تونس.. المظاهرات وحدها لا تكفي!

سليم عزوز
"مع أهمية هذا الحراك وضرورة استمراره، فإن من الخطأ بمكان تصور أنه سيؤدي إلى النتيجة نفسها التي أدى إليها حراك الربيع العربي"- عربي21
"مع أهمية هذا الحراك وضرورة استمراره، فإن من الخطأ بمكان تصور أنه سيؤدي إلى النتيجة نفسها التي أدى إليها حراك الربيع العربي"- عربي21
شارك الخبر
تجرى الانتخابات في تونس، فيتصرف المصريون على أنهم هيئة الناخبين، فيقررون انتخاب المنصف المرزوقي، لا مرشح النهضة الشيخ عبد الفتاح مورو، وعندما لم يحالف الحظ مرشحهم، تنتشر نكتة مفادها أنه من الواضح أن المرزوقي لم ينتخبه سوى المصريين!

ويتحرك الشارع التونسي، فيشب المصريون على أطراف أصابعهم ليروا المظاهرات، ويسعدهم هذا الزخم الذي عاد للشارع بعد أن بدت الأوضاع وكأنها دانت للرئيس قيس سعيد، ويحدوهم الأمل في أن يتمكنوا من الإطاحة به، كما أطاحوا بالرئيس زين العابدين بن علي، الأمر الذي مثّل "فاتحة خير" عليهم، والثورة التونسية أوصلت رسالة للمصريين أنه قد يمكن بالحشد السلمي أن يسقطوا النظام المدجج بالسلاح، والقَرعة تتباهى بشعر بنت أختها!

التونسيون عادوا للشارع، في ذكرى الجمهورية، ثم ها هم يعودون مرة أخرى قبل أيام، وإذا بالأعداد كبيرة، وإذا بالحناجر أكثر إقداماً، رغم الإسراف في الاعتقالات، ورغم تمكن قيس سعيد من استمالة بعض عناصر القوة في الدولة، وهو أمر لم يكن قائماً في أيامه الأولى، لكن بدا من الواضح أن من حضروا المظاهرات من رجال الأمن كانت تتملكهم الخشية من سقوط النظام، فيحاسبون هم على المشاريب، وإذا نجحت الثورة هذه المرة فلن تكون في "كرم أخلاق" الثورة الأولى، فقد تعلم الشعب، ولن تعود الرعونة السياسية لتصدر المشهد من جديد، إذن يا موت منك لصاحبك!

التونسيون عادوا للشارع، في ذكرى الجمهورية، ثم ها هم يعودون مرة أخرى قبل أيام، وإذا بالأعداد كبيرة، وإذا بالحناجر أكثر إقداماً، رغم الإسراف في الاعتقالات، ورغم تمكن قيس سعيد من استمالة بعض عناصر القوة في الدولة، وهو أمر لم يكن قائماً في أيامه الأولى

تأتي العودة للشارع، وتونس أكثر بؤساً، والمعاناة من عدم توفر أبسط الاحتياجات اليومية، مع انقطاع الكهرباء، وندرة الوقود، وشح المياه، ويبدو الرئيس قيس سعيد يعيش في عالمه الخاص، في عزلة شعورية عن عالم الكائنات الحية، وهو عندما يلتقي بالمواطنين يبدو في حكم ناشط سياسي، لا يملك ربطاً ولا حلاً، وهو أرخص فاتورة انقلاب يمكن أن تدفع في التاريخ، فحتى حلفاؤه لم يقوموا بتعويمه، وإذا كان الرئيس الجزائري يتعامل على أنه ولي أمر المرحلة الجديدة، فلم يفض عليه مما رزقه الله، ولو توفرت الإرادة لحلت مشاكل تونس بسهولة، ولمُكن قيس سعيد من أن يكون له ظهير شعبي، من العامة الذين لا تشغلهم ديمقراطية أو سياسة، فقط هم يريدون أن يعيشوا في هدوء!

من الواضح أن الرعاة الرسميين للرئيس قيس سعيد على ثقة من استمراره بدون إرهاق ميزانية بلادهم، فتركوه يعيش مع نفسه، ويتحدث فيبدو كما لو كان وافداً من عالم ما وراء الطبيعة، فتسمع له فلا تعرف الدروس المستفادة مما يقول، فيكفي شعوره بأهمية ما يقول!

مربط الفرس.. لماذا يدعمون قيس سعيد؟

فهل ثقة الرعاة الرسميين في استمراره بدون كلفة في محلها؟!

هذا هو مربط الفرس، فلماذا يدفع الرعاة كثيراً أو قليلاً لحماية نظام الرئيس قيس سعيد، والرجل يؤدي المطلوب منه على خير وجه، ولماذا ينفقون من حر مالهم ونفطهم، إذا كانت النتيجة واحدة؟ ويبدو أنهم لا يلقون بالاً لزيادة مساحات الغضب، وقد عادت المظاهرات للشارع قوية، رغم الاعتقالات المجانية، والإسراف في عدد سنوات السجن، وهو سجن لما بعد الحياة، يوشك أن يصدر قانوناً بالتحفظ على جثمان الفقيد السجين للوفاء بسنوات محكوميته، فهل لا يقلق الرعاة من عودة المظاهرات؟!

مع أهمية هذا الحراك وضرورة استمراره، فإن من الخطأ بمكان تصور أنه سيؤدي إلى النتيجة نفسها التي أدى إليها حراك الربيع العربي.

الثورات العربية جاءت بعد سنوات طويلة من الاستقرار، وفي مصر كان لدى نظام الرئيس مبارك عقدة من مظاهرات الخبز في كانون الثاني/ يناير 1977، وقد رأى السادات يستعد للهروب لولا تدخل الجيش بقيادة عبد الغني الجمسي لفض هذه الانتفاضة، لذا فقد شهد عهده مظاهرات قليلة في بدايته، ثم تمكن بحكم الظروف من تجاوز فكرة مظاهرات الشارع تماماً.

ولهذا كان قلقه من الاحتلال الأمريكي للعراق من خروج المظاهرات، فلما حدث وخرجت، كان الطلب الرئاسي من رؤساء الأحزاب الرسمية النزول للشارع والالتحام بالمظاهرات، والترويج بأن الرئاسة منفتحة على أي مطالب، وكان معلوماً أن الهدف هو ضبط إيقاعها بهذا الوجود داخلها، والعمل على احتوائها فيما بعد، لكن الجهاز الأمني أثار الفزع في منطقة وسط القاهرة، وضرب المربوط على المقاهي ليخاف السائب، وتنفس بعدها الصعداء!

فلما جاءت مظاهرات يناير ارتج عليه، واعتبرها القاضية، وكان الحديث يبدو منطقياً من إعلامه، بأنهم قد يتركون المتظاهرين في ميدان التحرير ويبحثون عن طرق بديلة عنه، وفي لحظات بعينها كان يسيطر علينا الإحباط من معقولية هذا الحل، حتى بدأ الزحف للقصر الرئاسي في اليوم الأخير، بدافع اليأس من أن مظاهرات التحرير قد تمثل خطراً عليه!

وقد كان النظام، وهو يرى هذه الحشود، يصاب بالخوف، لعقدته القديمة من انتفاضة الخبز، ولأنه ظل سنوات طويلة لا يشاهد مثل هذه المظاهرات، وحتى المظاهرات في الأماكن المغلقة كانت تزعجه، وعندما حدث التظاهر لمشاركة إسرائيل في أحد المعارض، في بداية حكمه، كان القرار بعدم مشاركتها مرة أخرى، وعندما تظاهر طلاب جامعة الأزهر بسبب مقال نشرته جريدة "الشعب" للكاتب الدكتور محمد عباس ضد طباعة وزارة الثقافة لرواية "وليمة لأعشاب البحر"، انزعج أيما انزعاج، فكيف لجريدة أن تنجح في إخراج مظاهرة؟ وأغلق جريدة "الشعب"، وجمد الحزب الذي يصدرها، بالمخالفة لطبيعته، فكان يريد أن يحافظ على الدولة بكل تفاصيلها كما تسلمها من الرئيس السادات.

ولكم احتشدت دولته، من الوزير القوي في عهده يوسف والي إلى وزير الداخلية المقرب منه زكي بدر، لحل الحزب أو يسلموه والجريدة لآخرين، لكن ملف الأحزاب كان في يد مبارك، لا يريد أن يفرط في مكون استلمه من الرئيس السادات، لكنه فعل هذا بعد مظاهرات الأزهر!

وعندما بدأت المظاهرات على سلالم نقابة الصحفيين، كان يكفيه أنها وقفة هناك، لا تخرج للشارع، وإن حاول منعها وفشل، وعندما حدث الاعتداء من جانب الشبيحة على الصحفية نوال علي، رحمها الله، ونقلت الجزيرة المشهد بالصوت والصورة، وتلقى مبارك تبكيتاً من الرئيس الأمريكي، وكان الغضب يملأ القلوب، وكانت مظاهرة في الشارع بجوار ضريح سعد زغلول بمنطقة القصر العيني، وكان معلوماً عدم إمكانية تصدي الأمن لها، لأنها تحت سمع وبصر الرئيس الأمريكي، تم تفريغها مما يخيف بالاتفاق الأمني مع أضعف حلقة في حركة "كفاية"، وهو منسقها جورج إسحق، بأن تكون وقفة صامتة بالشموع!

قيس سعيد مختلفاً:
الرجل اختفى في يوم المظاهرات بدلاً من أن يطل على الناس مثبتاً ومندداً بهذا الزخم الجماهيري الأول من حيث أعداد المشاركين فيه منذ حل البرلمان، وأظنه تصرفاً نابعاً من شعوره بالأزمة، فلم يظهر لعدة أيام إلا في لقاءات بروتوكولية يبدو أنه تم تحديد موعدها من قبل، إلى أن شعر بالأمان، فذهب في جولات في بعض المناطق يصرح فيها بكلام غير مفهوم

فعندما خرجت المظاهرات بهذه الحشود في محافظات مصر الحية، كان من الطبيعي أن يتصدع نظام مبارك ويعتبرها القاضية، وشيء من هذا سبق في تونس، مع تفاصيل أخرى تخص المشهد في الخضراء، عجّلت برحيل الرئيس بن علي، وكان إلى وقت قريب يبدو مسيطراً على تونس، ولم يعد يسمع فيها لاغية!

الأمر يختلف الآن مع الرئيس قيس سعيد، فبجانب أن مشهد المظاهرات ليس غريباً عليه، فسماته الشخصية تجعله غير مستوعب لخطورتها، والرجل، مع احترامي لمقام الرئاسة، يبدو أنه لا يشاركنا العيش على هذا الكوكب.

إن الرجل اختفى في يوم المظاهرات بدلاً من أن يطل على الناس مثبتاً ومندداً بهذا الزخم الجماهيري الأول من حيث أعداد المشاركين فيه منذ حل البرلمان، وأظنه تصرفاً نابعاً من شعوره بالأزمة، فلم يظهر لعدة أيام إلا في لقاءات بروتوكولية يبدو أنه تم تحديد موعدها من قبل، إلى أن شعر بالأمان، فذهب في جولات في بعض المناطق يصرح فيها بكلام غير مفهوم، والمفهوم منه ينتقل به من رئاسة الدولة إلى مستوى الناشط السياسي الذي لا يملك إلا رفع مطالبه، لا نعرف في حالته لمن يرفعها.. لرؤساء البلديات؟ وهو يطب في المناطق في غيبة المسؤولين عنها، فالهدف هو اللقطة، والفذلكة الكلامية الفارغة، وطحن العبارات داخل فمه قبل أن يلقي بها في وجوه من أمامه!

ومع هذا الشعور بالأزمة التي أنتجت الغيبة الصغرى، فإن إسقاط قيس سعيد بذات الوسيلة التي أُسقط بها بن علي تبدو فكرة خيالية، وهذا لا يمنع من أهمية الدعوات للحشد الجماهيري المتكرر حتى لا يهنأ قيس والذين من خلفه بالمسروقات، مع التفكير في آليات أخرى، فلا يتحول الحراك إلى عمل روتيني، يتعايش معه النظام التونسي.. وبالمناسبة، هل من الجائز أن توصف الحالة التونسية الراهنة بالنظام؟ وهل من الجائز أن يُستدعى هتاف الثورة التونسية: "الشعب يريد إسقاط النظام"، ولا نعرف من النظام إلا شخص الرئيس في العلن، وأهل بيته في السر، فحتى رئيس الحكومة والوزراء إذا جاءوا لحضرته بدوا كما لو أنهم في حصة إملاء!

المظاهرات وحدها لا تكفي..

x.com/selimazouz1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)