. وفي كل الأحوال هي الحالة نفسها التي سبقت أحداث 25 يناير 2011، خصوصاً أنها تأتي متزامنة أيضاً، هذه المرة، مع الحراك الحاصل في الجمهورية التونسية، وهو ما يثير لعاب الشارع في مصر، ويثير حفيظة النظام الحاكم في آن واحد.

وإذا كان "فيسبوك" كأداة للتواصل السريع بين المواطنين، قد لعب دوراً مهماً خلال أحداث 2011، ما أدى إلى قرار بقطعه تماماً عن المشتركين حينذاك، فإن "السوشيال ميديا" بشكل عام، أصبحت تؤدي دوراً على قدر كبير من الأهمية في الحالة الراهنة، من خلال "فيديوهات" متعاقبة على مدار الساعة، لأشخاص لم يألفهم المشاهد من قبل، رجالاً ونساءً، شباباً وشيوخاً، من داخل مصر وخارجها، يكيلون الاتهامات للنظام، تتوعد بالويل والثبور في الوقت نفسه، بألفاظ خارجة سافرة أحياناً، وانتقادات لاذعة موثقة في معظم الأحيان.

مزيد من الجهود التي اعتمد عليها النظام على مدى 12 عاماً مضت، هي فترة حكم السيسي، وفي الوقت نفسه باستخدام القبضة الأمنية، حيث أُتخمت السجون، بما يعرف بشباب "السوشيال ميديا"

المهم، أنه في خضم سخونة الأحداث، يمكن رصد العديد من الظواهر المثيرة للقلق والانتباه، من بينها: الكثير من الخطاب الموجه للمواطنين والمسؤولين معاً نتيجة الكبت، والعنف الاجتماعي نتيجة القهر، وغليان الشارع نتيجة غلاء المعيشة، وجفاف الترع نتيجة السد الإثيوبي، وارتفاع وتيرة الانتقاد مع رصد أحداث تونس، وتجرؤ المواطن على النظام بالجهر بالعداء والسباب، وادعاءات غير مبررة للأقباط خصوصاً أقباط المهجر، وارتفاع معدلات البلطجة في الشارع نتيجة البطالة، وغضب في النقابات المهنية والعمالية نتيجة تدهور الأجور وارتفاع نفقات المعيشة، وتمرد طبقة الأثرياء في الساحل الشمالي على القوانين واللوائح التي يشرعنها الملاك الأجانب هناك، إلى غير ذلك من الملاحظات.

مع كل ذلك الحراك المخيف، وتطلع المواطنين إلى قرارات إيجابية من شأنها لم الشمل وتهدئة الرأي العام، استيقظ الشارع صباح الاثنين على خبرين على قدر كبير من الأهمية، من الطبيعي الربط بينهما، الأول منهما: لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوزير الداخلية اللواء محمود توفيق، ولم تذكر الأنباء الرسمية تفاصيله، والثاني: لقاء السيسي بكل من وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ووزير الدولة للإعلام، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام، ومدير إدارة الإشارة للقوات المسلحة، ومدير إدارة نظم المعلومات للقوات المسلحة، وقالت الأنباء: إن الرئيس وجه بضرورة التنسيق بين جهات الدولة المعنية.

الملاحظ أن الاجتماع ضم المسؤولين عن الإعلام الرقمي، والكتائب الإلكترونية، والمواقع الإخبارية، وغيرها، مدنية وعسكرية، مستثنياً فقط رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، وهو المسؤول الأول عن الصحف القومية أو الحكومية، ما يشير إلى أن الصحافة الورقية، لم تعد لها أهمية في الوقت الراهن، أو في المعترك الحالي، أو هكذا يرى، ما يؤكد أولوية السير في المرحلة المقبلة نحو مواجهة "سوشيال ميديا" الشعب، بمزيد من الجهود التي اعتمد عليها النظام على مدى 12 عاماً مضت، هي فترة حكم السيسي، وفي الوقت نفسه باستخدام القبضة الأمنية، حيث أُتخمت السجون، بما يعرف بشباب "السوشيال ميديا".

المتابع لوسائل الإعلام الرسمية في مصر هذه الآونة، سواء كانت صحافة أو تلفزيون أو مواقع إخبارية وغيرها، سوف يكتشف مقاطعة غريبة ومثيرة للسخرية، لأحداث الشارع التونسي، الثائر ضد سياسات الرئيس قيس بن سعيد، والشارع الليبي، الثائر احتجاجاً على تدني الخدمات والمرافق، وأيضاً الشارع الهندي، حيث الحراك اليومي هناك في مواجهة الحكومة، بل احتجاجات الشارع الألباني، ضد بيع إحدى الجزر لجاريد كوشنر، زوج إيفانكا ترامب؛ ابنة الرئيس الأمريكي، وذلك في الوقت الذي لا يستطيع فيه المواطن أيضاً متابعة مئات المواقع الإلكترونية الخارجية، نتيجة حجبها رسمياً من قبل السلطة.

يجب أن نذكّر طوال الوقت بأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإلا لما كانت كل هذه الحالة من الاهتراء والبلبلة، والقلق على مستقبل البلاد والعباد، خصوصاً في ظل التوتر الحاصل في المنطقة بشكل عام، وهو ما يوجب إعادة النظر قبل فوات الأوان

أعتقد أن أي متابع للحالة المصرية الراهنة سوف يرى ضرورة المصالحة المجتمعية، وذلك بالإفراج عن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، وضرورة وقف بيع مزيد من الأصول، سواء كانت أراضي أو موانئ أو منشآت أو غيرها، وضرورة وقف الاستدانة، بعد أن وصل الدين الخارجي لأرقام غير مسبوقة (نحو 164 مليار دولار) والدين الداخلي لأرقام غير مقبولة(نحو 11,5 تريليون جنيه)، وضرورة التصدي للإجراءات الإثيوبية المتعلقة بحجز مياه النيل خلف سد النهضة، ما أدى إلى عملية جفاف واسعة للترع في مصر الآن، وضرورة فتح المجال السياسي أمام الشباب، وضرورة الإقرار بحق المواطن في المعرفة والتعبير عن الرأي، وغل يد الأجهزة الأمنية عن وسائل الإعلام، ورفع الحجب عن المواقع الإخبارية الخارجية.

في الوقت نفسه، يجب قراءة التاريخ، القديم منه والحديث، حتى يمكن الاقتناع بأن القبضة الأمنية لم تحقق الاستقرار أبداً كل الوقت، فقد كانت دائماً مرحلية، تتعلق بأمد قصير المدى، بينما كان الإعلام الموجّه أو إعلام الغيبوبة وبالاً على أصحابه، يتبرأ منهم وينقلب عليهم وقت التحولات الحتمية، أضف إلى ذلك أنه مع التطور التكنولوجي والتقدم التقني بشكل عام، لم يعد هناك ما يمكن التستر أو التعتيم عليه، بل لم تعد الفرص مواتية لتغييب الشعوب بالشكل الذي كنا نراه سابقاً، وهو ما يوجب إعادة النظر في الحالة الراهنة بجميع جوانبها.

كنت أعتقد أننا سوف نستيقظ على تحرك فاعل من الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مواجهة حالة السخط والتوتر الحالية، بلقاء مع السياسيين من جبهات المعارضة بشكل خاص، ومع الإعلاميين، ومع الأكاديميين، ومع النخبة الثقافية، ومع الشباب، ومع الطلاب، ومع خبراء الاقتصاد، ومع نشطاء السوشيال ميديا، إلا أنه مع الإصرار على مواجهة كل هؤلاء وغيرهم بالتجاهل، ولقاءات مكررة مع مسؤولين رسميين، فإننا يجب أن نذكّر طوال الوقت بأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإلا لما كانت كل هذه الحالة من الاهتراء والبلبلة، والقلق على مستقبل البلاد والعباد، خصوصاً في ظل التوتر الحاصل في المنطقة بشكل عام، وهو ما يوجب إعادة النظر قبل فوات الأوان.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)