بالإضافة إلى أهداف
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، من قضاء على النظام الحاكم وتدمير
البرنامج النووى وتقليص قدرات برنامج الصواريخ الإيرانية، والحد من أنشطة الأذرع
الإيرانية بالدول العربية، يوجد هدف غير مُعلن يتمثل في إضعاف الثقة في انتظام
وصول
النفط والغاز الطبيعي
الخليجي إلى الدول المستوردة لهما، ودخول النفط والغاز
الطبيعي الأمريكي لتعويض ذلك النقص.
وإبرام اتفاقات طويلة
الأجل لتصدير النفط والغاز الطبيعي الأمريكي يساهم في تقليل حدة العجز التجاري
الأمريكي المزمن، والذي زادت قيمته في العام الماضي إلى 1.231 تريليون دولار،
بزيادة 26 مليار دولار عن العجز في العام الأسبق، رغم زيادة نسب الجمارك على السلع
الأمريكية المستوردة في العام الماضي كوسيلة لتقليل العجز التجاري.
وساعد على ذلك تحول الميزان التجاري الأمريكي البترولي من عجز مزمن إلى تحقيق
فائض بلغ 20 مليار دولار في العام الماضي، مستمرا في تحقيق فائض متزايد للعام
الثاني، رغم تراجع قيمة
صادرات النفط الخام في العام الماضي بقيمة 19 مليار دولار
عن العام الأسبق. وهكذا حققت الصادرات البترولية من الخام والمشتقات معا في العام
الماضي 211 مليار دولار، تمثل نسبة 9.7 في المائة من مجمل الصادرات الأمريكية. وبإضافة قيمة صادرات
الغاز الطبيعي والفحم والطاقة
الكهربية إلى صادرات النفط، تصل قيمة صادرات الوقود في العام الماضي إلى 304 مليارات
دولار، تمثل نسبة 14 في المائة من مجمل الصادرات الأمريكية.
إحلال النفط والغاز الأمريكي، محل النفط والغاز الروسي في أوروبا وآسيا بعد حرب روسيا على أوكرانيا عام 2022، وخفض أوروبا من استيراد النفط والغاز الروسيين، مع فرض الولايات المتحدة عقوبات على الدول التي تستورد النفط الروسي.
كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الدول التي تستورد النفط الإيراني كوسيلة للحد من إيراداتها النفطية، وهو ما كررته مع فنزويلا
وتحول الميزان التجاري الأمريكي للطاقة لتحقيق فائض متواصل منذ عام 2020
وحتى العام الماضي، ساعد عليه إنتاج النفط الصخري، الأمر الذي ساعد الولايات
المتحدة على إحلال النفط والغاز الأمريكي، محل النفط والغاز الروسي في أوروبا
وآسيا بعد حرب روسيا على أوكرانيا عام 2022، وخفض أوروبا من استيراد النفط والغاز الروسيين،
مع فرض الولايات المتحدة عقوبات على الدول التي تستورد النفط الروسي.
كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الدول التي تستورد النفط الإيراني
كوسيلة للحد من إيراداتها النفطية، وهو ما كررته مع فنزويلا قبل خطفها للرئيس
الفنزويلى مادور، كوسيلة لإحلال النفط والغاز الأمريكي محل النفط الإيراني والفنزويلي،
خاصة لدى كبار المستوردين لهما وعلى رأسهم الصين وكبار المستوردين في آسيا.
تراجع صادرات النفط الأمريكي للصين
ولعل صورة الصادرات النفطية الأمريكية للصين توضح ذلك، ففي عام 2025 بلغت الكمية
651 ألف برميل يوميا مقابل 869 ألف برميل عام 2024، وبعد أن كانت تلك الكمية 993
ألف برميل يوميا عام 2023، أي أن كمية التصدير للنفط الأمريكي للصين قد تراجعت في
العام الماضي للعام الثاني على التوالي لصالح روسيا، رغم أن الصين تحتل المركز الأول
عالميا بواردات النفط والتي بلغت كميتها 13.3 مليون برميل يوميا عام 2024.
كذلك انخفضت صادرات الغاز الطبيعي الأمريكي للصين في العام الماضي إلى مليار
قدم مكعب، مقابل 213 مليار قدم مكعب في العام الأسبق، مستمرة بالتراجع بعد أن كانت
قد بلغت 453 مليار قدم مكعب خلال عام 2022، رغم احتلال الصين المركز الأول بواردات
الغاز الطبيعي عالميا بكمية 176.7 مليار متر مكعب عام 2024.
حتى الفحم الذي تحتل الولايات المتحدة المركز الرابع في تصديره في عام 2024،
بلغ نصيبها النسبي من واردات الصين أقل من 3 في المائة بذلك العام، رغم أن الصين
تحتل المركز الأول بواردات الفحم في العالم بنصيب 32 في المائة من الإجمالي الدولي.
وفي ضوء العجز التجاري المزمن للولايات المتحدة في تجارتها مع الصين والذي
بلغ في العام الماضي 202 مليار دولار، ما بين صادرات أمريكية لها بلغت 106 مليار
دولار وواردات منها بلغت 308 مليار دولار، فإن الولايات المتحدة تسعى للاستحواذ
على نصيب أكبر من الواردات النفطية والغازية والفحمية الصينية، لتقليل ذلك العجز التجاري
بينهما، ولتقليل نسب اعتماد الصين على الطاقة الروسية أو الطاقة المستوردة من دول
الخليج العربي.
انخفاض صادرات الغاز الأمريكي للهند
وفي ضوء احتلال الهند المركز الثالث دوليا في كميات استيراد النفط بنوعيه
الخام والمشتقات عام 2024، فقد سعت الولايات المتحدة لزيادة حصتها من الواردات
الهندية من النفط، لتصل كمية صادرات النفطية لها في العام الماضي 606 آلاف برميل
يوميا، وهو رقم غير مسبوق للصادرات النفطية الأمريكية للهند، مقابل 449 ألف برميل
يوميا في العام الأسبق، وبعد أن كانت الكميات عام 2023 نحو 402 ألف برميل، مع
الإصرار على زيادة تلك الكمية والتي تعرضت للتراجع بعد أن كانت قد بلغت 566 ألف
برميل عام 2021 ثم تراجعت في السنوات التالية، في ضوء المزايا من الأسواق الأخرى التي
تصل إلى استيراد النفط بالروبيه الهندية من روسيا، والحصول على أسعار بخصم كبير من
أسواق أخرى تتعرض لعقوبات أمريكية.
واتجهت صادرات الغاز الأمريكي إلى الهند للتراجع في العام الماضي إلى 154
مليار قدم مكعب، مقابل 256 مليار قدم مكعب في العام الأسبق، وكان رقم العام الماضي
أقل مما كان عليه عام 2021 حين بلغت الكميات المصدرة للهند 196 مليار قدم مكعب،
رغم احتلال الهند المركز الثالث عشر دوليا في واردات الغاز.
ورغم كون الهند تحتل المركز الثاني دوليا في واردات الفحم في عام 2024
بنصيب 15 في المائة من الواردات الدولية، فلم تساهم صادرات الفحم الأمريكي إليها
سوى بنسبة 7.5 في المائة من مجمل وارداتها من الفحم في ذلك العام. وفي ضوء العجز
التجاري للولايات المتحدة مع الهند والذي بلغ في العام الماضي 58 مليار دولار،
كفرق بين صادرات أمريكية لها بلغت 46 مليار دولار وواردات أمريكية منها بلغت 104
مليارات دولار، تسعى الولايات المتحدة لزيادة حصتها من الواردات الهندية من النفط
والغاز والفحم.
استخدام الوقود لتقليص العجز التجاري
ومع احتلال اليابان المركز الخامس دوليا بواردات النفط بنوعيه الخام
والمشتقات عام 2024 بكمية 3.221 مليون برميل يوميا، فقد حرصت الولايات المتحدة على
نيل حصة من تلك الواردات والتي بلغت 677 ألف برميل يوميا في العام الماضي، وهو رقم
غير مسبوق في ظل زيادة الصادرات النفطية الأمريكية لليابان من 488 ألف برميل عام
2021 واستمرارها في الزيادة خلال السنوات التالية.
ومع شغل اليابان المركز الرابع دوليا بواردات الغاز الطبيعي عام 2024 بكمية
87.7 مليار متر مكعب، فقد سعت الولايات المتحدة لنيل نصيب جيد من تلك الواردات، إلا
أن بيانات الصادرات الغازية الأمريكية لها في العام الماضي تشير إلى تراجع الكميات
إلى 223 مليار قدم مكعب، مقابل 336 مليار قدم مكعب في العام الأسبق، وبعد أن كانت
قد بلغت 355 مليار قدم مكعب عام 2021.
ورغم كون اليابان صاحبة المركز الثالث بواردات الفحم عالميا عام 2024 وبنسبة
12 في المائة من واردات الفحم الدولية، فقد كان نصيب صادرات الفحم الأمريكي لها
سبعة في المائة فقط من مجمل وارداتها في ذلك العام. وفي ضوء العجز التجاري الأمريكي
مع اليابان والذي بلغ 64 مليار دولار في العام الماضي، كفرق بين صادرات أمريكية إليها
بلغت 82 مليار وواردات منها بلغت 146 مليار دولار، تسعى الولايات المتحدة لزيادة
صادراتها من أنواع الطاقة لليابان.
إذا كانت حرب روسيا على أوكرانيا قد منحتها الفرصة لتحقيق ذلك على حساب الصادرات الروسية، فلتكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران فرصة لتحقيق ذلك على حساب صادرات منطقة الخليج العربى
ويتكرر المسعى الأمريكي مع دول أخرى تحتل مراكز متقدمة بواردات النفط
بنوعيه الخام والمشتقات معا مثل كوريا الجنوبية صاحبة المركز الرابع بواردات النفط
الدولية، والتي بلغ العجز التجاري الأمريكي معها في العام الماضي 56 مليار دولار،
حيث بلغت كميات صادرات النفط الأمريكي لها في العام الماضي 705 آلاف برميل يوميا،
وهو رقم غير مسبوق، في ضوء زيادة الكميات في بالسنوات الثلاث الأخيرة. لكن صادرات الغاز الأمريكي لها لم تسر على نفس الوتيرة، حيث
انخفضت من 453 مليار قدم مكعب عام 2022 إلى 289 مليار قدم في العام الأسبق ثم إلى 252
مليار قدم في العام الماضي، رغم احتلال كوريا الجنوبية المركز السادس دوليا
بواردات الغاز الطبيعي. وفي الفحم الذي تحتل به كوريا الجنوبية المركز الرابع
دوليا بوارداته عام 2024، كان نصيب صادرات الولايات المتحدة من تلك الواردات 4 في
المائة فقط في ذلك العام.
وهكذا تسعى الولايات المتحدة لزيادة صادراتها من الطاقة إلى دول مثل
المكسيك وكندا وتايلاند وماليزيا وإيطاليا وإندونيسيا وغيرها، ولدول الاتحاد الأوروبي
لتقليل العجز التجاري معها، على حساب صادرات الطاقة الروسية والخليجية، وإذا كانت
حرب روسيا على أوكرانيا قد منحتها الفرصة لتحقيق ذلك على حساب الصادرات الروسية، فلتكن
الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران فرصة لتحقيق ذلك على حساب صادرات منطقة
الخليج العربى، ولعل استهداف المنشآت النفطية والغازية في إيران وفي الدول العربية
الخليجية من خلال القصف الإسرائيلى الواضح والمستتر لتلك المنشآت خير شاهد، لتعطيل
تلك الصادرات فترة أطول بعد انتهاء الحرب.
x.com/mamdouh_alwaly
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.