الشعب يريد.. فماذا يريد الشعب؟ تعديل الدستور أم دستور جديد؟!

سليم عزوز
"ذكّرنا أحدهم بما فعله الرئيس جمال عبد الناصر عندما رضخ لإرادة الجماهير، وعاد للحكم"- جيتي
"ذكّرنا أحدهم بما فعله الرئيس جمال عبد الناصر عندما رضخ لإرادة الجماهير، وعاد للحكم"- جيتي
شارك الخبر
لو أقسم أهل الحكم في مصر على الماء فتجمد، ولو رآهم الناس يطيرون في الهواء ويمشون على الماء، بما يعني تحقق شروط الولاية فيهم، ثم قالوا إنهم لا شأن لهم بمناحة الأذرع الإعلامية الرافضة لقرار الرئيس بعدم المساس بالدستور، فلن يصدقهم أحد إلا واحد، أزعم أنني هذا الواحد، الذي قد يصدقهم مع الكراهة!

فهؤلاء الإعلاميون هم أصحاب مصلحة في استمرار الرئيس الحالي، لأن هذا هو الضامن لاستمرارهم في موقع الصدارة، ولم يكن لهم أن يتخطوا الرقاب، ويتصدروا المشهد إلا في هذا العهد، مع أنهم صاروا عبئاً على الحاكم، وبدلاً من أن يتحملوا أوزاره ويدافعوا عنه، صار عليه أن يتحمل أوزارهم، وعندما يتم الإمساك بأحدهم متلبساً بجهله، فهذا يسحب من رصيد النظام، وهو سحب على المكشوف!

بيد أن ما يجعلني أصدق مع الكراهة أن هذا الدفاع عن استمرار الرئيس في الحكم، رغماً عن الدستور الذي أقسم على احترامه، يجد قبولاً عند أطرافاً في السلطة، أنه لا يمكن تصور أن كلاماً في المسائل الكبرى يمكن أن يصدر بدون موافقة، مع إعلام جرى تأميمه بالكامل، ووجود هؤلاء في الاستوديوهات إلى الآن هو من ثمار هذا التأميم!

وعندما أقدم النظام على تعديل الدستور في 2019، لم يستضف أصحاب الرأي الآخر الذين يقولون بعكس إرادة السلطة، فلماذا تبدو الآن الأذرع الإعلامية كما لو كانت متمردة وضد رغبة أهل الحكم، والتعامل مع الدستور، الذي به تتميز الدولة الحديثة، كما لو كان عهناً منفوشاً لا قيمة له، ولا يتوجب احترامه، وهم الذين يعيدون ويزيدون ولا يملون من ذكر كلمة "الدولة"، قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، حتى يخيّل لنا أنهم سيطلبون أن تُعبد من دون الله؟ لكنهم يشيعون الآن أن الرئيس فوق الدولة، ومع هذا لا يتم وقف هذه الفوضى!

لا أعرف كيف أمكن لهؤلاء الإعلاميين قياس إرادة الشعب، ومن ثم قرروا ذلك، والأصل أن الرئيس أدرى بحاله، والرجل لم يخبرنا، وهو يعلن أنه لا مساس بالدستور وأنه لن يبقى بعد انتهاء ولايته في 2030، أن لديه مشروعاً لم يكتمل!

يؤكد إعلاميو المرحلة أن الشعب يريد استمرار الرئيس، ليكمل مشروعه، دون أن يطلعونا على هذا المشروع لنعرف ما أُنجز منه، وما يحتاج إلى إنجاز، لكي نقدر عدد السنوات المطلوبة، فهذا الكلام قيل في الدعاية للولاية الثانية في 2018، والمدهش أنه بعد اثني عشر عاماً من ذلك (2030) لم يكتمل المشروع، فما هو المشروع الذي لا تكفي ستة عشر عاماً للانتهاء منه (2014-2030)؟!

لا أعرف كيف أمكن لهؤلاء الإعلاميين قياس إرادة الشعب، ومن ثم قرروا ذلك، والأصل أن الرئيس أدرى بحاله، والرجل لم يخبرنا، وهو يعلن أنه لا مساس بالدستور وأنه لن يبقى بعد انتهاء ولايته في 2030، أن لديه مشروعاً لم يكتمل!

الشعب يريد.. ماذا يريد الشعب؟!

اللافت أن أحدهم قال إن الشعب يريد تعديل الدستور، وأن هناك رغبة شعبية هائلة لذلك، في حين أن آخر قال إن الشعب يريد دستوراً جديداً، وهذا يشكك في تعبيرهم عن الشعب، فما الذي يريده على وجه الدقة؛ تعديل الدستور، أم دستوراً جديداً؟ فهذا أمر ينبغي لهما حسمه معاً قبل التعبير عن إرادة الشعب!

وقد ذكّرنا أحدهم بما فعله الرئيس جمال عبد الناصر عندما رضخ لإرادة الجماهير، وعاد للحكم بعد ضغطها، وكان قد أعلن التنحي وقد تحمل هزيمة 1967، وهو قياس مع الفارق، فعبد الناصر لم يعلن التنحي لانتهاء مدة ولايته تنفيذاً لأحكام الدستور، فقد كان في لحظة انكسار بعد هزيمة نكراء، لم يقبلها الشعب، وكان الخروج في جانب كبير منه عفوياً، تماماً كما كان في جانب منه مرتباً من قبل التنظيم السياسي الأوحد في البلاد، ومع ذلك فإن كثيرين يصفون ما جرى بالكامل بأنه تمثيلية، ويرون ذلك من الأخطاء، فالمسؤول عن الهزيمة كان ينبغي أن يحاكم لا أن يكرم بهذا الخروج الشعبي الهائل!

ومصر الآن لا تتعرض لهزيمة من أعدائها، دفعت الرئيس السيسي للتنحي، فليس هناك تنحّ عن الحكم، ولكنه يتحدث عن نهاية فترة حكمه دستورياً! وإذا أرادوا استدعاء تجربة عبد الناصر، فقد كان من الأوقع أن تخرج الجماهير لحظة الإعلان عن عدم المساس بالدستور، كما خرجت بعد إعلان التنحي، وأن تملأ الشوارع كما ملأتها، وأن تكون أضعاف الذين خرجوا في يوم التنحي، لزيادة عدد السكان، لا أن يقوم الإعلاميون بالشحن والتسخين، والتفكير في هندسة الحشد الجماهيري، الذي لم يخرج بشكل عفوي كما فعل مع عبد الناصر، فهذه تجربة غير قابلة للقياس.

المصالح الضيقة وهدم الدولة:

وعلى كل، فالذين يحرضون على جريمة مخالفة الدستور، تدفع بهم مصالحهم الضيقة إلى هدم الدولة، لأن تعديل الدستور أو تغييره سيسقط كثيراً من المؤسسات التي أقسمت على احترامه، فهو الدستور الذي أقسم الرئيس ونواب البرلمان، ورؤساء الهيئات القضائية، ورؤساء الهيئات الإعلامية الثلاث وأعضاؤها، والحكومة، وغير ذلك، على احترامه، بل سيضع المسار الحالي كله في مهب الريح، وسيعصف بفكرة الدولة من أساسها، وسيضع الشعب نفسه في حكم فاقد الأهلية!

إن المادة 226 من الدستور تحظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، وهي مادة مستحدثة في دستور 2014، وهي ثمرة هذا الدستور، فلم يضع دستور 2012 في عهد الرئيس محمد مرسي هذه العقبة، وقد استُفتي الشعب على دستور المرحلة ووافق عليه بما فيه هذه المادة، ثم جدد الموقف منها بعد ذلك في تعديل 2019، وهنا نكون أمام أمر من اثنين: إما أن الاستفتاء في المرتين لم يكن تعبيراً عن الإرادة الشعبية، وأنه مزور، وإما الطعن في قدرة الشعب على الحكم، فيوافق على مادة مرتين، ثم يرى بعد سنوات قليلة أنه أخطأ!

إن تعديل الدستور يتم بطلب من رئيس الجمهورية، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، بتعديل مادة أو أكثر، على أن يوافق على ذلك ثلثا أعضاء المجلس، ثم يعرض على الاستفتاء الشعبي!

وطلب تعديل الدستور سيصطدم بعقبة وضعتها المادة نفسها، حيث "لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية.. ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات".

فإذا قالوا: وكيف أمكن التعديل في 2019، بما مكن الرئيس السيسي من البقاء حتى 2030، وكانت ولايته ستنتهي بعد الدورة الثانية في 2022؟ فالرد على هذا أن الاجتهاد الذي قيل إن المانع الدستوري يخص عدد الدورات، فلا يجوز للرئيس أن يبقى في موقعه لأكثر من دورتين، وأن الحظر لا ينسحب على عدد سنوات كل دورة، لترتفع من أربع سنوات في دستور 2014 إلى ست سنوات في تعديلات 2019، والمطلوب الآن هو فتح المدد لتكون ثلاثاً أو بدون حد أقصى، وهذا النص الدستوري يقف حائلاً دون التعديل!

الدستور الذي أقسم الرئيس على احترامه، كما أقسم أعضاء مجلس النواب على ذلك، وتم انتخابهم تحت شرعيته وبمقتضى نصوصه، لم يمنح الرئيس ولا مجلس النواب أي صلاحيات لوضع دستور جديد، فالصلاحيات هي في تعديل مادة أو أكثر في الدستور الحالي، وفق الإجراءات التي سبقت الإشارة إليها

لهذا، كان الحديث عن دستور جديد هو أكثر وجاهة، فلا يجوز تعديل الدستور الحالي فيما له صلة بمدد الرئاسة، مع وجود هذا المانع الدستوري!وهم ربما لا يدركون أنهم أمام معنى الاستحالة، وقد تمثل بشراً سوياً من لحم ودم، فما هي الجهة التي من صلاحياتها الدعوة لدستور جديد، وتشكيل هيئة تأسيسية.. البرلمان؟ أم الرئيس؟ أم هما معاً؟!

إن الدستور الذي أقسم الرئيس على احترامه، كما أقسم أعضاء مجلس النواب على ذلك، وتم انتخابهم تحت شرعيته وبمقتضى نصوصه، لم يمنح الرئيس ولا مجلس النواب أي صلاحيات لوضع دستور جديد، فالصلاحيات هي في تعديل مادة أو أكثر في الدستور الحالي، وفق الإجراءات التي سبقت الإشارة إليها!

دساتير مصر السابقة بين المؤقت والدائم:

وهذا يعيدنا إلى تجربة مصر مع الدساتير الجديدة، فدستور 1971، وهو دستور جديد، استند إلى أن دستور 1964 مؤقت، كما نص على ذلك، والذي نص كذلك على "يُعمل بأحكام هذا الدستور المؤقت إلى أن يفرغ مجلس الأمة من وضع مشروع الدستور الدائم، ويعرض على الشعب لاستفتائه فيه".

وكان هذا الدستور المؤقت واحداً من ثلاثة دساتير تم النص على أنها مؤقتة، بجانب أكثر من إعلان دستوري، وهي إجراءات تلت قيام الانقلاب العسكري، أو ثورة يوليو/تموز 1952، ومن عادة الثورات أن توقف العمل بالدستور القائم، وقد كان ذلك لازماً لانتقال الحكم من الملكية إلى الجمهورية!

فكل ما حدث لإقرار دستور دائم، كان إعمالاً لصلاحيات وردت في دستور مؤقت هو نتاج ثورة أو انقلاب، وهو خروج على النظام القائم وعلى دستور البلاد والقوانين، ولهذا فإن الثورات إذا فشلت فإن الثوار يدانون بموجب القوانين القائمة والقضاء الدائم!

وعندما عدل الرئيس السادات الدستور في سنة 1980، ففتح المدتين إلى مدد رئاسية، لم يكن هناك نص دستوري يمنعه كما في الدستور الحالي، الذي لا يمكن في إطاره فتح باب المدد لثلاث أو مدى الحياة، فسلطة الرئيس في طلب الاستفتاء، سواء على تعديل الدستور أو دستور جديد، مقيدة بما لا يخالف أحكام هذا الدستور، بنص المادة 157 من الدستور الحالي.

فلا حل في ظل الدستور القائم، والحل هو في دستور جديد، يلزمه قرار بوقف العمل بالدستور الحالي، وفي السوابق التاريخية متى يُتخذ مثل هذا القرار؟!

لا أدري.. ومن قال لا أدري فقد أفتى!

x.com/selimazouz1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)