عندما
قرأت عن تسوية ديون
ماسبيرو (مبنى الإذاعة والتلفزيون في
مصر)، كتبت أنها مؤامرة
تستهدف المبنى التاريخي، الذي يقع على كورنيش النيل، وتوقعت أن تمتد هذه السياسة
إلى المبنى المجاور له، وهو الخاص بمؤسسة دار المعارف الصحفية، لتشمل هذه السياسة
بعد ذلك مباني مؤسسات صحفية أخرى تقع في هذا المربع، أو المثلث، الذي يطلق عليه "مثلث
ماسبيرو"، حيث يضم مباني مؤسستي "الأهرام" و"أخبار اليوم"!
ولم
تمر سوى أيام معدودات على ما كتبت، حتى أكد المهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس
الهيئة الوطنية للصحافة، أن توقعي ليس من فراغ، حين أعلن أن الهيئة تدرس دمج دار
المعارف في مؤسسة أخرى، وقد نفى أن تكون روز اليوسف مستهدفة بالضم لدار التحرير،
وحسناً أنهم أعادوها لاسمها التاريخي "دار التحرير"، وكان رئيس المؤسسة
الأسبق سمير رجب قد قام بتغيير الاسم إلى "دار الجمهورية"!
أزمة
تأميم الصحافة وإشكالية المالك:
الهيئة
الوطنية للصحافة تمارس دور المالك على المؤسسات الصحفية القومية، التي تملكها
الدولة ملكية خاصة، وهي المؤسسات التي بدأت مملوكة لأفراد، ثم صدر قانون تنظيم
الصحافة لسنة 1960 وأخضعها لملكية الدولة، بيد أنه لم يسمها، فأول تسمية لها كانت
بقانون سلطة الصحافة في سنة 1980، وفيه تم إطلاق صفة "القومية" عليها.
وكان محمد حسنين هيكل مغرماً برونق المصطلحات، فأطلق على قانون التأميم "تنظيم
الصحافة"، مع أن "التأميم" كان سياسة أهل الحكم في ذلك الوقت،
وكانوا يعترفون به، ويطلقون أسماء في مجالات أخرى مثل "التأميم" و"المصادرات"،
بيد أن هذا الملف، الذي يقع ضمن الاختصاص الوظيفي للأستاذ، كان لا بد أن تلحق به
مسميات، وإن كانت طبيعية في وقتها فستكون على غير هذا النحو في قادم الأيام
والعهود!
جاء خلق جديد، أكثر جرأة وأقل إدراكاً لطبائع الأمور، وبدأت سياسة تدمير الصحافة القومية وإعلام الدولة، مع خلق البديل الذي هو إعلام الشركة المتحدة، وإهدار قيمة قوى مصر الناعمة، التي تتمثل في مؤسساتها الإعلامية المملوكة للدولة!
وقد
احتار النظام في من يمثل غطاء مقبولاً لممارسة المُلكية، التي يقوم بها الرئيس،
فأوكل الأمر إلى التنظيم السياسي الوحيد الذي يرأسه رئيس الدولة، من الاتحاد
القومي إلى الاتحاد الاشتراكي في عهد عبد الناصر، إلى مجلس الشورى في نهاية عهد
السادات، ومن سخريات القدر أن هذا الالتفاف توقف بقيام ثورة يناير/كانون الثاني،
فصارت الحكومة هي ممثل المالك في حكم المجلس العسكري، دون أن يستلفت هذا انتباه
الثوار، وأوكلت المهمة لنائب رئيس الوزراء الدكتور يحيى الجمل، وشاركته في هذا
الاختصاص الوظيفي سكرتيرته الحسناء، ثم انتقل الاختصاص من بعده لنائب رئيس الوزراء
علي السلمي!
ومن
المفارقات أن رئيس الحكومة عصام شرف كان قد تقدم باستقالته، ثم استدرك بعد تقديم
الاستقالة، وعيّن حرم وزير الإعلام أسامة هيكل رئيسة تحرير لمجلة "نصف الدنيا"،
وهو القرار الذي وصفته حينذاك بأنه تخلق في رحم البطلان، فصار هو والعدم سواء!
وفي
عهد الرئيس محمد مرسي عاد الاختصاص لمجلس الشورى، ولم يكن الوضع حسناً، لا سيما أن
رئيس المجلس الأسوأ في تاريخه، لم يعرف عنه انشغال بالصحف، أو مطالعة لها، ولو من
صفحة الوفيات، وكان هناك من يغرمون بقراءة هذا الباب، لا سيما الصفحات المخصصة لمن
رحلوا في جريدة "الأهرام"، وكانت السائدة: لم يمت من لم ينشر نعيه في
الأهرام!
سياسة
الدمج هكذا بدأت:
وقد
اهتدى دستور 2012، في عهد الرئيس محمد مرسي، إلى فكرة المؤسسات المستقلة التي تختص
بالإعلام، وهو ما أخذ به الدستور الحالي، وإن كان السابق أقر هيئتين، وأخذ الجديد
بفكرة الهيئات الثلاث، ومن بينها الهيئة الوطنية للصحافة، التي أناط بها مباشرة
دور المالك نيابة عن الدولة على المؤسسات الصحفية القومية، ويرأسها حالياً المهندس
عبد الصادق الشوربجي.
وإذ
نفى الشوربجي أن تكون هناك نية لدمج مؤسسة روز اليوسف في مؤسسة أخرى، فقد أرجع هذا
إلى تاريخها، وقد تم الاحتفال بمئويتها قبل قليل، لكنه وإن كان طبيعياً أن يعرف
تاريخ هذه المؤسسة، حيث تم تصعيده من مهندس بمطابعها إلى رئيس مجلس إدارتها لفترة
من الوقت في هذه المرحلة بدون مبرر موضوعي، فقد بدا أنه يجهل تاريخ دار المعارف،
وهي ليست مؤسسة صحفية حديثة! فقد تأسست كمطبعة في سنة 1890، ثم
تحولت للنشر في سنة 1910، وهي في موقعها الحالي منذ سنة 1950، وعندما تبدأ سياسة
التصفية بالتخلص منها، فإن هذا لا معنى لذلم إلا أن العين على المبنى الذي يطل على
نيل مصر، ولا يفصله عن مبنى ماسبيرو سوى عدد قليل من البنايات، وسوف يذهب المبنى
لصاحب القسمة والنصيب، ثم تكون الخطوة التالية هي مبنى التلفزيون، قبل الوصول
لمباني "أخبار اليوم" و"الأهرام"، ثم الانتقال لمبنى دار
التحرير، ليكون مبنى نقابة الصحفيين، والمحامين، ونادي القضاة، هو الجائزة الكبرى،
في سياسة إخلاء منطقة وسط البلد، ويقف المشتري على الأبواب، وهو لا يتوقف عن
التصريح بأنه يملك سياسة تطوير المنطقة لتكون في المستوى الحداثي لدبي!
وقد
بدأت سياسة الدمج في سنة 2009، بواسطة رئيس مجلس الشورى صفوت الشريف، بدمج مؤسسة
دار الشعب في دار التحرير، ومؤسسة دار التعاون في مؤسستي الأهرام وأخبار اليوم!
ولم
يكن اكتشافاً بالنسبة لي أن الحكومة عينها على المباني التاريخية للمؤسستين، وقد
قدرت إحدى السفارات الأجنبية أحدهما بمبلغ كبير، لكن لم يكن هناك من يجرؤ على ذلك،
وكان الدمج هو "حنجلة" ما قبل الرقص، وقد كتبت وقتئذ: إذا كان الهدف فعلاً
التطوير، لاشتمل الدمج على أملاك المؤسستين، لا العمالة والمطبوعات!
وقامت
الثورة، ولم يجرؤ صفوت الشريف على التقدم خطوة لتحقيق أهدافه، ثم جاء خلق جديد،
أكثر جرأة وأقل إدراكاً لطبائع الأمور، وبدأت سياسة تدمير الصحافة القومية وإعلام
الدولة، مع خلق البديل الذي هو إعلام الشركة المتحدة، وإهدار قيمة قوى مصر
الناعمة، التي تتمثل في مؤسساتها الإعلامية المملوكة للدولة!
وكانت
الدولة فيما مضى، وإن وضعت يدها عليها، فلم تدرها بمنطق محلات البقالة، عندما
يتدخل المالك، لمحدودية النشاط، في تفاصيل الإدارة، إن لم يدره هو بنفسه، فكان
هامش الحركة يسمح بقيامها بأدوار مهنية تعمل على أن تكون إعلاماً للدولة المصرية
بدرجة ما، وخط إنتاج لصناعة الصحفيين والإعلاميين، الذين قامت على عاتقهم الصحف
الحزبية والخاصة، والقنوات التلفزيونية المملوكة للأفراد، وقد ساهموا في انتشار
المدرسة الصحفية المصرية خارج الحدود، وكانوا كالغيث أينما وقع نفع!
قصة
الديون والفشل:
والمدخل
دائماً هو الديون، أو الفشل، والأخير كان باباً واسعاً تم على إثره وقف مطبوعات
تصدرها بعض المؤسسات، كما كان اللافت هو تحويل الصحف المصرية المسائية الثلاث إلى
مجرد مواقع على الإنترنت، بما في ذلك صحيفة "المساء" العريقة، ووقف
الإصدار الورقي لها، وتقول المعلومات إنها لم تكن فاشلة كما روج من أوقفوها!
إن
الحديث الممل عن نهاية زمن الورق لصالح النشر الإلكتروني يلزمه أن نسأل: وأي صحيفة
حققت نجاحاً عبر الإنترنت؟ لنقف على الحقيقة المرة، وهي أن المشكلة في المنتج لا
الوسيلة، وأن ضعف المادة التحريرية راجع إلى أن السلطة أعطت الخبز لغير خبازه، وأن
اختياراتها البائسة هي التي قادت إلى هذا الفشل، حتى صار التوصل لاسم رئيس تحرير
لصحيفة ما من جانب متخصص يحتاج إلى الاستعانة بصديق، هو الذكاء الاصطناعي، ففي
عالم البشر؛ ما المسؤول عن ذلك بأعلم من السائل!
وهذا
يقودنا إلى حقيقة توريط هذه المؤسسات في الديون، كما يفعل صندوق النقد الدولي مع
مصر بشكل عام، وقد بدأت الديون لحاجة الأنظمة السابقة لهذا الإعلام، دون أن تكون
النوايا سيئة، وقد كان مصطفى كمال حلمي، رئيس مجلس الشورى السابق، يهوّن على مؤسسة
دار التعاون، التي يدعمها شهرياً برواتب العاملين فيها، بأن عليهم ألا يكونوا في
حرج، فإن هذا المبلغ بكامله أقل من نثريات مكتب أي وزير!فلما
جاء صفوت الشريف اختلفت زاوية النظر، فهذا العجز من جانب المؤسسة يستدعي دمجها في
مؤسسات أخرى، وإسقاط صفة الشخصية الاعتبارية عنها، والآن تطبق السياسة نفسها!
هذا يقودنا إلى حقيقة توريط هذه المؤسسات في الديون، كما يفعل صندوق النقد الدولي مع مصر بشكل عام، وقد بدأت الديون لحاجة الأنظمة السابقة لهذا الإعلام، دون أن تكون النوايا سيئة
وعلى
السلطة أن تتحمل هذه الديون، وتعطي دورات في تعليم الفشل، فكيف تتحول مؤسسة
الأهرام، التي كان خيرها على مؤسسات الدولة، ومن بيت الرئيس مبارك إلى النائب
العام، فيما سمي برشاوى الأهرام، إلى مؤسسة فاشلة في عهد السلطة الحالية؟ وكيف
ينهار التوزيع بعد سنة 2013 بهذا الشكل المروع، وتفقد الصحافة المصرية بريقها، في
حين أن السلطة نفسها تحجب مواقع خارجية وتمنع تداول صحف تصدر من الخارج في الأراضي
المصرية، على نحو كاشف عن تأثيرها؟! فلم تمت الصحافة، ولم يتوقف الناس عن القراءة.
وكيف
يمكن لمؤسسات صحفية وإعلامية أن يتوقف فيها التعيين على مدى عشر سنوات أن تنهض،
وأن تنتقل الخبرات وتتواصل الأجيال، وهو من مهام الهيئة الوطنية للصحافة التي
يرأسها المهندس عبد الصادق الشوربجي؟!
ولعل
رشاوى الأهرام تعيد التذكير بسؤال منطقي، وقد استردت هذه الرشاوى، كما استردت
أموال حصل عليها البعض في مؤسسات صحفية قومية أخرى، والأمر بدأ من بعد الثورة، فهل
أُرسلت هذه الأموال إلى المؤسسات؟
وعندما
نعلم أن جانباً من الامتيازات الإعلانية والرياضية التي كانت من نصيب وكالة
الإعلانات بالأهرام لم يعد لها، فمن المسؤول عن ذلك، وقد أنشأت "الجمهورية
الجديدة" شركتها التي انتزعت هذه الحقوق التاريخية، خروجاً على قواعد
المنافسة؟ فمن المسؤول عن عملية التدمير هذه، و"الجمهورية الجديدة"
تنافس الصحف في الإعلانات، والقطاع الخاص في المدارس والجامعات، وشركات المقاولات
في أعمالها، ولا يوجد مجال لم تمارسه بسلطانها سوى صالونات الحلاقة؟
دار
المعارف وما تملك:
ومَن
فشل يتحمل سياسات فشله، وفشل الصحف القومية هو مسؤولية السلطة، ولا يجوز أن يكون
هذا هو المدخل لبدء عملية الدمج تمهيداً لشحنها لمثواها الأخير، ولا تنس أن دار
المعارف ليست فقط مبنى على كورنيش النيل، ولكنها تملك مكتبات في جميع أنحاء
الجمهورية (22 مكتبة)، بعضها في مناطق تباع فيها الأراضي والمباني بالشبر لا
بالمتر.
إذا
كان القوم قدرنا، فالخوف هو أنهم عندما تتغير الأحوال، ألا يكون هناك في مصر حجر
على حجر، وشيء من مؤسسات القوة الناعمة لديها يمكن البناء عليه بعد إزالة آثار
العدوان عنه، وتصبح الصحافة مثلاً في ذمة الله.
هل
نصلي عليها صلاة الجنازة؟!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.