تحذير من فقاعة لقروض التمويل الاستهلاكي بمصر

ممدوح الولي
"أزمة ديون مجتمعية قد تنفجر في أي وقت مما يهدد استقرار الأسر المصرية"- عربي21
"أزمة ديون مجتمعية قد تنفجر في أي وقت مما يهدد استقرار الأسر المصرية"- عربي21
شارك الخبر
يمثل البيع بالتقسيط ظاهرة تاريخية في المجتمع المصري، خاصة مع السلع المعمرة والسيارات ومستلزمات تجهيز عش الزوجية، وعادة ما يقوم جانب من التجار بإضافة قيمة أعلى على أثمان السلع المباعة بالتقسيط، بالمقارنة بسعر البيع عند سداد كامل قيمة السلع، وكان بعض التجار يغالون في نسب الزيادة في قيمة السلع عند سداد قيمتها على أقساط، بالإضافة إلى إجبار المشترين على التوقيع على إيصالات أو شيكات أو كمبيالات، مع قيام بعض التجار بإجبار المشترين على أوراق بكامل قيمة الأقساط، بحيث إذا تخلف المشترى عن سداد أي قسط يقومون بتقديم تلك الأوراق للجهات القضائية.

ونجم عن تلك الظاهرة سجن عدد كبير من الغارمات من النساء، خاصة من الأرامل والمطلقات اللاتي يضطررن إلى التوقيع على تلك الأوراق، عند شرائهن مستلزمات تزويج بناتهن، وعندما يتعثرن في دفع بعض الأقساط يقوم البائع بتقديم ما لديه من أوراق، ليكون السجن هو مصير تلك الأمهات، رغم عدم صحة ما قدمه التجار من أوراق؛ حيث يكن قد سددن جانبا كبيرا من الأقساط، لكنهن تعثرن في سداد بعضها لظروف اجتماعية طارئة كالمرض أو العجز أو الكوارث أو فقدان مصدر الدخل.

بعض تلك الشركات تحولت لقطاع مصرفي مواز، وأن اندفاعها في منح التمويلات للأفراد قد يقود إلى موجة تعثر واسعة تهدد استقرار السوق، وأنها تتحرك بأسرع من حركة الجهة المسؤولة عن الرقابة عليها وهي هيئة الرقابة المالية، والتي سارعت بإعلان بيان يطمئن السوق حول قيامها بدورها الرقابي على تلك الشركات

وظل المطلب إيجاد مخرج لحل تلك المشكلة الاجتماعية، التي يترتب عليها تشريد أسر سعت زوجاتها إلى ستر بناتها، ورغم قيام الدولة المصرية في عام 2001 بإصدار قانون يسمح بإنشاء شركات للتمويل العقاري تخضع لرقابة هيئة عامة حكومية، فقد ظل تنظيم قطاع التمويل الاستهلاكي غائبا، حتى عندما صدر قانون عام 2009 بإنشاء هيئة حكومية للرقابة المالية على شركات القطاع غير المصرفي، فقد نص على إشراف تلك الهيئة على مجالات: أسواق رأس المال والتأمين والتمويل العقاري والتأجير التمويلي والتوريق، دون أن يشمل اختصاصها مجال التمويل الاستهلاكي المنتشر في أنحاء البلاد.

وظهرت شركات متخصصة في التمويل الاستهلاكي، إلى جانب ممارسة شركات أخرى للتمويل الاستهلاكي لبيع منتجاتها من السيارات أو السلع المعمرة والأجهزة المنزلية والتلفونات المحمولة، ولجوء بعض تلك الشركات إلى الشركة المصرية للاستعلام الائتماني، المتخصصة في بيان موقف السداد الائتماني للأفراد والشركات، للاستفسار عن الموقف الائتماني للأفراد الراغبين في الحصول على تمويل استهلاكي منهم، نظير رسوم يدفعونها لشركة الاستعلام الائتماني، وهي الوحيدة التي تقوم بهذا النشاط بالبلاد وساهم في إنشاءها البنوك والصندوق الاجتماعى المسؤول عن تمويل المشروعات الصغيرة، حتى إن رئيس شركة الاستعلام الائتماني أعلن في عام 2018 أن هناك عشر شركات تمويل استهلاكي تتعامل معهم للحصول على بيانات عن العملاء المتعاملين معهم.

غياب الحكومة حتى عام 2020

ولم تتحرك الحكومة لتنظيم قطاع التمويل الاستهلاكي الذي لا تخلو منه قرية أو مدينة مصرية، إلا في عام 2020 حين أصدرت قانون التمويل الاستهلاكي الذي يختص بشراء السلع والخدمات، وأوكلت الترخيص والمراقبة للشركات العاملة به إلى هيئة الرقابة المالية، وهكذا بدأت الشركات العاملة بالنشاط توفق أوضاعها حسب متطلبات القانون، وتحصل على الترخيص من هيئة الرقابة المالية وتخضع لإشرافها، وتقدم لها تقارير دورية عن نشاطها، كما قامت تلك الشركات في عام 2021 بإنشاء اتحاد لشركات التمويل الاستهلاكي لتمثيلها لدى الجهات المختلفة ورعاية مصالحها.

وهكذا ظهر في السوق بشكل رسمي منذ عام 2020 كيانات جديدة تمارس التمويل الاستهلاكي، وهو النشاط الذي كانت تنفرد به رسميا البنوك تحت مسمى التجزئة المصرية لتمويل العملاء لشراء السلع المختلفة والخدمات التعليمية والصحية، ولأن شركات القطاع الخاص أسرع في اتخاذ القرار وأكثر جرأة من البنوك، فقد نافست البنوك على خفض سعر الفائدة للتمويل وفي فترات السداد وفي تقليل قيمة المقدم، وفي الإعفاء من بعض الرسوم الإدارية وفي تسهيل إجراءات الموافقة على القرض، فقد نجحت في سحب شريحة من عملاء التجزئة المصرفية في البنوك خاصة الشباب.

وكانت استعانتها بالتكنولوجيا المالية هي مفتاح سر نجاحها، حيث أمكنها الحصول على المستندات المطلوبة أونلاين، ومنح الموافقة دون حضور العميل لمقر الشركة، ووصل الأمر لاستطاعة البعض في الحصول على الموافقة خلال أقل من ساعة واحدة، وهو أمر غير ممكن مع الإجراءات البيروقراطية في البنوك، إلى جانب قربها من الجمهور بتواجد فروعها في المولات والأسواق، وعمل معظمها من التاسعة صباحا حتى منتصف الليل طوال أيام الأسبوع، بينما توجد مواعيد عمل رسمية في البنوك والتي تغلق أبوابها يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع، وهي نفسها أيام الإجازة التي تعد أكثر ملاءمة لتواصل العملاء مع شركات التمويل الاستهلاكي.

والنتيجة أن شركات التمويل الاستهلاكي التي ظهر قانونها في آذار/ مارس عام 2020 وحصلت بعضها على الترخيص بالعمل في نفس العام، استمر عددها في ازدياد حتى وصل عددها إلى 48 شركة، رغم إيقاف الترخيص لشركات جديدة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2024، وقد تصاعد نشاطها لترتفع قيمة التمويل الذي قدمته من 17 مليار جنيه عام 2021 إلى حوالي 30 مليارا في العام التالي، ثم إلى 47 مليارا عام 2023 وإلى 61 مليار في العام التالي لتصل إلى 96.3 مليار جنيه في العام الماضي، وهكذا تكون نسب النمو لقيمة التمويل الاستهلاكي 102 في المائة بعام 2021، و57 في المائة بالعام التالي، و59 في المائة عام 2023، و30 في المائة بالعام التالي، و57 في المائة بالعام الماضي.

السلع المعمرة والسيارات بالصدارة

وتعددت مجالات التمويل الاستهلاكي والتي كان توزيعها النسبي حسب القيمة في العام الماضي؛ 41 في المائة للسلع المعمرة، و20 في المائة للسيارات والمركبات، و13 في المائة للتمويل النقدي المسبق، و9 في المائة للمستلزمات الشخصية، و7 في المائة للخدمات التعليمية والصحية والسياحية، و5 في المائة للتجارة الإلكترونية، حيث يتم التعامل مع آلاف المنافذ التجارية التي يرغب العملاء في الشراء منها سواء مواد غذائية أو غير ذلك من الاحتياجات.

وانعكس ذلك على اتساع نطاق تعاملاتها مع الأفراد من 1.3 مليون شخص عام 2021 إلى 2.8 مليون في العام التالي ثم إلى 3.4 مليون عام 2023، ليرتفع إلى 4.2 مليون في العام التالي ثم إلى 12 مليون فرد في العام الماضي، لتصل نسب النمو في أعداد المتعاملين إلى 414 في المائة عام 2021 و107 في المائة بالعام التالي، و22 في المائة عام 2023 و23 في المائة بالعام التالي، و189 في المائة بالعام الماضي.

وفوجئ المصريون قبل أسبوع برئيس أكبر بنك خاص في البلاد يحذر في تصريحات تلفزيونية من أن بعض تلك الشركات تحولت لقطاع مصرفي مواز، وأن اندفاعها في منح التمويلات للأفراد قد يقود إلى موجة تعثر واسعة تهدد استقرار السوق، وأنها تتحرك بأسرع من حركة الجهة المسؤولة عن الرقابة عليها وهي هيئة الرقابة المالية، والتي سارعت بإعلان بيان يطمئن السوق حول قيامها بدورها الرقابي على تلك الشركات.

وانشغل الإعلام الاقتصادي بالقضية ما بين مدافع عن دور تلك الشركات، باعتبارها قد ساهمت في دعم حركة الأسواق والحفاظ على معدلات المبيعات لدى التجار وتحريك المخزون، وهو ما يرفع معدلات التشغيل في المصانع، وأنها ساعدت على التغلب على تراجع القوى الشرائية لدى غالبية المستهلكين، ورفعت نسب الشمول المالى بانضمام شرائح جديدة، وساهمت في تنظيم سوق السلع المعمرة وقللت من استغلال بعض التجار للعملاء.

تخطي تمويل البنوك للأفراد
آراء أخرى رأت أنها سهلت الحصول على الائتمان مما يدفع البعض للإفراط في المديونية، واستدانة البعض للعيش بمظهر يفوق قدراته المالية، وتأثر الأسر بالإعلام الذي يرسخ لثقافة الشراء ومغالاة بعض الشركات في نسبة الفوائد

وربط البعض بين تحذير المصرفي الشهير من شركات التمويل الاستهلاكي التي زات قيمة قروضها في العام الماضي بنسبة 57 في المائة، وبين اقتصار نسبة نمو القروض الشخصية في البنك التجاري الدولي الذي يرأسه في نفس العام بأقل من 15 في المائة، وتركز القروض الشخصية التي منحها بنكه في العام الماضي بنسبة 72 في المائة بمناطق القاهرة الكبرى، و22 في المائة بالإسكندرية والدلتا وسيناء، و6 في المائة فقط بمحافظات الوجه القبلي الثماني.

إلا أن آراء أخرى رأت أنها سهلت الحصول على الائتمان مما يدفع البعض للإفراط في المديونية، واستدانة البعض للعيش بمظهر يفوق قدراته المالية، وتأثر الأسر بالإعلام الذي يرسخ لثقافة الشراء ومغالاة بعض الشركات في نسبة الفوائد. وربط البعض بين ارتفاع نسب الطلاق وارتفاع مستوى المديونية، وأن تلك القروض تزيد من الطلب في مجتمع قليل الإنتاجية مما يرفع معدلات التضخم، وحذر البعض من أزمة ديون مجتمعية قد تنفجر في أي وقت مما يهدد استقرار الأسر المصرية، مع ازدياد المخاوف من تكوين فقاعة ديون استهلاكية.

وإذا البعض يرى أنه إذا كانت قيمة القروض الاستهلاكية للشركات قد بلغت في العام الماضي 96.3 مليار جنيه، فقد زادت قروض الأفراد في البنوك المصرية الست والثلاثين في نفس العام بقيمة 277 مليار جنيه، مما يجعل الفرق كبيرا بين الطرفين، وربما تلحق بعد سنوات قليلة بسبب معدلات نموها المرتفعة، إلا أن تلك النظرة لم تدخل في حساباتها أن هناك أنواعا أخرى من الشركات غير المصرفية التي تمارس أنشطة التمويل، حيث بلغت قيمة تمويل شركات تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في العام الماضي 107 مليارات جنيه، وبلغت تعاملات شركات التمويل العقاري في نفس العام 42.7 مليار جنيه، وقيمة تمويلات شركات التأجير التمويلي في نفس العام 179 مليار جنيه، لتصل قيمة تمويلات الأنواع الأربعة من الشركات 425 مليار جنيه، مقابل 277 مليار جنيه لزيادة تمويلات البنوك للأفراد الطبيعيين، مما يشير لتخطي تلك الشركات تمويلات البنوك الأقدم تاريخيا والتي يصل عدد فروعها إلى 4787 فرعا منتشرة في أنحاء البلاد.

x.com/mamdouh_alwaly


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)