وحدة اليمن.. الإنجاز الذي تتهدّده قوى النفوذ الخارجي

ياسين التميمي
"إحساس نادر لدى المواطن اليمني بأن قيادته تمتلك رؤية واضحة وإرادة وحزما تجاه التحديات التي تكتنف خططَ السلطة الشرعية لإعادة تطبيع الأوضاع وطيَّ صفحة المشروع الانفصالي"- عربي21
"إحساس نادر لدى المواطن اليمني بأن قيادته تمتلك رؤية واضحة وإرادة وحزما تجاه التحديات التي تكتنف خططَ السلطة الشرعية لإعادة تطبيع الأوضاع وطيَّ صفحة المشروع الانفصالي"- عربي21
شارك الخبر
ما من منجز عظيمٍ تحقّق لأمّتنا أكثر عرضة للتهديد من الوحدة اليمنية؛ لا لشيءٍ إلا لأنها تمّت في جغرافيا تعاني من التأثير الطاغي للنفوذ الخارجي، وفي بيئةٍ إقليميةٍ تكتنز قدرا لا يُحتمل من التربص بوحدة اليمنيين واجتماعهم السياسي، وابتُليت خلال 32 عاما من عمرها بقيادة أنانية تعاملت مع الوحدة كفرصة شخصية لتكريس النفوذ الخاص وبناء أنموذج عائلي للحكم؛ استند إلى شبكة ولاءات افتقدت الكفاءة والنزاهة والبُعد الوطني. فيما أفرزت سنوات التحول التي أعقبت عام 2011 نمطا سلطويا استند إلى وعي مريض بالهوية الجنوبية، كان سببا رئيسيا في استباحة الدولة من قبل المشروعين الطائفي والانفصالي، وكل ذلك تمّ، للأسف، تحت أنظار السلطة وبمال الدولة وسلاحها.

لكن، بعد هذا التمهيد القاتم، يمكن التفاؤل بأن اليمن يبدو اليوم منفتحا على أفق واعدٍ يتأسس على إيمان اضطراري بأهمية الحفاظ على الوحدة اليمنية، يُعبّر عنه التزام أهم جار لليمن، وهو المملكة العربية السعودية، تجلّى في المضمون المهم لخطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين للعيد الوطني للجمهورية اليمنية، وهي ذكرى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من أيار/مايو 1990.

الاستناد إلى الحد الأعلى من حُسن النية، يمكن فهمُ تأكيدات الرئيس على أن القضية الجنوبية ستُحل تحت سقف الدولة اليمنية الموحّدة، وبرعايةٍ كاملةٍ من السعودية التي باتت، ربما، أكثر قناعة بأن الأمن الإقليمي سيتحقق من خلال شراكة استراتيجية مع الدولة اليمنية الموحدة

كان خطابُ الرئيس رشاد العليمي المظهر الاحتفالي الرسمي الوحيد بهذه الذكرى الوطنية والعربية والإنسانية العظيمة، ومع ذلك استطاع أن يملأ الأفق الوطني ببشائر الأمل، التي أنتجت إحساسا نادرا لدى المواطن اليمني بأن قيادته تمتلك رؤية واضحة وإرادة وحزما تجاه التحديات التي تكتنف خططَ السلطة الشرعية لإعادة تطبيع الأوضاع وطيَّ صفحة المشروع الانفصالي، بعد أن تحوّل إلى أعظم تهديد للمركز القانوني للدولة، وأكبر عائق أمام التعامل مع التهديد الأساسي المتمثل في انقلاب 21 أيلول/سبتمبر 2014 على السلطة الانتقالية وعلى الوفاق الوطني، من قبل جماعة الحوثي والرئيس الأسبق علي عبد الله صالح.

وقد كشف الرئيس العليمي أن مجلس القيادة الرئاسي أعاد تقييم نهجه الاستراتيجي في قيادة الدولة، والعملَ برؤية وطنية جامعة تقوم على ستة موجّهات، يهمّنا منها اثنان هما: "الالتزامُ الثابت بالحل العادل للقضية الجنوبية من خلال الحوار السلمي وتمثيلِها في أي مساراتٍ مستقبلية للحل السياسي، وتعزيزُ العلاقة مع المملكة العربية السعودية ونقلُها من مستوى التحالف الوثيق إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، والاندماجُ التدريجي للجمهورية اليمنية في المنظومة الخليجية".

وبالاستناد إلى الحد الأعلى من حُسن النية، يمكن فهمُ تأكيدات الرئيس على أن القضية الجنوبية ستُحل تحت سقف الدولة اليمنية الموحّدة، وبرعايةٍ كاملةٍ من السعودية التي باتت، ربما، أكثر قناعة بأن الأمن الإقليمي سيتحقق من خلال شراكة استراتيجية مع الدولة اليمنية الموحدة، كاملةِ السيادة على أراضيها، لا من خلال يمنٍ مُجزأ ومتصارع وكانتونات جغرافية تُغري اللاعبين الإقليميين والدوليين بالاستحواذ عليها وإعادة استخدامها وفق مصالحهم؛ تماما كما تتصرّف إيران استنادا إلى نفوذها في شمال اليمن، وكما تصرّفت الإمارات في جنوبه.

وفي الحدّ الأدنى من حُسن النية، ينتابني شعورٌ بالقلق إزاء الإصرار على التعاطي مع القضية الجنوبية كما لو كانت أزمة مفتوحة على احتمالاتٍ متعددة؛ على نحوٍ تتحول معه الشراكةُ الاستراتيجيةُ مع السعودية إلى غطاءٍ لإدارة القضية الجنوبية وفقا للأولويات الإقليمية، وتعريضِها لاحتمالاتِ إجبار اليمن على تحمّل التكاليف الباهظة لحلّ قضيةٍ لم يعد لها أساسٌ قانونيٌّ أو شرعي، في ظل التحولات المشهودة التي أنهت كلَّ مظاهر الهيمنة الجهوية والتهميش والإقصاء والاستئثار بالسلطة، وهي قضايا كانت ولا تزال في جوهرها مطلبية، لا يمكن حلّها بإعادة النظر في الوحدة نفسها أو بإعادة تفكيك الدولة اليمنية إلى شظايا جغرافية، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطرَ جيوسياسيةٍ على اليمن والمنطقة.

من المهمّ للغاية أن يتعزّز التغييرُ الجوهري في موقف المملكة العربية السعودية تجاه اليمن، استنادا إلى وعيٍ بالمخاطر المحدقة بالمنطقة، والتي تثبت أن التهديدات لا ترتبط حتما بالحجم الجغرافي، ولا بالثقل الديموغرافي أو السياسي للجار اللصيق

إنّ ردودَ الأفعال العدائية التي صدرت عن قيادات محسوبة على المجلس الانتقالي (المنحل) تجاه خطاب الرئيس، وإصرارَها على مهاجمة الوحدة وإنكار وجودها بدعوى أن النفوذ العسكري الممتدّ للانتقالي في المناطق الجنوبية يمنع مظاهر الاحتفال بهذه الذكرى، هي ممّا يعزّز مشاعرَ القلق من الاستمرار في إدارة القضية الجنوبية بهذه الليونة؛ على الرغم من أن المشروع الانفصالي بلغ من الخطورة حدا لم يحتمله أمنُ الإقليم ولا المصالحُ الحيوية لدوله، وفي مقدّمتها السعودية. وقد شكّلت مغامراتُه المدمرة في الثالث من كانون الأول/ديسمبر من عام 2025 المعادلَ السيئ لحرب صيف 1994، التي كانت آنذاك مغامرة سلطوية يتحمّل الجزءَ الأهمّ من المسؤولية عنها طموحُ علي عبد الله صالح في الاستئثار بالسلطة.

ومن المهمّ للغاية أن يتعزّز التغييرُ الجوهري في موقف المملكة العربية السعودية تجاه اليمن، استنادا إلى وعيٍ بالمخاطر المحدقة بالمنطقة، والتي تثبت أن التهديدات لا ترتبط حتما بالحجم الجغرافي، ولا بالثقل الديموغرافي أو السياسي للجار اللصيق. فقد تأتي هذه التهديدات من استمرار تفكك ذلك الجار، الذي سينتج حتما كياناتٍ خطيرة للغاية يمكن أن تنخرط في اصطفافاتٍ معاديةٍ تغذيها الولاءات الطائفيةٍ والاتجاهات الانعزالية، مما يفسح المجالَ للأجندات المعادية العابرة للحدود. وهي حالات شهدنا أمثلة لها من قبل في سوريا، ونشاهدها في لبنان، ونرقبها باهتمامٍ في جمهوريةِ أرضِ الصومال الانفصالية المعلَنةِ من طرفٍ واحد، والتي أقامت علاقاتٍ مع إسرائيل؛ وأخطرُ ما فيها أنها جاءت في سياقِ تخادُمٍ مع مشروعٍ انفصاليٍّ كان يضعُ اللَّبناتِ الأخيرةَ لهيكله الجيوسياسي في جنوب اليمن.

x.com/yaseentamimi68


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل