التصنيف الأمريكي كأهم أدوات تصفية الحسابات الإقليمية في اليمن

ياسين التميمي
"الهدف ليس الإصلاح كحزب، بل القوات العسكرية الوطنية التي لا يمكن تصفيتها وتحييدها إلا من خلال تكريس الادعاءات الباطلة"
"الهدف ليس الإصلاح كحزب، بل القوات العسكرية الوطنية التي لا يمكن تصفيتها وتحييدها إلا من خلال تكريس الادعاءات الباطلة"
شارك الخبر
هذه الأيام يجري الحديث عن تصنيف محتمل قد يطال "إخوان" اليمن، وهي تسمية دائما ما يحرص البعض على لصقها بحزب التجمع اليمني للإصلاح، وسط اعتقاد بأن هذا التصنيف هو الضربة القاضية التي ستُزيح الإصلاح والإصلاحيين من المشهد الوطني، لكنه في الحقيقة يُستخدم بشكل مقصود لتجريد السلطة الشرعية من أدواتها العسكرية، ولحيازة نقاط قوة في معركة الضرب من تحت الحزام التي تنخرط فيها قوة إقليمية فقدت نفوذها السيئ في اليمن بفعل التصرف السعودي الشجاع والحكيم.

منذ اليوم الأول لاندلاع ثورة التغيير، كان واضحا أن القوى السياسية اختارت طريق السياسة قبل ساحات الاحتجاج، للتفاوض حول تغيير يضمن لليمن استمرار دولته ويحفظ أمنه واستقراره. لكن منذ اللحظة الأولى جرى تعميم سردية تكرس التجمع اليمني للإصلاح وقياداته وكوادره على رأس قائمة أعداء النظام الحاكم آنذاك، في وقت اختار فيه هذا الحزب بناء اصطفاف سياسي متعدد الطيف للتعاطي مع التحدي الذي فرضته الإرادة الشعبية، والتفاعل الخلاق مع جهود الوساطة التي تصدرتها المملكة العربية السعودية وأفضت إلى صياغة اتفاق المبادرة الخليجية، التي عملت القوى الغربية الكبرى على تطويرها إلى مرجعية دستورية انتقالية من خلال الآلية التنفيذية للاتفاق.

أطراف عديدة داخلية وخارجية؛ كانت تُفرغ كل حمولتها الأيديولوجية وعقيدتها الأمنية الانتهازية، بشأن الإرهاب، على كاهل الإصلاح، وتحاول أن تدفع به بعيدا عن ميدان السياسة، وتُلصق به كل التهم التي تجعل من التحدي الإرهابي أحد أهم مخرجات النشاط السياسي لأكبر أحزاب المعارضة على الإطلاق

دفع حزب الإصلاح خلال العقد ونصف العقد الماضي، الثمن الأكثر كلفة جراء تفاعله الإيجابي القوي مع التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية، مؤمنا بأهمية هذا التدخل لحفظ الدولة اليمنية وصيانة الأمن والاستقرار في المنطقة. أكثر من دفع هذا الثمن هم كوادر الإصلاح الذين انخرط عدد منهم في صفوف المقاومة الشعبية، ومُلئت بهم سجون الانقلابيين الطائفيين، والمقاولين المحليين من الانفصاليين وورثة السلطة المنهارة، في كل من صنعاء وعدن والمخا، وسط تصفيق ومباركة أطراف عديدة داخلية وخارجية؛ كانت تُفرغ كل حمولتها الأيديولوجية وعقيدتها الأمنية الانتهازية، بشأن الإرهاب، على كاهل الإصلاح، وتحاول أن تدفع به بعيدا عن ميدان السياسة، وتُلصق به كل التهم التي تجعل من التحدي الإرهابي أحد أهم مخرجات النشاط السياسي لأكبر أحزاب المعارضة على الإطلاق. والهدف ليس الإصلاح كحزب، بل القوات العسكرية الوطنية التي لا يمكن تصفيتها وتحييدها إلا من خلال تكريس الادعاءات الباطلة بأنها ملاكٌ حزبي خالص.

يمثل حزب الأمة الجديد في الأردن مثالا على قدرة العمل السياسي على التكيف مع التحديات الطارئة والاستهدافات العابرة للحدود لكل ما له علاقة بالانتصار لقضايا الأمة ومواجهة أعدائها، ما دام هذا العمل السياسي سلميا ومدنيا وملتزما بدستور الدولة وقانونها، ويمكنه أن يكتسب مَنَعة وطنية في التعاطي مع تأثيرات إجراءات التصنيف الأمريكي الذي يفقد تأثيره مع الوقت، في ظل سلسلة الإجراءات والتصنيفات التي أطلقتها إدارة ترامب ضد الجميع تقريبا خلال الأشهر الأربعة الأولى من ولايته الرئاسية، خصوصا بعد أن ثبت بالدليل بأن ما تقوم به الأطراف الصهيونية المتشددة في واشنطن، إنما يندرج ضمن حملة العلاقات العامة وبناء الشراكات، ومكافأة الأطراف الإقليمية الأكثر انحيازا لإسرائيل والأكثر عدائية ضد إرادة شعوب المنطقة.

مثال على ذلك تصنيف الشيخ حميد عبد الله بن حسين الأحمر، وهو من أبرز قيادات التجمع اليمني للإصلاح، على خلفية مناصرته للقضية الفلسطينية، ورغبة من المقاول الإقليمي في تضييق هامش حركة الشيخ الأحمر ومن يماثله من القيادات ذات الثقل الوطني، والحد من تأثيرها في تقرير مصير اليمن.. والأمر ذاته تكشفه الحملات الممنهجة التي تطال قيادات المقاومة الشعبية رغم التضحيات الهائلة التي قدمتها انتصارا للوطن.

الجيش الوطني هو القوة الوحيدة التي تتبع الجمهورية اليمنية وقيادتها وحكومتها وتخضع لتوجيهاتها.. وليس هناك لحظة أهم من تلك التي سينال فيها هذا الجيش حقوقه ويحتل مكانته الطبيعية، بعد أن مورس بحقه التهميش والإفقار والحرمان من الموارد

هناك ذرائع يسوقها البعض تتحدث عن تمنع القوات المسلحة في مأرب عن التفاعل مع جهود توحيد القوات العسكرية التي تشرف عليها لجنة عسكرية بقيادة سعودية. وتقديري أن الجيش الوطني هو القوة الوحيدة التي تتبع الجمهورية اليمنية وقيادتها وحكومتها وتخضع لتوجيهاتها.. وليس هناك لحظة أهم من تلك التي سينال فيها هذا الجيش حقوقه ويحتل مكانته الطبيعية، بعد أن مورس بحقه التهميش والإفقار والحرمان من الموارد، وإغداقها على بقية التشكيلات العسكرية التي قاتلت ضد الدولة ووجهت تهديدا خطيرا ضد الأمن الإقليمي، أو مهيأة لخوض جولة صراع ضد الدولة وتهديد الأمن الإقليمي، ورغم ذلك تمتعت بكل أشكال الدعم العسكري والمالي السخي طيلة السنوات الماضية.

لا يمكن اختبار الجيش الوطني فقط من زاوية تفاعله مع إجراءات الدمج، وتجاهل التضحيات الغالية التي قدمها هذا الجيش والقوى الأمنية طيلة العقد ونصف العقد الماضي، وهي الفترة التي بقي معظم الذين يصرخون اليوم، بعيدا عن ميدان القتال، ولم يطالبهم هذا الجيش بمشاركته كلف الموت والتضحيات والإصابات التي طالته وطالت أفراده. وهو اليوم بموارده البشرية والمادية تحت تصرف القيادة السياسية، ومن العبث استمرار حشره قسرا في زاوية الولاء لطرف سياسي بعينه.

وخلاصة القول، إن الابتزاز بالتصنيف الأمريكي للأطراف السياسية والعسكرية في الشرعية، لا يمكن أن يصرفنا عن تتبع مجريات دمج القوات التي أُنشئت ابتداء لتحقيق أهداف إقليمية شيطانية، وتحولت خلال السنوات الماضية إلى روافع للمشاريع المعادية للدولة اليمنية. فهو الاختبار الوحيد لجدية اللجنة العسكرية العليا التي عليها أن تتصرف بمهنية خالصة في إطار مهمتها لإعادة توحيد التشكيلات المسلحة ضمن مسرح عمليات وطني يلبي متطلبات صون السيادة الوطنية، وعقيدة قتالية موحدة، وهيكل قيادي متماسك ومرتبط بالمستوى السياسي الأعلى للدولة اليمنية.

x.com/yaseentamimi68


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)