احتفالات الغدير والمهرجانات الانفصالية وتأثيرها على مسارات الصراع الثلاثة في اليمن

ياسين التميمي
"البطء الشديد في إجراءات فرض نفوذ الدولة"- جيتي
"البطء الشديد في إجراءات فرض نفوذ الدولة"- جيتي
شارك الخبر
هناك ثلاثة مسارات رئيسة تمضي باليمن إلى نهايات متناقضة، أولها مسار تمكين الشرعية، ومسار تمكين المشروع الطائفي في صنعاء، والمسار الانفصالي في الجنوب، واللافت أن جميع من يمضي فيها يرفع بأريحية تامة أسوأ الشعارات التي تمس الهوية الوطنية المشتركة لليمنيين وتهدد وجود دولتهم، وتُبقي اليمن جغرافيا مستباحة للنافذين الإقليميين، مما ينتج عنه تحييد وتعطيل أكبر كتلة سكانية في شبه الجزيرة العربية وإبقائها رهن الحرب والجوف والشتات والأدوار الوظيفية.

أما المسار الأول فهو مسار فرض نفوذ الشرعية الذي تهيمن عليه وتديره المملكة العربية السعودية، ويستمد قوته وشرعيته من ارتباطه بالسلطة الشرعية، إذ يقوم على فرضية التمكين لهذه السلطة، بما يتفق مع الأسس والمرجعيات التي تستند عليها جهود إنهاء الحرب والتسوية السياسية في اليمن. غير أن هذا المسار يعاني من تعقيدات مثيرة للقلق، وأولها احتضان نسخة مستأنسة من الانفصال وإطلاق أدواته السياسة والإعلامي، فيما لا يزال منكفئا على أكثر الإجراءات أهمية في هذا المسار والمتعلقة بإعادة إطلاق موارد الدولة اليمنية والاستفادة القصوى من عوائدها،
ممارسات لا تزال متأثرة بموجة الانفصال التي نمت وكبرت بفضل الدعم الخارجي والإضعاف الممنهج للشرعية، وهي اليوم تتحول إلى أدوات لتمرير الرسائل التي تعكس مستويات خطيرة من لعبة النفوذ والصراع الإقليميين
ولعل أهمها النفط والغاز الطبيعي المسال، في وقت يشهد فيه العام تهديدا كبيرا لإمدادات الطاقة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإغلاق مضيق هرمز.

يضاف إلى كل ذلك البطء الشديد في إجراءات فرض نفوذ الدولة، في المناطق المستعادة من المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، وفض الاشتباك الهوياتي للقوات العسكرية والأمنية المسيطرة على عدن بما يضمن الانتهاء الفوري لنفوذ الانتقالي وقياداته في الخارج على هذه القوات، وترجمة حل المجلس الانتقالي عبر إنهاء نشاطه الرسمي بالهوية الانفصالية التي يرفعها، وهو أمر لا يتطلب إجراءات عسكرية فقط، بل حوافز حقيقية تعيد الأمل للجميع وتضمن استجابة العناصر المسلحة وقياداتها لجهود الإدماج، وتتزامن مع إجراء حوارات متعدد المستويات مع جميع الأطراف.

أما المسار الثاني فيتواصل عبر الأنشطة المشجعة على استدامة النزعة الانفصالية وتحويلها إلى مجال للتكسب السياسي والدعم الخارجي، وتحويلها إلى منابر منفلتة للعبث السياسي وممارسة الخداع والتحريض، وكلها ممارسات لا تزال متأثرة بموجة الانفصال التي نمت وكبرت بفضل الدعم الخارجي والإضعاف الممنهج للشرعية، وهي اليوم تتحول إلى أدوات لتمرير الرسائل التي تعكس مستويات خطيرة من لعبة النفوذ والصراع الإقليميين على الساحة اليمنية، على نحو ما كشفت عنه الكلمة المنفلتة التي ألقاها الشيخ عبد الرب النقيب، شيخ مكتب "الموسطة" في يافع وعضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي المنحل، في مهرجان الهجر التراثي السنوي، وتضمنت انتقادات قاسية ومباشرة للقيادة السعودية ولولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بنبرة تعكس التأثير الذي تمارسه الإمارات على رجالها في جنوب اليمن،
تكرس البعد الطائفي الواحد في مناطق سيطرة الحوثيين، وهي شكل من أشكال الاستثمار السياسي لهذا الانحسار المريب للضغط العسكري على هذه الجماعة الانقلابية، بكل من يمثله هذا التغول الطائفي من تكريس للانقسام الوطني
ومنهم الشيخ عبد الرب الذي تصفه كتابات الانتقاليين بأنه شيخ مشايخ يافع والمرجعية العليا للجنوب، وهو توصيف الهدف منه تثقيل عيار العبارات التي المسيئة التي أطلقها الرجل على السعودية وقيادتها.

المهرجان تحول بشكل واضح إلى منبر للمجلس الانتقالي المنحل، إذ أراد منظموه أن يظهر العمق الاجتماعي والعشائري والوطني للمشروع الانفصالي، غير أن حجم المهرجان قلل إلى حد كبير من تأثير وأهمية هذه الرسائل، إلى جانب التأثيرات السلبية المحتملة لهذه الرسائل المستفزة على وضع أبناء يافع في المهجر الذي يمولون هذا المهرجان.

أما المسار الثالث، وهو المسار الطائفي، فإنه للأسف لا يزال يمضي بثبات منذ أيلول/ سبتمبر 2014، من خلال المشروع السياسي لجماعة الحوثي التي تسيطر على أجزاء واسعة من شمال اليمن. ويمثل "عيد الغدير" الذي يُحتفل فيه في الثامن عشر من شهر ذي الحجة، مناسبة من مناسبات عديدة تكرس البعد الطائفي الواحد في مناطق سيطرة الحوثيين، وهي شكل من أشكال الاستثمار السياسي لهذا الانحسار المريب للضغط العسكري على هذه الجماعة الانقلابية، بكل من يمثله هذا التغول الطائفي من تكريس للانقسام الوطني، إلى جانب أنه يرسي المزيد من القواعد المادية التي يتحول معها اليمن إلى قاعدة عسكرية وظيفية في صراع النفوذ الإقليمي، بكل ما ترتب وسيترتب على هذا الأمر من ارتدادات خطيرة على اليمن وأمنه واستقراره وإمكانياته واقتصاده وحياة أبنائه، وسيرتد بالأثر الخطير نفسه على الأمن الإقليمي، على نحو ما كشفت عنه أحداث السنوات الماضية.

x.com/yaseentamimi68


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)