لماذا تشدد الرياض قبضتها في حضرموت وترخيها في عدن؟

ياسين التميمي
"التباطؤ في خطوات استعادة الاستقرار في عدن، لا يبشر بالخير أبدا"- جيتي
"التباطؤ في خطوات استعادة الاستقرار في عدن، لا يبشر بالخير أبدا"- جيتي
شارك الخبر
شهد الأسبوع المنصرم بعضا من أكثر الأحداث المثيرة للاهتمام والتي تضع المملكة العربية السعودية وسياساتها تجاه اليمن في مواجهة تساؤلات مغصوصة؛ عن الحكمة من وراء استمرار تفكيك المشهد السياسي في الجغرافيا اليمنية التي تهيمن عليها، واستمرار ضعف الأداء القيادي للمجلس الرئاسي والحكومة، في حين يشهد هذا البلد تطورات بالغة الخطورة، بعد أن أصبح شماله جزءا من الحرب الإقليمية المصيرية التي تشنها أمريكا مع الكيان الإسرائيلي ضد إيران.

قوبلت مسيرات شهدتها أواخر الأسبوع المنصرم بعض مدن محافظة حضرموت تضامنا مع المملكة ضد الهجمات الإيرانية عليها؛ بمضايقات واعتداءات من جانب أنصار المجلس الانتقالي المنحل، تعززت بمسيرات لذات العناصر في العاصمة السياسية المؤقتة عدن بذريعة المطالبة بإعادة مقرات الانتقالي، شهدت اقتحامات عنيفة لتلك المقرات دون أن تجد رادعا من الأجهزة الأمنية، وهي للأسف لا تزال التركيبة ذاتها من التشكيلات المسلحة العالقة في حلم الانفصال ودولة الجنوب العربي المتخيلة.

لوحظ ارتخاء قبضة السلطة المحلية في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، ما سمح بإبقاء المدينة مسرحا للفوضى وللممارسات العنيفة والاعتداءات المتواصلة على مقرات الدولة، والانتهاكات الفظيعة التي ترتكبها التشكيلات المسلحة والأمنية المنفلتة والهجينة

في حضرموت كان ردات فعل السلطة المحلية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور سالم الخنبشي؛ على سلوك عناصر الانتقالي المنافي للقانون، قوية ومؤثرة وتركزت حول هدف تقييد تحركات هذه العناصر في محافظة حضرموت، وإنزال عقوبات صارمة شملت الإقالة بحق القيادات الأمنية التي المقصرة، في حين لوحظ ارتخاء قبضة السلطة المحلية في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، ما سمح بإبقاء المدينة مسرحا للفوضى وللممارسات العنيفة والاعتداءات المتواصلة على مقرات الدولة، والانتهاكات الفظيعة التي ترتكبها التشكيلات المسلحة والأمنية المنفلتة والهجينة ضد المدنيين، خصوصا المسافرين والقادمين لمدينة عدن لأغراض مختلفة.

لم يعد من الممكن القبول باستمرار تغول عناصر الانتقالي العسكرية والأمنية وحيازتها للمقرات الأمنية واستخدامها لأعمال الاعتقالات والقمع، فيما ينتظر الجميع بفارغ الصبر عودة كاملة مكللة بالكرامة لسلطة الدولة ومؤسساتها ورجالها إلى العاصمة المؤقتة، والقضاء على كافة العراقيل والتهديدات التي تعيق هذه العودة وتبقيها مستبعدة إذا ما استمرت مظاهر الانفلات على حالها، وتُرك الأمر للعناصر الانفصالية لتعبث بالمشهد الأمني والسياسي وتُضاعف من حجم التهديد الذي يتعرض له المدنيون، وبلغ ذروته في جريمة القتل المروعة التي نفذت في مركز احتجاز أمني، ضد عبد الرحمن العليمي المنحدر من مسقط رأس رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي في محافظة تعز.

لقد اكتسبت هذه الحادثة الإرهابية بعدا آخر يشير إلى داء المناطقية المقيت المغذي للمشروع الانفصالي، باعتباره نزعة جهوية يجري التحكم بها من الخارج. وهي كذلك رسالة إلى الرئيس تؤكد سطوة الجماعات الانفصالية المسلحة التي طالت أبناء بلدته، ولن توفر حياته أيضا، لا لأنه رئيس من الشمال، ولكن لأنه هو الذي تصدر مشهد إنهاء التواجد العسكري والنفوذ الواسع للإمارات ومغامرتها غير المحسوبة في دعم مشروع الانفصال؛ رغم ما ينطوي عليه فرض هذا المشروع من تهديد مباشر لأمن السعودية قائدة التحالف وصاحبة الثقل الأساسي فيه.

ذلك يقوض حتما مكاسب التحول الكبير في الموقف السعودي ضد المشروع الانفصالي المدعوم من الإمارات ويعيد الشعب اليمني إلى مربع الإحباط وخيبة الأمل من سياسات الرياض تجاه بلدهم، ويعمق الشعور بحجم الخداع الذي يتعرضون له

ومع بقاء الوضع متوترا وخطيرا في العاصمة السياسية المؤقتة، تتجه الأنظار إلى الجناح المفوض من الرياض لإدارة الشؤون الأمنية في عدن، حيث تبرز الغلبة الواضحة لمنطقة يافع، وهي مركز ثقل سكاني هام للمشروع الانفصالي، في المناصب القيادية السياسية والإدارية والأمنية، وكأنه جزء من إجراء تكتيكي لفرض النفوذ الإقليمي عبر هذا الجناح، حتى وإن اقتضى الأمر الاحتفاظ بأدوات وأجندة وممارسات الانتقالي الانفصالية، بما يعنيه ذلك من تغاض غير مقبول عن التهديد الوجودي الذي تتعرض له الدولة اليمنية من قبل هذا المشروع، وذلك يقوض حتما مكاسب التحول الكبير في الموقف السعودي ضد المشروع الانفصالي المدعوم من الإمارات ويعيد الشعب اليمني إلى مربع الإحباط وخيبة الأمل من سياسات الرياض تجاه بلدهم، ويعمق الشعور بحجم الخداع الذي يتعرضون له، وهم يرون هذا النمط من السياسة المتأنية للرياض في عدن، والتي قد تشير إلى وجود نية لإبقاء خميرة الانفصال نشطة في العاصمة السياسية المؤقتة، وربما إبقائها مجالا للتفاوض الإقليمي حول مستقبل اليمن.

إن التباطؤ في خطوات استعادة الاستقرار في عدن، لا يبشر بالخير أبدا، وتزداد خطورته مع اشتباك الجبهة اليمنية في الحرب الإقليمية الراهنة، وهو أمر قد يوفر غطاء لالتقاء المصالح بين المشروعين الحوثي والانفصالي بكفاءة أكثر من تلك التي رأيناها قبل ربيع 2015، في ظل التطابق الراهن في مفردات الخطاب المعادي للمملكة الصادر عنهما وقابليتهما أيضا للتصرف على حساب المصالح العليا للدولة اليمنية ولنظامها السياسي ووحدتها الترابية، وضد مصالح المملكة أيضا.

x.com/yaseentamimi68


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)