رغم قيام البنك
المركزي
المصري بنشر أرصدة الدين الخارجي للبلاد بشكل فصلي، إلا أن عددا من
الخبراء يرون قيمة الدين الخارجي أعلى من ذلك، ونفس الجدل بين المتخصصين يدور حول
تكلفة الدين الخارجي من أقساط وفوائد، حيث يرى بعضهم أن القيمة الحقيقية أعلى مما
يذكره البنك المركزي، وهنا تزداد أهمية معرفة الرقم الحقيقي لتكلفة الدين الخارجي
نظرا لتأثيرها الكبير على ميزان المدفوعات المصري، وبالتالي على القدرة على الاستيراد
للسلع الأساسية والوقود ومستلزمات المواد الخام والمواد الوسيطة والسلع الاستثمارية
اللازمة للصناعة والزراعة، والوفاء بنفقات الخدمات الخارجية المختلفة من سياحة
ونقل وتأمين ومصارف واستشارات وخدمات هندسية وصحية وبيئية وقانونية وغيرها.
وهكذا يمكن تناول
قضية الدين الخارجي المصري من عدة زوايا للتعرف على أثره المعوق للتنمية:
أولا: زيادة
مستمرة للدين: تسلم نظام الحكم الحالي في نهاية حزيران/ يونيو 2013 الدين الخارجي بقيمة
43.233 مليار دولار، وساهمت المنح السخية الخليجية في تلك الفترة في انخفاض قيمة
الدين الخارجي بنحو 4.4 مليار دولار عام 2014، إلا أن تحول الدعم الخليجي إلى الإقراض
قد ساعد على نمو قيمة الدين، وساهم في ذلك التوسع في الاقتراض من المنظمات الدولية
ومن الدول وبإصدار سندات دولية، لتقفز قيمته بمتوسط سنوي حوالي 10 مليارات دولار خلال
السنوات التالية وحتى نهاية العام الماضي.
وتيرة ارتفاع قيمة الدين عادت مرة أخرى خلال العام الماضي والحالي، حيث ظهرت عدة إصدارات لسندات دولية واستمرار الاقتراض من منظمات دولية وإقليمية خلال النصف الأول من العام
ولم تنخفض قيمة
الدين في أي من تلك السنوات سوى في عام 2024 بقيمة 13 مليار دولار، مع الحصول على قيمة
بيع أرض الحكمة للإمارات بقيمة 35 مليار دولار، إلا أن وتيرة ارتفاع قيمة الدين
عادت مرة أخرى خلال العام الماضي والحالي، حيث ظهرت عدة إصدارات لسندات دولية واستمرار
الاقتراض من منظمات دولية وإقليمية خلال النصف الأول من العام.
الدين لا يتضمن
الأموال الساخنة
ثانيا: قيمة
حقيقية أكبر للدين: رغم أن بيانات البنك المركزي المصري تشير لبلوغ قيمة الدين الخارجي
بنهاية العام الماضي 163.911 مليار دولار، إلا أن بياناته تشير إلى أن مصر ستسدد
قيمة أكبر من ذلك بكثير، حيث قسمت البيانات الدين إلى: متوسط وطويل الأجل بقيمة
129.5 مليار دولار، وقصير الأجل بقيمة 34.4 مليار دولار، لتذكر أن مصر ستسدد قيمة
الدين متوسط وطويل الأجل حتى عام 2071 بقيمة 174.4 مليار دولار.
أما الدين قصير
الأجل فتبلغ قيمة فوائده السنوية حوالي المليار دولار، ولأن الحكومة اعتادت تجديد
قصير الأجل سنويا فإن هذا يعني الالتزام بسداد الفوائد، والتي ستتراوح قيمتها ما بين
40 و45 مليار دولار حتى عام 2071، بالإضافة لأصل هذا الدين القصير، وبالتالي فنحن
أمام رقم مطلوب سداده يصل إلى حوالي 249 مليار دولار، وهذا بافتراض عدم حدوث أية
قروض جديدة من نهاية العام الماضي وخلال الأعوام الخمسة والأربعين المقبلة، وهو
أمر يصعب حدوثه في ظل التحول عمليا إلى الاقتراض لسداد أقساط القروض التي يحل موعد
سدادها.
أمر آخر يزيد من
قيمة الدين الخارجي الحقيقي، وهو الأموال الساخنة التي ترد في بيانات البنك المركزي
ضمن الاستثمار الأجنبي غير المباشر أو ما يسمى استثمارات الحافظة، من خلال شراء
الأجانب لأدوات الدين الحكومية من أذون خزانة وسندات خزانة، وهي في حقيقتها ديون
على الحكومة المصرية تلتزم بدفعها حين يحل أجلها، بالإضافة إلى الفوائد العالية
عليها والتي يعد ارتفاع نسبتها العامل الرئيس لاجتذاب تلك الأموال.
وحين تبلغ قيمة
مشتريات الأجانب لأذون الخزانة المصرية بنهاية العام الماضي 51.4 مليار دولار،
بالإضافة إلى مشترياتهم من سندات الخزانة والتي لا يعلن البنك المركزي أو وزارة
المالية قيمتها، فمن الطبيعي أن يضيف بعض المتخصصين قيمة ذلك على الدين الخارجي الحقيقي،
وذلك بخلاف قيمة التأمين على الدين الخارجي والتي تخطت نسبتها 3 بالمائة في آذار/
مارس الماضي وانخفضت عن 3 بالمائة قليلا في الشهر الماضي، مع الأخذ في الاعتبار
أيضا أن القيمة المعلنة للدين الخارجي لا تتضمن قيمة الدين العسكري.
عدم القدرة على
سداد الأقساط
ثالثا: تكلفة
الدين أعلى من المُعلن: بلغت قيمة تكلفة الدين الخارجي في العام الماضي من فوائد
وأقساط 33.425 مليار دولار، وهو رقم تزايدت قيمته خلال سنوات عمر النظام الحالي،
حيث كانت قيمته قبله 3.076 مليار دولار في العام المالي 2012/2013. وربما يجد بعض
الاقتصاديين أن تلك القيمة أقل مما ينشره البنك الدولي عن قيمة خدمة الدين الخارجي
المصري، وتفسير ذلك ببساطه أن المتخصصين والبنك الدولي يعلنون قيمة تلك الفوائد
والأقساط حسبما ينشرها البنك المركزي المصري، الجهة الوحيدة المختصة بذلك، لكن
عندما يحل أجل السداد تقوم الحكومة بتأجيل سداد بعض تلك الأقساط، مثلما يحدث مع قروض
السعودية والكويت التي حصل عليها النظام المصري منذ عام 2013.
فحسب بيانات
البنك المركزي المصري الخاصة بتكلفة الدين المطلوب سدادها عام 2025، كان مطلوبا
سداد 24.945 مليار دولار للدين متوسط وطويل الأجل و32.069 مليار دولار للدين قصير
الأجل، أي بمجموع 57 مليار دولار، لكن الحكومة لم تدفع منها سوى 33.4 مليار دولار
وأجلت سداد الباقي، الأمر الذي ينعكس على قيمة الأقساط المطلوب سدادها خلال
السنوات المقبلة والتي تتغير أرقامها بالزيادة بشكل دوري.
وتعادل المبالغ التي
تم سدادها والبالغة 33.4 مليار دولار نسبة 18.5 بالمائة من مجمل موارد النقد
الأجنبي من مختلف المصادر في العام الماضي والبالغة 180.2 مليار دولار، مع الأخذ
بالاعتبار أن كل تلك الموارد كانت أقل من مجمل المدفوعات للبلاد من النقد الأجنبي في نفس العام والبالغة 183.9 مليار دولار، حيث حقق
الميزان الكلي للمدفوعات عجزا بلغ 3.7 مليار دولار، رغم ما حصل عليه من قروض
وودائع جديدة خلال العام بلغت 19.1 مليار دولار، فما بالنا لو أضيفت لتكلفة الدين
البالغة 33.4 مليار دولار ما يتم دفعه للأجانب المشترين للديون الحكومية المصرية،
والتي زادت قيمة أحد أنواعها وهو أذون الخزانة عن 51 مليار دولار، والتي بلغ متوسط
الفائدة عليها بنهاية الشهر الماضي 24 بالمائة، يتم خصم نسبة عشرين بالمائة منها
كضرائب لتتبقى نسبة 19.2 بالمائة للأجانب يتم دفعها بالدولار؟
وهكذا يتضح كبر
حجم الأقساط والفوائد التي يتم دفعها للخارج سنويا، وحتى لو أخذنا الرقم الرسمي
الأقل والبالغ 33.4 مليار دولار، فإنه يمثل ثمانية أضعاف دخل قناة السويس في نفس
العام والبالغ 3.96 مليار دولار، وستة أضعاف حصيلة الصادرات البترولية البالغة 5.6
مليار دولار، وحوالي ضعفي صافي دخل الاستثمار الأجنبي المباشر البالغ 15.5 مليار
دولار، ويزيد عن الدخل السياحي البالغ 18.2 مليار دولار، ويقل قليلا عن حصيلة
الصادرات السلعية غير البترولية البالغة 37 مليار دولار.
ما تم سداده للدين الخارجي خلال السنوات الخمس الأخيرة، من 2021 وحتى العام الماضي بلغ 153.4 مليار دولار بمتوسط سنوي 30.7 مليار دولار، ورغم ذلك فقد زادت قيمة أرصدة الدين الخارجي بنفس السنوات الخمسة بنحو 34.7 مليار دولار، وبما يشير إلى أن السداد لا يخفض قيمة الدين الخارجي مع الاقتراض الجديد
وتأخذ تكلفة الأقساط
والفوائد للدين الخارجي أولوية بالسداد، حفاظا على استمرار إمكانية الإقراض، حيث
يجب دفع قيمة أقساط وفوائد إصدارات السندات والصكوك والمنظمات الدولية والإقليمية
حفاظا على تصنيف البلاد الائتماني.
كما تزاحم تكلفة
الدين المدفوعات الأخرى الضرورية للبلاد، وخاصة الواردات السلعية التي بلغت قيمتها
في العام الماضي 97.6 مليار دولار ومدفوعات دخل الاستثمار البالغة 19.5 مليار، والاستثمار
المباشر في الخارج البالغ 12.7 مليار دولار، والخدمات الأخرى كالسياحة والنقل
وغيرها من الخدمات، ويمكن تلمس أثر ذلك في قطاع واحد عندما تأخر سداد مستحقات
الشركات البترولية الأجنبية فتباطأت في نشاطها، مما زاد من قيمة الواردات النفطية
والغازية.
رابعا: مصر رهينة
للدين الخارجي: استطاعت المنظمات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي إدخال مصر
مصيدة الديون للتحكم في قرارها الاقتصادي بل والسياسي، حيث تسبب حصولها على القروض
الخليجية في فتح الباب على مصراعيه لاستثمارات تلك الدول في مصر، وها هو صندوق النقد
الدولي يربط زيادة قرضه بالموقف الرسمي من غزة والخذلان الذي مارسته تجاه معاناة
سكانها.
ومما يؤكد السقوط
بمصيدة القروض الخارجية أن ما تم سداده للدين الخارجي خلال السنوات الخمس الأخيرة،
من 2021 وحتى العام الماضي بلغ 153.4 مليار دولار بمتوسط سنوي 30.7 مليار دولار،
ورغم ذلك فقد زادت قيمة أرصدة الدين الخارجي بنفس السنوات الخمسة بنحو 34.7 مليار
دولار، وبما يشير إلى أن السداد لا يخفض قيمة الدين الخارجي مع الاقتراض الجديد.
ورغم ما يعلنه
وزير المالية عن استهداف خفض سنوي لأرصدة الدين الخارجي بقيمة ما بين مليار إلى ملياري
دولار سنويا، ورغم الإعلان عن لجنة لوضع سقف للدين الخارجي وعن ترشيده، فقد زادت
قيمة الدين في العام الماضي بنحو 8.8 مليار دولار.
x.com/mamdouh_alwaly
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.