مذبحة الأشجار.. فعلَتها الحملة الفرنسية على مصر من قبل!

سليم عزوز
"عندما قرأت أنه وقع الاختيار بالإجماع على استضافة مصر للدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، قلت: هي إذن نكتة جديدة"- إكس
"عندما قرأت أنه وقع الاختيار بالإجماع على استضافة مصر للدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، قلت: هي إذن نكتة جديدة"- إكس
شارك الخبر
إنها نكتة سخيفة ولا ريب!

وذلك عندما تتحرك البنت وأمها، كناية عن الاحتشاد، لتدين مذبحة الأشجار في شارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (نطاق القاهرة الكبرى)، فيندد بذلك إعلاميون يتبعون النظام، وتدين هذا الوزيرة المختصة، ويتقدم أحد المحامين ببلاغ للنائب العام، كما تتحرك النخبة تدين وتندد وتشجب، وكأننا في مولد وصاحبه غائب!

فقد بدأ العدوان على الأشجار في هذا الشارع بداية من 18 تموز/يوليو الماضي، لكن هذه السياسة التي غُلب حمارنا (كناية عن الحيرة) في الوصول إلى أهدافها، كانت بدايتها قبل سبع سنوات، عندما قامت بلدوزرات القوم بواحدة من الجرائم الكبرى في شوارع ضاحية مصر الجديدة، يومئذ كان ما جرى هو موضوعنا، ولم يؤوب معنا أحد من الذين يفتحون أفواههم في دهشة هذه الأيام، ولم يتحرك أي من المحامين، أو هذا المحامي نفسه، ويتقدم ببلاغ للنائب العام!

واستمرت هذه السياسة، ولم تتوقف على مدى السنوات الماضية، وانتقلت في العام نفسه (2019) من ضاحية مصر الجديدة إلى حي الدقي، القريب من شارع جامعة الدول العربية. واللافت أن يد العبث قد امتدت لتجريف حدائق تاريخية، مثل حديقة الميرلاند في مصر الجديدة، وانتقلت إلى حدائق المنتزه بالإسكندرية، ومن أحياء مدينة نصر إلى المعادي، ومنه إلى كوبري القبة، إلى القاهرة الجديدة، حيث محيط محمية الغابة. وانتقلت من محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية إلى محافظات القليوبية وبور سعيد والفيوم وغيرها من المحافظات.

لأنه لا بد من كبش فداء، فليكن المحافظون ووزيرة التنمية المحلية منال عوض، مع أنهم أدوات تنفيذ لأوامر اللهو الخفي، الذي يعجز إلى الآن عن الظهور للناس وشرح أهداف سياسة تصحير مصر، فربما نتفهم رؤيته الثاقبة وبعد نظره وعقليته العلمية المعملية الفذة

ولأنه لا بد من كبش فداء، فليكن المحافظون ووزيرة التنمية المحلية منال عوض، مع أنهم أدوات تنفيذ لأوامر اللهو الخفي، الذي يعجز إلى الآن عن الظهور للناس وشرح أهداف سياسة تصحير مصر، فربما نتفهم رؤيته الثاقبة وبعد نظره وعقليته العلمية المعملية الفذة.

تعليق الاتهام في رقبة المحافظ:

لقد اندفع البعض يرى أن المشكلة في الجريمة التي ارتكبت في شارع جامعة الدول العربية ترجع إلى محافظ الإقليم، باعتباره كان محافظاً للفيوم، وارتكب مذبحة للأشجار هناك قبل أن ينتقل للجيزة!

وهو أسلوب يلف ويدور حول المشكلة، ويبحث عن الحلقة الأضعف، إن كان لا بد من وجود أحد يتحمل هذه المسؤولية، فكان المحافظ الحالي أحمد الأنصاري، ومن حسن حظهم أنه ليس جنرالاً في الجيش أو الشرطة، وإن بدا أن هناك من يتبناه لدرجة أن يمكث محافظاً لسوهاج لمدة عام واحد لم تظهر فيه له كرامة، ثم ينتقل للفيوم، قبل تصعيده للجيزة، ولو كان قد فعل مرفوضاً بإزالة الأشجار في الفيوم، لما أمكن ترفيعه للجيزة، فالرجل ينفذ سياسة ليس هو منشئها، وربما كان يمنّي نفسه بالترفيع محافظاً للقاهرة، ومنها وزيراً للتنمية المحلية، إن لم يعين وزيراً بشكل مباشر!

بيد أنه، في هذه الحالة من الانهماك في السماح بما جرى، لم يعمل حساباً للمفاجآت، حيث اعتمدت في شأنه ثقافة "شيل القضية"، فيحملها نيابة عن "اللهو الخفي"، الذي يقوم بهذا العدوان على الأشجار، دون أن يفصح عن نفسه أو يشرح سياسته، فيبدو البلد كما لو كان قد وقع تحت الاحتلال، على نحو ذكرنا بمن فعلوها من قبل!

فمذبحة الأشجار تذكر بالحملة الفرنسية على مصر، عندما قامت بهذه الجريمة لاستخدام الأخشاب كوقود وللتحصينات، وكانت المذبحة الثانية في عهد محمد علي باشا عام 1805، لهدف نبيل هو بناء الأسطول البحري وصناعة البارود، فما هي أهداف القوم اليوم؟!

الوزيرة بعد الغيبوبة:

لقد اختفت الوزيرة المختصة منال عوض، ثم ظهرت تنظر للجريمة ببلاهة بعد مرور أكثر من شهر على بداية ارتكابها، وبعد أن جُرف الشارع المعروف تماماً من الأشجار. وفي اجتماع مع الهيئة الهندسية طلبت حصر الأشجار التي تم قطعها وزراعتها بأعداد مضاعفة، وأعلنت في حسم: لن نتهاون مع قطع الأشجار أو التقليم الجائر لها!

وبدت كما لو كانت تخاطب قوى غازية هي التي قامت بذلك، وكل جريمة تعلق في رقبة الإخوان، فلم يبق سوى أن تخاطبهم باعتبارهم من فعلوها، فأكدت أنها لن تتهاون، مع أن من فعلها كان يجلس في حضرتها، ومنذ الأيام الأولى للمذبحة تم الإعلان عن أن من يتولى "مقاولة" شارع جامعة الدول العربية هي الهيئة الهندسية، قبل أن يختفي هذا وينطلق الجميع يحاربون طواحين الهواء!

ولعل هذا التحرك لوزيرة التنمية المحلية بعد خراب مالطا هو الذي جعل النخبة المتهالكة تستشعر أن الطريق مفتوح لتسجيل المواقف، فأمسكت في المحافظ الطبيب، وفي الوزيرة، التي هي للعلم طبيبة بيطرية، تبنتها المرحلة فعينتها محافظة لدمياط، ثم نفخت فيها من روحها واختارتها وزيرة، وهي مع هذا تظل، ومعها المحافظ، الحلقة الأضعف. وقد تحدثت النخبة، فلم تذكر الهيئة التي قامت بهذه العملية، وتقدم المحامي ببلاغ ضد الوزيرة، وظهرت واحدة من نواب المرحلة (أميرة العادلي) في برنامج عمرو أديب، لتخبره أنها تواصلت مع كل الجهات، وأنهم قالوا لها إن هناك موافقة تمت، وتراخيص بناء طلعت، وأناساً دفعت فلوساً وبدأت العمل، وأنهم لن يستطيعوا وقف قطع الأشجار!

فهل لا تزال الجريمة مستمرة رغم هذه الضجة؟ ومن هي "كل الجهات" التي تواصلت معها؟ وما هي حدود التراخيص التي صدرت، والفلوس التي دفعت؟ وما هي الجهة التي أصدرتها، والجهة التي دفعت فلوساً، ودفعتها لمن؟ وهل هذه التراخيص صدرت باقتلاع الأشجار، وأن الأموال التي دفعها مجهول للهُو الخفي هي لهذا الهدف؟!

نموذج الوزيرة والنائبة:

إن ما شاهدناه هو قطع للأشجار، ومما يتردد على استحياء في مثل هذه الحالات أن الهدف هو توسعة الحارات المرورية، لكن ها هي نائبة المرحلة في برلمانات الأنابيب، تتحدث عن بناء، وهو كلام يرجح ما نُشر في تعليقات لمجهولين، بأن الهدف من ذلك هو بناء محلات، وهو شارع حي ومقصد للسياح العرب، والسياسة المعتمدة هي منافسة السلطة الناسَ في أرزاقهم، من أول الاستثمار في التعليم (جامعات ومدارس)، إلى الاستثمار في محلات البقالة لتأجيرها، أو القيام عليها بواسطة العمالة الرخيصة، فأي بناء تقصد النائبة الموقرة أميرة العادلي؟.. سيبنون السد العالي في شارع جامعة الدول العربية؟!

عندما أنظر إلى نموذج الوزيرة والنائبة، ينتابني شعور بأننا أمام عداء للمرأة يستخدم أدوات مختلفة لتحقيق أهدافه، فهذه الخيارات بائسة بؤساً يظهر المرأة وكأنها لا تصلح للعمل العام، والأمر نفسه يسري على الموقف من الشباب، والنماذج التي قدموها هي خصم من فكرة تمكين الشباب!

عندما أنظر إلى نموذج الوزيرة والنائبة، ينتابني شعور بأننا أمام عداء للمرأة يستخدم أدوات مختلفة لتحقيق أهدافه، فهذه الخيارات بائسة بؤساً يظهر المرأة وكأنها لا تصلح للعمل العام، والأمر نفسه يسري على الموقف من الشباب، والنماذج التي قدموها هي خصم من فكرة تمكين الشباب!

ما علينا، فمع سياسة قطع الأشجار في سنة 2019، ونظراً لأنه لا يوجد مسؤول يبرر لنا هذا العدوان، فقد اجتهدتُ، وكان من بين ما توصلتُ إليه، استنتاجاً، أن ذلك قد يعود إلى تخريب المناطق الراقية، وقد بدأت الحملة بشوارع مصر الجديدة، لتكون العاصمة الإدارية الجديدة هي الأفضل، وقد يدفع هذا إلى النزوح إليها، كما كان لدي شعور بأن القوم، ولخلفيتهم العسكرية، لديهم تصالح مع اللون الأصفر، وقد يكون هو اللون المفضل نظراً للتعود عليه، فرأوا أن يشاركهم المجتمع المدني هذا الجو الملهِم للإبداع!

وكان الأمر الثالث ربما تحسباً لأزمة محتملة في المياه بعد بناء سد النهضة، فكان القرار بالتخلص من هذه الأشجار، لكن حدث الآن أن أعلنت وزيرة التنمية المحلية أنها وجهت بحصر الأشجار التي تم قطعها في شارع جامعة الدول العربية وزراعتها بأعداد مضاعفة، ومن جانبه أطلق رئيس الدولة مبادرة تخضير القاهرة، وتحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء!

المعادلة البسيطة:

وهذا الموقف الحكومي هو الذي فتح الباب للنخبة المتهالكة لأن تعترض على ما جرى، ويكون الاعتراض في برامج تلفزيونية، وفي الوقت نفسه فإن إعادة الزراعة ومبادرة تخضير القاهرة تنفيان فكرة أزمة المياه، لأن هذه الأشجار القديمة تعيش على المياه الجوفية، وما تجود به الطبيعة من أمطار، وليست بحاجة إلى مياه يقدمها لها البشر، عكس الأشجار الجديدة، فهل يجهل القوم هذه المعادلة البسيطة؟!

ليس خافياً على أحد أن الأوضاع اختلفت في 2026 عنها في 2019، فلم يستطع المسؤولون أن يتجاهلوا الرفض الشعبي لهذه السياسة غير المبررة، فتراجعوا، كما حدث التراجع عن فكرة التفريط في قناة السويس، والتخلص من شركة مصر للطيران، وعندما تتراجع السلطة على غير عادتها، تسعى النخبة المتهالكة لتسجيل موقف في ميدان النضال المجاني!

عندما قرأت أنه وقع الاختيار بالإجماع على استضافة مصر للدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، قلت: هي إذن نكتة جديدة!

من فعلها بأشجارنا؟!

x.com/selimazouz1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)