لن
أقوم بدور الواعظ، وأقول إن كل ما اتُهم به حكم الرئيس محمد مرسي بالباطل كان من
نصيبهم بالحق، وكم من قبور تُبنى وما تُبنا، وكم من مريض عُدنا وما عُدنا، وكم من
ملك رفعت له علامات فلمّا علا مات!
هذا
الاستدعاء لما جرى في سنة حكم مرسي، ويخص
قناة السويس، هو لهدف آخر غير الوعظ
والإرشاد: فلا تسخر من أخيك فينجيه الله ويبتليك!
فعندما
دعا مستشار الحكومة
المصرية حسن هيكل (صفة أكدتها مواقع موالية للنظام)، إلى
مبادرته بمقايضة
الديون الداخلية بقناة السويس، أسوة بتسوية ديون الهيئة الوطنية
للإعلام، نتذكر أن بيع القناة أو تأجيرها كان من الدعاية السوداء ضد حكم الإخوان
والرئيس محمد مرسي، وإذ تجاهلناها فقد ذكّرنا بها أحد سدنة جبهة الإنقاذ، ممدوح
حمزة، عندما قال إنه عندما قرأ أن الإخوان في طريقهم لبيع القناة أو تأجيرها لقطر،
كان موقفه ضرورة إسقاط حكمهم!
وإن
عاد حمزة وحذف هذا المنشور بعد أن كشف للناس تهافت نخبة الثورة ورداءتها، فإن هذا
الحذف لن يغير من طبيعة الأمر شيئاً، فالرجل يقول إنه قرأ، فلم يبذل جهداً في
البحث والتحري للتأكد من صحة اتهام ضخم كهذا، سيترتب عليه موقف جذري كالذي اتخذه
وغيره، وكان سبباً في إدخال كل زناة الليل لغرفة ثورتنا الشهيدة؛ يرحمها الله.
الأمر يتجاوز فكرة المبادرة الشخصية!فالدستور يلزم بالمحافظة على قناة السويس وتنميتها، وعندما نتلمس قرائن الاتهام بالخيانة العظمى في سياق آخر، نجدها تتمثل في عدد من الأفعال، على رأسها انتهاك أحكام الدستور. فما الذي رمى القوم على المرّ؟ إنه، ولا شك، الأمرّ منه!
فالاتهام،
كما كان مصدره إعلام الثورة المضادة ورجالها، فقد خرج أيضاً من اجتماعات جبهة
الإنقاذ، وقد اهتمت الرئاسة حينذاك ونفته، ولو كانت النوايا حسنة فعلاً لكان هذا
النفي دافعاً للبحث عن الحقيقة وليس التسليم بصحة الاتهام، لكن بعدت عليهم الشقة،
وهم ليسوا موضوعنا في هذا المقال!
الباب
الذي دخل منه الشيطان:
كان
برنامج الرئيس محمد مرسي يتضمن تنمية إقليم قناة السويس، وهي فكرة طرحت في
السبعينات، وتضمنتها برامج عدد من المرشحين الرئاسيين، وقد قرأتها في البرنامج
الانتخابي لعمرو موسى، مع اختلاف بطبيعة الحال في التفاصيل، وقد كان هذا الباب
الذي دخل منه الشيطان الرجيم؛ فقد قيل إن الجماعة بصدد بيع القناة أو تأجيرها
لدولة قطر!
وكانت
هذه الدعاية السوداء تنطلق من الإدراك بأهمية القناة بالنسبة للمصريين، وما تمثله
من قيمة وطنية، ولهذا فقد فكر فيها النظام الحالي في بدايته كمشروع وطني، من خلال
ما أطلق عليه قناة جديدة. ورغم عدم جدواه، ورغم ما أنفق عليه من أموال تسببت في
أزمات كبيرة، فإنه كان دعاية له، وجاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد ذلك ليعترف
بعدم الجدوى الاقتصادية للمشروع، فقد كان الهدف منه رفع معنويات المصريين، ولا
ننكر أن هذا تحقق لفترة من الزمن لدى كثير من العامة!
والأمر،
بدوافعه الحقيقية أو المتخيلة، بجانب استخدامه موضوعاً للحرب على حكم الرئيس محمد
مرسي، دليل على مكانة قناة السويس في وجدان المصريين، الذين أيدوا قرار عبد الناصر
بتأميمها، مع ما ترتب على ذلك من أخطار أخصها العدوان الثلاثي على مصر!
وعندما
يأتي أحد مستشاري الحكومة المصرية (بحسب إعلام الموالاة)، حسن هيكل، ويطلق مبادرته
بمقايضة الديون بقناة السويس، في مسألة تتصل بصميم الوطنية المصرية، وليس مجرد
مشروع تختلف الآراء حوله على قواعد الجدوى الاقتصادية، ولو كانت النتيجة مخاطر
يتعذر تداركها، فالأمر يتجاوز فكرة المبادرة الشخصية!فالدستور
يلزم بالمحافظة على قناة السويس وتنميتها، وعندما نتلمس قرائن الاتهام بالخيانة
العظمى في سياق آخر، نجدها تتمثل في عدد من الأفعال، على رأسها انتهاك أحكام
الدستور. فما الذي رمى القوم على المرّ؟ إنه، ولا شك، الأمرّ منه!
خطورة
الموقف.. الحكومة على الخط:
لقد
استشعر مجلس الوزراء خطورة المبادرة بعد رد الفعل، والمذكور محسوب على الحكومة
بحسب (إعلام الموالاة)، فنهض المجلس، مع أنه لا يزال في العلمين يستمتع بجوها
الساحر، وأصدر بياناً يقول فيه إن هيكل يعبر عن نفسه، وليس عن الحكومة!
فالحكومة
تعاملت هنا وفق قاعدة: "الحرامي وشيلته"، وأعتقد أن الدراما المصرية في
عهدها الذهبي وفرت علينا شرح اللهجة المصرية وأمثالها، فلا تحتاج القاعدة إلى شرح
لغير المصريين، فأمام ردة الفعل العالية، أعلنت أنها مبادرة خاصة أطلقها المذكور
ولا شأن لها بها، فهل هي بالفعل بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب؟!
راعني
في الرد اعتراف الحكومة بأنه سبق أن خضعت الفكرة للدراسة والنقاش، قبل استبعادها
لاعتبارات السيادة والأمن القومي المصري، بجانب اعتبارات أخرى جاءت في البيان! ولك أن تعلم أن موضوعاً خطيراً
كهذا تمت مناقشته ودراسته من وراء الشعب، الذي لا يعرف متى حدث هذا، وما هي
الدوافع، وهل هي فكرة نابعة من الحكومة، أم جاءتها من خارجها؟!
والحال
كذلك، فمن الذي يدفع حسن هيكل، مستشار الحكومة (بحسب الإعلام الموالي)، إلى أن
يغرد منفرداً في أمر تمت دراسته؟ ومن المؤكد أنه إن كان جاهلاً بحدود الأمن
القومي، فقد سمع أن استبعاد الفكرة بعد النقاش والدراسة كان لاعتبارات السيادة
والأمن القومي، مع الوضع في الاعتبار أن بعض الآراء التي تتهمه بالبلاهة تتجنى
عليه، وقد منحته أستاذته في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، د. عالية المهدي، صك
براءة من هذا الاتهام، عندما قالت إنه كان من أنبه تلاميذها!
الحكومة بدأت تدرك أن الأوضاع لا تحتمل، فبادرت ببيان البراءة، فقد انتهت هذه المرحلة التي كان لها فيها ظهير شعبي، يجعلها تستقوي وتفرط في تيران وصنافير، رغم الاعتراضات الواسعة على ذلك. لقد علقت الاتهام في رقبة حسن هيكل
لقد
نفى حسن هيكل أن يكون مستشاراً للحكومة المصرية، وفي نفيه يكاد المريب أن يقول:
خذوني؛ ذلك أنه يتستر وراء المصطلح لينفي شبهة التعبير عن الحكومة، الأمر الذي لم
تنفه الحكومة نفسها، والرجل لم يكن مستشاراً بشكل صريح، فهو عضو معين في لجنة، هي
كيان يقوم بدور المستشار، وهي اللجنة الاقتصادية الكلية الاستشارية التابعة لمجلس
الوزراء، وجرى تعيينه في العام الماضي (2025). فما أعمال هذه اللجنة، إذا لم تكن
قد درست وناقشت مثل هذه الفكرة؟ وإذا كانت اللجنة ناقشتها، فما المبرر لتكرار ما
انتهت الحكومة إلى رفضه؟ فهل هيكل يقدح من رأسه؟!
السياق
يقول إنه يقوم بعملية استطلاع، تتماهى مع منطلقاته كرجل صفقات تجارية، له صلات
وظيفية في المجال خارج مصر، على نحو يجعل تعيينه عضواً في اللجنة الاقتصادية
الكلية الاستشارية التابعة لمجلس الوزراء المصري يندرج ضمن تضارب المصالح!
ارتكاب
الحرام الوطني:
فلا
أقر بأن الحكومة بعيدة عن الفكرة، وتكمن المشكلة في دوافعها لعملية لها اعتباراتها
السيادية والوطنية، وهو ما يوحي بأنها إزاء أزمة تجعلها تفكر في "الحرام
الوطني"، ودفعت هيكل نفسه، بعد بيان الحكومة، إلى أن يعدل عن اقتراحه، ويطالب
بمقايضة ممتلكات أخرى للدولة بالديون، وعلى طريقة الفنان فؤاد المهندس في مسرحية "سك
على بناتك": بلاها سوسو خد نادية!
الجديد
في الأمر أن الحكومة بدأت تدرك أن الأوضاع لا تحتمل، فبادرت ببيان البراءة، فقد
انتهت هذه المرحلة التي كان لها فيها ظهير شعبي، يجعلها تستقوي وتفرط في تيران
وصنافير، رغم الاعتراضات الواسعة على ذلك. لقد علقت الاتهام في رقبة حسن هيكل،
والحرامي وشيلته!
فليس
وحده..
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.