غياب الحرية والخسائر المليارية للإعلام المصري الرسمي

ممدوح الولي
 دعا رأس النظام بمصر لفتح الحوار الإعلامى وعقد اجتماع سنوي خلال شهر كانون أول / ديسمبر، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري والخروج بتوصيات عملية لتطويره بصفة مستمرة..
دعا رأس النظام بمصر لفتح الحوار الإعلامى وعقد اجتماع سنوي خلال شهر كانون أول / ديسمبر، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري والخروج بتوصيات عملية لتطويره بصفة مستمرة..
شارك الخبر
 في كلمته افتتاح مقر القيادة الإستراتيجية للدولة ـ الكبتاجون ـ بالأسبوع الأول من الشهر الحالي، دعا رأس النظام بمصر لفتح الحوار الإعلامى وعقد اجتماع سنوي خلال شهر كانون أول / ديسمبر، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري والخروج بتوصيات عملية لتطويره بصفة مستمرة، وتناسى رأس النظام أن تطوير الإعلام كان أحد محاور الحوار الوطني الذي دعا إليه مسبقا، وأن توصيات ذلك المحور والتي شارك فيها العديد من الإعلاميين خلال شهري آب / أغسطس وأيلول / سبتمبر الماضيين، وأشرف عليها رئيس المجلس القومي للإعلام لم يلتفت إليها أحد.

ومن هنا فإن تلك الدعوة الجديدة ليس لها مصداقية ولم يعقبها أية إنفراجة إعلامية حتى الآن، فما زال الإعلاميون والصحفيون الموجودين خلف القضبان كما هم، وما زالت المواقع الإلكترونية المحجوبة كما هي، وما زال القبض على أشخاص بسبب كتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعى مستمرا، وما زال إعلام الصوت الواحد هو السائد، وما ترتب على ذلك من خسائر مالية ضخمة بسبب غياب الحرية عن تلك الجهات الإعلامية مما صرف الجمهور عنها، وبالتالي لا يقبل عليها المعلنون فلا تغطى إيراداتها حتى أجور العاملين بها، وهو ما سنعرض شواهد له بالجهات الرسمية التي تشرف على وسائل الإعلام في مصر حاليا.

أولا ـ الهيئة الوطنية للإعلام: وهي الجهة التي حلت محل إتحاد الإذاعة والتلفزيون منذ عام 2016، وتمتلك 16 قناة تلفزيونية منها قناتين دوليتين بخلاف ست قنوات إقليمية، كما تمتلك 18 إذاعة منها الإذاعات الموجهة باللغات المختلفة إلى العديد من مناطق العالم، أي كل القنوات ومحطات الإذاعة الكائنة بمبنى ماسبيرو الشهير بالقاهرة، ونظرا للهيمنة الحكومية على مضمون تلك القنوات والإذاعات فقد إنصرف الجمهور عنها، مما أسفر عن تحقيقها لخسائر مزمنة بلغت قيمتها خلال 12 عاما، منذ استيلاء الجيش على السلطة فى تموز/ يوليو 2013 نحو 94.862 مليار جنيه بمتوسط سنوي حوالي 8 مليار جنيه.

رغم أن المجلس الأعلى للإعلام قد حل محل وزارة الإعلام، فقد عادت وزارة الإعلام مرة أخرى خلال العام الحالي، مما يزيد من النفقات الحكومية ويمثل ازدواج في الإشراف على النشاط الإعلامي، فى ظل موازنة حكومية مصابة بالعجز المزمن تتجه بسبب ذلك لتقليص الدعم الغذائى للفقراء.
وهي الخسائر التى بدأت بقيمة 4.3 مليار جنيه بالعام المالى 2013/2014 ، وظلت تتصاعد حتى بلغت 14.7 مليار جنيه بالعام المالى 2024/2025، ولهذا يتوقع تخطي الخسائر ذلك الرقم بالعام المالي الأخير 2025/2026 الذي انتهى بنهاية الشهر الماضي، والغريب أن معدل قيمة الإيرادات إلى المصروفات بالهيئة والذي اقترب من نسبة 26 بالمائة بالسنة المالية الأولى للنظام الحالي، ظل يتراجع حتى بلغت نسبته أقل من 13 بالمائة بالعام المالي قبل الأخير حسب آخر بيانات متاحة، حيث تصاعدت قيمة المصروفات خلال السنوات المتتالية، بينما ظلت معدلات الإيرادات متباطئة، حتى أن قيمة الإيرادات بالعام المالي 2009/ 2010 أي خلال عهد الرئيس مبارك والبالغة 1.9 مليار جنيه، كانت أعلىى من إيرادات ثماني سنوات من السنوات الإثنىي عشر الممتدة خلال وجود النظام الحالي .

خسائر مليارية رغم الإعانات الحكومية

وجاءت تلك الخسائر الضخمة رغم تقديم الموازنة الحكومية للهيئة الوطنية للإعلام مبالغ سنوية في شكل مساهمات لتخفيف حدة مشاكلها المالية، وبلغت قيمة تلك المساهمات حسب البيانات المتاحة خلال السنوات التسع، الممتدة من العام المالي 2016/2017 إلى العام المالي 2024/2025 بنحو 72.5 مليار جنيه ، وذلك بخلاف الإعانات التي قدمتها الحكومة للهيئة خلال تلك السنوات.

ثانيا ـ الهيئة الوطنية للصحافة: وهي الهيئة المشرفة على ثماني مؤسسات صحفية قومية أي مملوكة بالكامل للدولة، وهي: الأهرام وأخبار اليوم ودار التحرير ووكالة أنباء الشرق الأوسط ودار المعارف ودار الهلال وروز اليوسف والشركة القومية للتوزيع، ورغم مجيء الهيئة الوطنية عام 2016 والتي حلت محل المجلس الأعلى للصحافة لتحسين أوضاعها المالية، فإن كل تلك المؤسسات الصحفية الرسمية ما زالت خاسرة، ولم تحقق أي منها حتى نقطة التعادل بين الإيرادات والمصروفات، ولهذا  تخصص وزارة المالية للهيئة الوطنية للصحافة مبلغ سنويا لدعم تلك المؤسسات القومية، بلغ بموازنة العام المالى 2025/2026 نحو 1 مليار و40 مليون جنيه، إلا أننا نعتقد أن الرقم سيزيد مع إعلان البيانات الختامية أي النهائية للموازنة.

وبرهان ذلك أنه عندما أعلنت الموازنة عند إقرارها تخصيص 997 مليون جنيه للهيئة الوطنية للصحافة بالعام المالي 2024/2025، فقد زاد الرقم مع إعلان البيانات النهائية للموازنة إلى 1 مليار و665 مليون جنيه أي حوالي الضعف، وما سبق حدوثه بالعام المالي 2023/2024 حين أعلنت وزارة المالية تخصيص 591 مليون للهيئة الوطنية للصحافة، وزيادة القيمة إلى 1 مليار و493 مليار جنيه مع إعلان النتائج الختامية لموازنة ذلك العام المالي.

ورغم أن القانون يلزم المؤسسات الصحفية القومية بنشر ميزانياتها فلم تلتزم أي منها بذلك، وحتى بيانات الهيئة الوطنية عن عقد الجمعيات العمومية لتلك المؤسسات لاعتماد القوائم المالية، فلا تتضمن أية أرقام مالية بالمرة، لكنها تكشف عن تأخر إعتماد ميزانيات تلك المؤسسات بسبب تعثرها، فآخر قوائم مالية تم إعتمادها لمؤسسة الأهرام كانت للعام المالي 2018/2019، ولمؤسستي أخبار اليوم ودار الهلال للعام المالى 2021/2022، ولمؤسستي دار المعارف ودار الهلال  2022/2023 وللشركة القومية للتوزيع 2023/2024، وعادة ما يتم زيادة رأس مال تلك المؤسسات بما تحصل عليه من دعم مالي سنوى من الهيئة الوطنية للصحافة.

وبلغت المستحقات الضريبية المتراكمة على المؤسسات الصحفية القومية حتى يونيو / حزيران 2025 نحو 12.7 مليار جنيه، بخلاف مستحقات هيئة التأمينات الإجتماعية لدى تلك المؤسسات الصحفية، حيث اعتادت تلك المؤسسات في فترة سابقة احتجاز ما تقتطعه من أجور العاملين بها من ضرائب وتأمينات اجتماعية، ولا توردها إلى مصلحة الضرائب أو هيئة التأمينات حسبما تقتضي القوانين، لتستخدم تلك الأموال الحكومية في مصروفاتها المعتادة.

لا أحد ينشر قوائمه المالية

ثالثا ـ المجلس الأعلى للإعلام: وهو الذي حل محل وزارة الإعلام ويشرف على كل من الهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، وخصصت له وزارة المالية بالعام المالي 394 مليون جنيه، لكننا نعتقد أن القيمة قد زادت عن ذلك بنهاية العام المالي، ويدعم ذلك خبرة السنوات السابقة حين خصصت له وزارة المالية ببداية العام المالي 2024/2025 نحو 351 مليون جنيه، لكن القيمة زادت مع الحسابات الختامية للموازنة إلى 1 مليار و558 مليون جنيه أي أكثر من أربعة أضعاف، وتكرر ذلك بالعام المالي 2022/2023 حين خصصت الموازنة له 281 مليون جنيه، لكن الرقم زاد مع الحسابات الختامية إلى 1 مليار و565 مليون جنيه أي أكثر من خمسة أضعاف الأرقام الأولية.

رغم أن القانون يلزم المؤسسات الصحفية القومية بنشر ميزانياتها فلم تلتزم أي منها بذلك، وحتى بيانات الهيئة الوطنية عن عقد الجمعيات العمومية لتلك المؤسسات لاعتماد القوائم المالية، فلا تتضمن أية أرقام مالية بالمرة، لكنها تكشف عن تأخر إعتماد ميزانيات تلك المؤسسات بسبب تعثرها،
ورغم أن المجلس الأعلى للإعلام قد حل محل وزارة الإعلام، فقد عادت وزارة الإعلام مرة أخرى خلال العام الحالي، مما يزيد من النفقات الحكومية ويمثل ازدواج في الإشراف على النشاط الإعلامي، فى ظل موازنة حكومية مصابة بالعجز المزمن تتجه بسبب ذلك لتقليص الدعم الغذائى للفقراء.

رابعا ـ الهيئة العامة للإستعلامات: والتي تتبعها مراكز إعلام داخلي بالمحافظات المصرية، وكذلك مكاتب إعلامية بالكثير من دول العالم وتصدر عددا من الدوريات والتقارير التي تتجه للقيادات الحكومية بأجهزة الدولة، حيث خصصت لها موازنة العام المالي 2025/2026 نحو 380 مليون جنيه، مقابل 369 مليون جنيه بالعام المالي السابق على ذلك، كما خصصت لها 312 مليون جنيه بالعام المالي 2023/2024، ولم تصدر بعد البيانات التفصيلية لموازنة العام المالي الحالي 2026/2027، لمعرفة ما تم تخصيصه لهيئة الاستعلامات أو للهيئة الوطنية للصحافة أو للمجلس الأعلى للإعلام.

خامسا ـ الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية: وهي الشركة التي أنشأتها جهات سيادية كي تسيطر  من خلالها على الاعلام الخاص بجانب احتكارها للإعلام الحكومي، فقامت الشركة التي تأسست 2016 نفس عام تكوين المجالس الصحفية والإعلامية الثلاثة، بشراء العديد من القنوات الفضائية والصحف والإذاعات حتى أصبحت تحتكر الجانب الأكبر من الإنتاج الإعلامي بالبلاد، وامتد نشاطها إلى انتاج المسلسلات  والأفلام السينمائية لتوظيف مضمونها لخدمة النظام السياسي القائم.

 كما امتد نشاطها للمجال الإعلاني والعلاقات العامة وانشاء المنصات الرقمية والتدريب وتنظيم الفعاليات الرياضية، بل وإلى تذاكر دخول مباريات الكرة بحيث يكون الشخص الجالس في أي مقعد بالإستاد معروفا مسبقا ولدى الشركة المختصة بيانات كاملة عنه !

ومع تنوع الأنشطة للشركة الأم بلغ عدد الشركات التابعة لها أكثر من 40 شركة ما بين الإعلام المرئى والمسموع والمطبوع والإلكترونى والإنتاج الدرامى والإعلان، لكن أى من تلك الشركات أو الشركة الأم لا تعلن شيئا عن قوائمها المالية لمعرفة حجم إيراداتها ونتائج أعمالها من حيث الربح والخسارة، حتى بالفترة التي ترأس فيها الشركة الأم أحد المصرفيين والذي انتقل منها لمنصب محافظ البنك المركزي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)