أوجه العجز بالاقتصاد السعودي ما قبل الحرب وبعدها

ممدوح الولي
"السعودية تمثل الاقتصاد الأكبر عربيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي"- الأناضول
"السعودية تمثل الاقتصاد الأكبر عربيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي"- الأناضول
شارك الخبر
تتجه الأنظار إلى الآثار الاقتصادية السلبية التي لحقت بدول الخليج العربى، نتيجة تعطل صادرات النفط والغاز التي تمثل المكون الرئيس لصادرات تلك الدول، نتيجة إغلاق مضيق هرمز والذي تسبب أيضا في تراجع صادراتها من الأسمدة النتروجينية والألومنيوم وغيرها، وكذلك في منع واردات الغذاء التي تصل إليها عبر الموانئ الموجودة عبر المضيق، مما زاد من تكلفة وصولها برا عبر مسارات بديلة، إلى جانب خسائر التلفيات التي لحقت بالمنشآت البترولية والغازية والمنشآت المدنية نتيجة الحرب ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

وباعتبار السعودية تمثل الاقتصاد الأكبر عربيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، فسوف نتناول آثار الحرب عليها بصورة مبدئية، حيث لم تنته الحرب بعد ولم تعلن أي من الدول الخليجية بعد عن مجمل خسائرها من الحرب. وحتى نتبين تلك الآثار الاقتصادية السلبية للحرب على الاقتصاد السعودي، فمن الأفضل الاطلاع على صورة ذلك الاقتصاد قبل الحرب من خلال الميزان الكلي للمدفوعات، الذي يرصد كافة موارد ومدفوعات النقد الأجنبي للبلاد في كافة الأنشطة الاقتصادية، وكذلك من خلال الموازنة السعودية التي ترصد الإيرادات والمصروفات الحكومية، حيث أشار الميزان الكلي للمدفوعات السعودي في العام الماضي وحسب بيانات البنك المركزي السعودي، إلى بلوغ إيرادات النقد الأجنبي من كافة الموارد 534.5 مليار دولار، وذلك من الصادرات السلعية والصادرات الخدمية والفوائد على الاستثمارات السعودية في الخارج، ومن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي دخلت البلاد واستثمارات الحافظة التي تشير لقيمة مشتريات الأجانب لأدوات الدين الحكومي السعودي، ومن القروض التي حصلت عليها البلاد خلال عام 2025، بينما بلغت مدفوعات النقد الأجنبي السعودي لكافة الأنشطة خلال العام 630.4 مليار دولار، والتي توجهت إلى الواردات السلعية والواردات الخدمية والفوائد التي تم دفعها عن استثمارات أجنبية داخل البلاد، والمعونات التي تقدمها السعودية للبلدان النامية، وتحويلات العمالة الأجنبية العاملة في البلاد، والاستثمارات الأجنبية المباشرة للسعوديين خارج البلاد، واستثمارات السعوديين في البورصات الأجنبية، والقروض التي منحتها السعودية لدول أخرى.

الميزان الكلي للمدفوعات السعودي قد حقق في العام الماضي عجزا بلغ حوالي 96 مليار دولار، يتم اقتطاعها من الاحتياطيات الأجنبية في البنك المركزي، وهو العجز المستمر للعام الثاني، حيث بلغت قيمة ذلك العجز في الميزان الكلي بالعام الأسبق 58 مليار دولار

وهكذا يكون الميزان الكلي للمدفوعات السعودي قد حقق في العام الماضي عجزا بلغ حوالي 96 مليار دولار، يتم اقتطاعها من الاحتياطيات الأجنبية في البنك المركزي، وهو العجز المستمر للعام الثاني، حيث بلغت قيمة ذلك العجز في الميزان الكلي بالعام الأسبق 58 مليار دولار.

عجز بأربعة موازين وفائض بميزانيين

ومن الطبيعي أن يصاب البعض بالدهشة من وجود عجز بالميزان الكلي للمدفوعات، في دولة تنافس روسيا على المركز الثاني في إنتاج النفط الخام دوليا، كما تحتل المركز الأول غالبا في صادرات النفط الخام دوليا، وغالبا ما تحتل المركز الثاني دوليا بعد الولايات المتحدة في قيمة صادرات النفط الخام والمشتقات البترولية معا، لكن توضيح تفاصيل ذلك العجز يفسر الأمر.

يقسم الاقتصاديون الميزان الكلي للمدفوعات إلى ستة موازين فرعية، أولها الميزان التجاري السلعي الذي يوازن بين قيمة الصادرات السلعية والواردات السلعية، وثانيها ميزان الخدمات الذي يوازن بين الصادرات الخدمية من سياحة ونقل واتصالات وخدمات مالية وخدمات ترفيهية وغيرها من الخدمات، وما بين المدفوعات لنفس تلك الخدمات، وثالثها ميزان الدخل الأولي الذي يوازن بين متحصلات ومدفوعات الفوائد على الاستثمارات الأجنبية في الخارج والداخل، ورابعها ميزان الدخل الثانوي الذي يوازن ما بين المعونات وتحويلات العمالة الداخلة والخارجة، وخامسها الميزان المالي والرأسمالي والذي يوازن ما بين قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة والقروض والودائع الداخلة والخارجة، وسادسها حساب السهو والخطأ الذي يرصد صافي حصيلة البنود التي لم ترد في الموازين الخمسة السابقة.

وباستعراض الموازين الفرعية الستة، نجد فائضا في ميزانين فقط هما الميزان التجاري وميزان الدخل الأولى، بينما لحق العجز بالموازين الأربعة الأخرى، وكانت الصورة التفصيلية كالتالي: تحقيق الميزان التجاري السلعي فائضا بلغ 81 مليار دولار، كفرق بين الصادرات السلعية البالغة 311 مليار دولار والواردات السلعية البالغة 230 مليار دولار، وذلك نتيجة تضمن الصادرات السلعية البترول الذي بلغت قيمة صادراته 214 مليار دولار، بنسبة 69 في المائة من مجمل الصادرات، بالإضافة لصادرات البتروكيماويات المعتمدة على النفط وباقي أنواع الصادرات.

وحقق ميزان الدخل الأولى فائضا بقيمة حوالي 11 مليار دولار، كفرق بين إيرادات الفوائد على الاستثمارات السعودية خارج البلاد والتي بلغت حصيلتها 41.2 مليار دولار، نظرا لكبر قيمة تلك الاستثمارات وتنوع أنشطتها وتعدد الدول التي تتواجد بها، بينما كانت المدفوعات على فوائد الاستثمارات الأجنبية داخل البلاد 30.5 مليار دولار.

السياحة الخدمة التي تحقق فائضا

ومن الموازين الفرعية التي حققت عجزا ميزان الخدمات بقيمة 59.3 مليار دولار، كفرق بين المتحصلات الخدمية البالغة 69.4 مليار دولار والمدفوعات الخدمية البالغة 128.7 مليار دولار، ومن بين 12 نشاطا خدميا ذكرتها بيانات البنك المركزي السعودي، فقد حقق واحدا منها فائضا وهو السياحة بينما حققت باقي الأنشطة الخدمية عجزا، حيث حققت السياحة فائضا بلغ 13.2 مليار دولار كفرق ما بين إيرادات سياحية 42.6 مليار دولار، من رحلات الحج والعمرة والسياحة الأجنبية، ومدفوعات السياحة السعودية في الخارج البالغة 29.4 مليار دولار.

ولقد ظلت السياحة تحقق عجزا مستمرا لسنوات طويلة حتى تحولت لتحقيق فائض لأول مرة عام 2019، ثم عادت مع أحداث فيروس كورونا لتحقيق عجز لعامين، ثم عادت لتحقيق فائض من عام 2022 وحتى العام الماضي، وكان الفائض السياحي في العام الماضي أقل مما تحقق في العام الأسبق.

أما الأنشطة الخدمية التي حققت عجزا فشملت النقل بقيمة 26 مليار دولار، وخدمات التشييد 15 مليار دولار، وخدمات التأمين ومعاشات التقاعد 5 مليارات دولار، والخدمات الحكومية 4 مليارات دولار، وخدمات التصنيع ملياري دولار، كما لحق العجز بخدمات الاتصالات ورسوم استخدام حقوق الملكية الفكرية والخدمات الثقافية والترفيهية، وخدمات الصيانة والإصلاح والخدمات المالية والخدمات الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن إجراءات هيئة الترفيه السعودية وما أقامته من مهرجانات وحفلات محلية ماجنة، قد ساهمت في خفض العجز في الخدمات الترفيهية من 1.7 مليار دولار في العام الأسبق إلى 1.28 مليار في العام الماضي.

وحقق ميزان الدخل الثانوي عجزا بلغ 65.6 مليار دولار توزعت بواقع 58 مليار دولار لتحويلات العمالة الأجنبية في السعودية إلى بلدانها الأصلية، و4 مليارات دولار معونات إلى الدول الأخرى، وأقل من 4 مليار تحويلات أخرى لم يتم تحديد نوعيتها.

وحقق الميزان المالي والرأسمالي عجزا بلغ 48.6 مليار دولار، نتيجة تحقيق الاستثمار الأجنبي المباشر عجزا بسبب كبر قيمة الاستثمارات المباشرة التي خرجت من البلاد عن الداخلة إليها، وهو نفس ما حدث مع استثمارات الحافظة في البورصات الأجنبية وشراء أدوات الدين الحكومية الأجنبية، وكذلك مع القروض والودائع بمنح قروض وودائع أكثر مما تم الحصول عليه منها. وكان الحساب الأخير الذي لحق به العجز هو حساب السهو الخطأ بقيمة 14.6 مليار دولار.

عجز مستمر بالموازنة حتى 2031
خفض الصندوق توقعاته للنمو التي أعلنها في كانون الثان/ يناير الماضي من 4.5 في المائة إلى 3.1 في المائة بالعام الحالي، مقابل تحقيق نمو بلغت نسبته 4.5 في المائة العام الماضي. وفيما يخص التضخم فقد توقع الصندوق ارتفاع نسبة التضخم في العام الحالي بالمقارنة بالعام الماضي

أما عن الموازنة السعودية التي ترصد الفارق بين الإيرادات الحكومية من كافة المصادر، وعلى رأسها شركات النفط والضرائب والرسوم، وبين المصروفات على أجور العاملين في الحكومة والمصروفات الحكومية والدفاع والدعم والاستثمارات الحكومية، فقد حققت عجزا مستمرا منذ عام 2014 وحتى عام 2021 وزادت نسب العجز في الموازنة في السنوات التي انخفض خلالها سعر النفط، لكن هذا العجز الذي استمر لثماني سنوات لم يتوقف سوى عام 2022 مع تحسن أسعار النفط، ثم عاد العجز في الموازنة في السنوات الثلاثة الأخيرة لتصل نسبته العام الماضي إلى 5.8 في المائة.

وكان صندوق النقد الدولي في بياناته النصف سنوية قد توقع في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، استمرار العجز في الموازنة السعودية حتى عام 2030 بلا انقطاع، وبالطبع بعد الحرب الإيرانية فقد جاءت بيانات الصندوق في الشهر الحالي لتتوقع استمرار العجز في الموازنة السعودية حتى عام 2031، مع زيادة نسب ذلك العجز المتوقع قياسا إلى الناتج عما كان قد توقعه في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. كما توقع صندوق النقد استمرار ارتفاع نسبة الدين الحكومي السعودي إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل تدريجي حتى عام 2031 بلا انقطاع.

أما عن توقعات الصندوق لنمو الاقتصاد السعودي معبرا عنه بالناتج المحلي الإجمالي، فقد خفض الصندوق توقعاته للنمو التي أعلنها في كانون الثان/ يناير الماضي من 4.5 في المائة إلى 3.1 في المائة بالعام الحالي، مقابل تحقيق نمو بلغت نسبته 4.5 في المائة العام الماضي. وفيما يخص التضخم فقد توقع الصندوق ارتفاع نسبة التضخم في العام الحالي بالمقارنة بالعام الماضي.

أما عن ميزان المعاملات الجارية والذي يوازن بين إيرادات الصادرات السلعية والخدمية وفوائد الاستثمارات في الخارج وتحويلات العمالة للداخل، وبين مدفوعات الواردات السلعية والخدمية وفوائد الاستثمارات الأجنبية في الداخل، والمعونات التي تقدمها الدولة وتحويلات العمالة الأجنبية في السعودية إلى بلدانها الأصلية، وهو الميزان الذي حقق عجزا في العامين الأخيرين، فقد توقع الصندوق استمرار العجز فيه في العامين الحالي والمقبل، وكذلك في عام 2031 بنسبة أعلى بالقياس إلى الناتج المحلي الإجمالي السعودي.

x.com/mamdouh_alwaly


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل