كنت أفكر هذه الأيام في أن أكتب عن مهرجان
مولاي إدريس في المغرب، عن تلك اللحظة التي يستعيد فيها التاريخ حضوره بين الناس،
وحين تتحول سيرة الرجال من صفحات في الكتب إلى ذاكرة حيّة تتناقلها الأجيال. كنت
أريد أن أتوقف عند معنى الوفاء للرجال الذين تركوا أثراً في حياة شعوبهم، وكيف
تحفظ الأمم أسماء من أسهموا في تشكيل ذاكرتها، فتكرمهم بعد رحيلهم، وتستعيد سيرهم
لا بحثاً عن العصمة، وإنما اعترافاً بالأثر.
لكنني عدلت عن ذلك. فقد تعالت في الأيام الأخيرة التحذيرات بشأن الوضع الصحي
لواحدة من قامات
تونس السياسية والفكرية،
راشد الغنوشي، ولم يعد ممكناً بالنسبة
إليّ أن أكتب عن تكريم الذاكرة في المغرب، بينما أخشى أن تكون تونس على موعد مع
فصل مؤلم من تاريخها.
هناك لحظات يتقدم فيها الإنسان على الموضوع،
ويتقدم القلق على الكتابة، ويصبح الصمت نوعاً من التخلي عن واجب لا يجوز التخلي
عنه.
ولهذا أكتب اليوم عن الغنوشي.
لا أريد أن أفتح هنا دفاتر الخصومات
السياسية، ولا أن أعيد محاكمة الرجل في المقالات، ولا أن أعدد ما يقال في حقه أو
ما يقال دفاعاً عنه. فذلك شأن آخر، ومقام آخر. أريد أن أقول شيئاً أكثر بساطة وأعمق دلالة: إن مكان راشد الغنوشي، بعد هذه السيرة الطويلة، ليس
السجن.
مهما اختلف الناس حول الرجل، فإن إبقاء شيخ في الخامسة والثمانين خلف القضبان، وفي ظروف صحية مقلقة، ليس مجرد إجراء سياسي. إنه، في تقديري، خطيئة كبرى في حق تونس وذاكرتها وتاريخها.
ومهما اختلف الناس حول الرجل، فإن إبقاء شيخ
في الخامسة والثمانين خلف القضبان، وفي ظروف صحية مقلقة، ليس مجرد إجراء سياسي. إنه، في تقديري، خطيئة كبرى في حق تونس وذاكرتها
وتاريخها.
الغنوشي ليس اسماً طارئاً على الحياة العامة، هو رجل أمضى أكثر من نصف قرن في الفكر
والسياسة، وعاش السجن والمنفى والملاحقة، وكتب وجادل وناظر، ثم عاد إلى بلاده بعد
الثورة ليصبح واحداً من أبرز وجوه التجربة السياسية التونسية. كان أحد الذين حملوا سؤال الإسلام والديمقراطية إلى قلب
النقاش العربي والعالمي، وخاض معركة فكرية وسياسية طويلة حول إمكان التوفيق بين
المرجعية الإسلامية والدولة المدنية والتعددية السياسية.
وقد اختلف معه كثيرون، وربما اختلفوا معه
بشدة. لكن الاختلاف
لا يلغي المكانة. والخصومة لا
تمحو السيرة. والسياسة،
مهما قست، لا ينبغي أن تجعلنا عمياناً عن قيمة الرجال.
لقد رأينا في تاريخ الأمم كيف تعاملت الشعوب
مع كبار رجالها حتى حين اختلفت معهم. فالتاريخ
البريطاني، مثلاً، لم يختزل ونستون تشرشل في كل أخطائه وخياراته، وإنما حفظ له
موقعه في اللحظة التي رأى فيها أنه أدى دوراً حاسماً في تاريخ بلاده. وفرنسا، بعد أن هدأت عواصف الثورة والصراع، استطاعت أن
تستعيد أسماء رجالها المختلفين والمتصارعين، وأن تجعل من الذاكرة الوطنية فضاءً
يتسع للتناقضات. وفي جنوب
أفريقيا، لم يكن نيلسون مانديلا مجرد رجل خرج من السجن؛ كان رمزاً لبلد أدرك في
لحظة تاريخية أن خصوم الأمس يمكن أن يصبحوا جزءاً من مستقبل واحد.
تلك هي عظمة الأمم. أن تتجاوز لحظة الغضب، وأن تنظر إلى رجالها بعين التاريخ
لا بعين الخصومة. ولهذا أتساءل: كيف يمكن لتونس أن تنظر إلى راشد الغنوشي بعد كل هذه
العقود، ثم لا ترى فيه إلا سجيناً؟ أين تذهب سيرة
الرجل؟ أين تذهب كتبه
وأفكاره؟ أين تذهب
سنوات المنفى؟ أين تذهب
التجربة التي جعلته واحداً من أبرز وجوه الإسلام السياسي العربي؟ أين يذهب كل ذلك عندما تصبح صورة الرجل
الأخيرة شيخاً مسناً خلف القضبان؟
إنها صورة قاسية على الرجل، لكنها أقسى على
الدولة. لأن الدولة لا
تُقاس فقط بقوة أجهزتها، وإنما أيضاً بقدرتها على الارتفاع فوق خصوماتها. الدولة التي تستطيع أن تسجن خصمها ليست بالضرورة قوية. أما الدولة التي تستطيع أن تكرّم خصمها السابق، وأن تحفظ
له مكانته الإنسانية والتاريخية، فهي التي بلغت مرحلة النضج.
وليس المقصود بالتكريم أن نتفق مع الغنوشي. ولا أن نضعه فوق النقد. ولا أن نحوله إلى شخصية مقدسة. بل أن نعترف بحقيقة لا يستطيع الإنكار السياسي أن
يمحوها: لقد كان رجلاً من رجال تاريخ تونس. والرجال الذين يصنعون جزءاً من تاريخ أوطانهم لا ينبغي
أن تكون خاتمتهم في السجون.
كان يمكن أن يكون الغنوشي اليوم في بيته،
يكتب مذكراته، يستقبل الباحثين والصحفيين، يناقش خصومه، يراجع تجربته، يروي ما رأى
وما أخطأ فيه وما أصاب. كان يمكن أن
تكون تونس قد اختارت معه علاقة مختلفة: علاقة الدولة بأحد شيوخ السياسة والفكر، لا
علاقة السلطة بسجين. وهذا، في
رأيي، أكثر حكمة وأكثر إنسانية وأكثر احتراماً لتاريخ البلاد.
كيف يمكن لتونس أن تنظر إلى راشد الغنوشي بعد كل هذه العقود، ثم لا ترى فيه إلا سجيناً؟ أين تذهب سيرة الرجل؟ أين تذهب كتبه وأفكاره؟ أين تذهب سنوات المنفى؟ أين تذهب التجربة التي جعلته واحداً من أبرز وجوه الإسلام السياسي العربي؟ أين يذهب كل ذلك عندما تصبح صورة الرجل الأخيرة شيخاً مسناً خلف القضبان؟
فما قيمة أن تنتصر السلطة على رجل في
الخامسة والثمانين؟ وماذا تضيف
القضبان إلى دولة تمتلك كل أدوات القوة؟ إن الانتصار على الضعفاء ليس انتصاراً. أما التسامح مع القوي، ففضيلة. لكن الفضيلة الأكبر أن تمتلك الدولة القدرة على أن تقول:
لقد انتهت الخصومة، وبقي الإنسان. وهذا بالضبط
ما فعلته دول كثيرة عندما أعادت قراءة تاريخها.
مانديلا لم يخرج من السجن ليبحث عن قبور
خصومه. وهافل لم يجعل
من سجنه مشروعاً للثأر. والتاريخ الذي
يخلد هؤلاء الرجال لا يخلدهم فقط لأنهم سُجنوا، وإنما لأنهم استطاعوا أن يحولوا
الألم إلى معنى، والصراع إلى مستقبل.
وتونس، التي كانت استثناءً ديمقراطياً
مشرقاً في المنطقة، تستحق أن تتصرف مع تاريخها بهذه الروح. لا نحتاج إلى غنوشي يموت خلف القضبان. نحتاج إلى غنوشي حيّاً، مكرّماً، قادراً على الكلام
والكتابة واستكمال ما تبقى من عمره بين أهله وكتبه وذاكرته. فالموت في السجن لا يؤلم الرجل وحده. إنه يترك في ذاكرة البلاد سؤالاً لا يموت. وقد يتحول السجين بعد موته إلى رمز، وقد تتحول الزنزانة
إلى ضريح رمزي، وقد يصبح ما أرادت السلطة أن يكون نهاية للرجل بدايةً لحياة أخرى
في الذاكرة. وهذا ما ينبغي
للعقلاء أن يمنعوه. ليس خوفاً من
الغنوشي، وإنما خوفاً على تونس.
لا تجعلوا السجن خاتمة سيرة رجل كان ينبغي أن تكون خاتمته بين أهله وكتبه، مكرماً لا منكلاً به، ومحفوظ الكرامة لا خلف القضبان. فقد تختلف الشعوب في تقييم رجالها. لكن الأمم الكبيرة تعرف كيف تكرم رجالها المختلف عليهم. والحرية لا تحتاج إلى أن نحب أصحابها، كما أن التاريخ لا يطلب منا أن نتفق مع رجاله؛ إنه يطلب فقط ألا نظلمهم حين نكتب عنهم.
فالرجال يموتون، لكن صور موتهم تبقى. والدول تتغير، لكن الذاكرة لا تتغير بسهولة. وقد يغفر التاريخ كثيراً، لكنه لا ينسى بسهولة كيف عاملت
الأمم رجالها في أواخر أعمارهم.
لهذا أقول إن إبقاء الغنوشي في السجن خطيئة
كبرى. خطيئة لا لأن
الرجل فوق القانون، وإنما لأن التاريخ أكبر من اللحظة السياسية. ولأن تونس ليست بحاجة إلى أن تضيف إلى ذاكرتها جرحاً
جديداً.
كان مكان الغنوشي ينبغي أن يكون في الصفوف
الأولى من المكرمين، باعتباره أحد رجال الفكر والسياسة الذين صنعوا جزءاً من تاريخ
البلاد، لا خلف القضبان. كان مكانه بين
الكتب والباحثين والطلاب، في الندوات والحوارات، في مساحة التأمل والمراجعة، حيث
يستطيع الرجل في خريف عمره أن ينظر إلى نصف قرن من حياته بعين هادئة. كان مكانه التكريم، لا التنكيل. وكان الأجدر بتونس، وهي التي عرفت معنى المنفى والسجن
والقمع، أن تكون أرحب من أن تعيد إنتاج ما عانت منه.
لقد علّمنا التاريخ أن السجون قد تسقط
الأنظمة، وأن القضبان قد تتحول إلى شاهد ضد من وضعها. وعلّمنا أيضاً أن الكبار لا يكبرون حين يُهزم خصومهم،
وإنما حين يتسع صدرهم لهم. ولعل أعظم ما
يمكن أن تفعله تونس اليوم أن تنهي هذه الصفحة بطريقة لا تورث الثأر. أن تقول إن الخلاف السياسي له نهاية. وأن الخصومة لها حدود. وأن الإنسان، في آخر المطاف، أكبر من الملف. وأن الدولة التي تحترم تاريخها لا تهين رجال تاريخها.
كنت أريد أن أكتب عن مولاي إدريس، وعن تلك
البلاد التي تعرف كيف تحفظ أسماء رجالها وضيوفها في الذاكرة. لكنني وجدت نفسي أكتب عن تونس، وعن رجل أخشى أن تتحول
نهايته إلى صفحة مؤلمة في ذاكرتها.
ولعل الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها
من هذه اللحظة هي أن الأوطان لا تُبنى بالثأر من رجالها، وإنما بتكريمهم والاعتراف
بأدوارهم، حتى عندما تختلف معهم. فالغنوشي ليس
بحاجة إلى أن نحبه جميعاً. لكنه يستحق،
في خريف عمره، أن يُعامل بما يليق برجل ترك أثراً في تاريخ بلاده.
لا تجعلوا السجن خاتمة سيرة رجل كان ينبغي
أن تكون خاتمته بين أهله وكتبه، مكرماً لا منكلاً به، ومحفوظ الكرامة لا خلف
القضبان. فقد تختلف
الشعوب في تقييم رجالها. لكن الأمم
الكبيرة تعرف كيف تكرم رجالها المختلف عليهم. والحرية لا تحتاج إلى أن نحب أصحابها، كما أن التاريخ لا
يطلب منا أن نتفق مع رجاله؛ إنه يطلب فقط ألا نظلمهم حين نكتب عنهم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.