ليست
الانتخابات، في معناها العميق، مجرد
يوم تُفتح فيه صناديق الاقتراع ثم تُغلق، ولا هي معركة أرقام تنتهي بإعلان
النتائج. الانتخابات، في الدول التي تعرف كيف تصنع من السياسة أداة للبناء، هي
لحظة لإعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين الأحزاب والناخبين، وبين
الاختلاف السياسي والمصلحة الوطنية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الانتخابات
التشريعية
المغربية باعتبارها محطة جديدة في مسار سياسي طويل، تتقاطع فيه التعددية
الحزبية مع ثوابت الدولة، وتتجاور فيه التيارات الوطنية المختلفة داخل فضاء دستوري
يجعل من التعددية والتناوب والاختيار الديمقراطي ركائز للحياة العامة.
ولعل أهم ما يستحق التأمل هو مفهوم التدافع..
فالتدافع السياسي ليس بالضرورة خصومة مدمرة، ولا ينبغي أن يتحول إلى حرب صفرية بين
من يظن أنه يمثل الوطن ومن يضع خصومه خارج دائرة الوطنية. التدافع، حين يكون
بناءً، يعني أن تختلف البرامج لكي تتقدم الدولة، وأن تتنافس الرؤى لكي يختار
المواطن، وأن تتحول المعارضة من مجرد رفض إلى اقتراح، والأغلبية من مجرد امتلاك
للسلطة إلى مسؤولية عن نتائجها.
لقد أثبت التاريخ السياسي العربي المعاصر أن محاولة إخراج الإسلاميين من المجال السياسي لا تنهي بالضرورة حضور الإسلام في المجتمع، كما أن إدماج التيارات ذات المرجعية الإسلامية لا يعني منحها حصانة من النقد أو إعفاءها من قواعد المنافسة الديمقراطية. المسألة، في جوهرها، هي: كيف يتحول الاختلاف الفكري إلى مشاركة سياسية مسؤولة، وكيف يصبح الانتماء المرجعي جزءاً من التعددية الوطنية لا عنواناً للصدام معها؟
وهذا المعنى ليس غريباً عن التجربة
الدستورية المغربية؛ فالتعددية الحزبية والاختيار الديمقراطي والتناوب البرلماني
تجعل من الاختلاف السياسي جزءاً من بنية الدولة، لا خروجاً عليها. ومن هنا فإن
قيمة الانتخابات لا تكمن فقط في من يفوز بالمقاعد، وإنما في قدرة النظام السياسي
على تحويل المنافسة إلى مؤسسات، والخصومة إلى رقابة، والاختلاف إلى برامج.
غير أن صورة التدافع السياسي المغربي لا
تكتمل من دون الالتفات إلى صوت آخر اختار، في محطات مختلفة، المقاطعة أو العزوف عن
المشاركة.. فهذا الخيار، وإن اختلفت دوافعه وتقديراته من تجربة إلى أخرى، لا ينبغي
اختزاله في اللامبالاة السياسية. فقد يكون الامتناع عن التصويت، في بعض السياقات،
رسالة احتجاجية تقول إن جزءاً من المجتمع لا يرى نفسه ممثلاً بما يكفي في العرض
السياسي القائم، أو أنه يريد من المؤسسات والأحزاب أن تعيد النظر في بعض سياساتها
وأساليب اشتغالها.
وهنا تصبح المقاطعة، في بعدها السياسي،
جزءاً من لغة المجتمع مع الدولة، لا مجرد فراغ في صناديق الاقتراع. إنها تقول
للجهات المسؤولة: هناك مواطنون لم تجدوا بعدُ اللغة السياسية التي تقنعهم، وهناك
ثقة تحتاج إلى ترميم، وهناك سياسات تحتاج إلى مراجعة، وهناك مسافة ينبغي ردمها بين
المؤسسات والناس..
والديمقراطية الناضجة لا تسمع فقط لمن ذهب
إلى صندوق الاقتراع، بل تنصت أيضاً إلى من اختار ألا يذهب، وتحاول أن تفهم أسباب
ذلك الاختيار. فالمشاركة الانتخابية تمنح المؤسسات شرعية التمثيل لمن شارك، بينما
يظل حجم العزوف ومبرراته مؤشراً سياسياً واجتماعياً يستحق الدراسة.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن يكون السؤال
المغربي: هل ننتصر للمشاركة أم للمقاطعة؟ بل: كيف تستطيع المؤسسات أن تجعل
المشاركة أكثر إقناعاً، وكيف تستطيع الأحزاب أن تستعيد ثقة من ابتعدوا عنها، وكيف
تتحول الرسائل الاحتجاجية إلى مراجعات سياسية ملموسة؟
فالصندوق يتكلم، والامتناع عن الصندوق يتكلم
أيضاً؛ غير أن الدولة العاقلة هي التي تعرف كيف تستمع إلى الصوتين معاً.
وثمة مسألة أخرى أكثر عمقاً تتصل بموقع
التيار الإسلامي في الحياة السياسية المغربية. لقد أثبت التاريخ السياسي
العربي المعاصر أن محاولة إخراج الإسلاميين من المجال السياسي لا تنهي بالضرورة
حضور الإسلام في المجتمع، كما أن
إدماج التيارات ذات المرجعية الإسلامية لا يعني
منحها حصانة من النقد أو إعفاءها من قواعد المنافسة الديمقراطية. المسألة، في جوهرها،
هي: كيف يتحول الاختلاف الفكري إلى مشاركة سياسية مسؤولة، وكيف يصبح الانتماء
المرجعي جزءاً من التعددية الوطنية لا عنواناً للصدام معها؟
هنا تبدو التجربة المغربية جديرة بالتأمل،
لا باعتبارها تجربة مثالية منزّهة عن التوترات والانتقادات، وإنما باعتبارها
مساراً حاول أن يدير الاختلاف ضمن مؤسسات الدولة. فالمغرب استطاع، في مراحل
مختلفة، أن يفتح المجال أمام تيار ذي مرجعية إسلامية للمشاركة السياسية، وأن يجعل
صناديق الاقتراع والمؤسسات الدستورية، لا الإقصاء ولا الصدام، هي الإطار الذي
تُدار داخله المنافسة.
وهذه مسألة تكتسب أهمية أكبر في مناخ عربي
وعالمي ما زالت فيه العلاقة بين الإسلاميين والسياسة موضع تجاذب شديد. ففي تجارب
عديدة جرى الإقصاء أو الصدام، وفي أخرى تحولت السياسة إلى ساحة استقطاب هوياتي
حاد. وبين هذه المسارات، تبرز الحاجة إلى مقاربة ثالثة: لا إقصاءً أعمى، ولا
تساهلاً بلا ضوابط، بل إدماجاً سياسياً مشروطاً بالمواطنة والقانون والديمقراطية..
المغرب لا يقدم وصفة جاهزة للعالم العربي، ولا تجربة بلا نقائص أو تناقضات؛ لكنه يقدم تجربة سياسية تستحق الدراسة: دولة تحاول أن تجمع بين الثوابت والتعددية، وبين المرجعية الإسلامية والمؤسسات الدستورية، وبين التنافس الحزبي واستمرارية الدولة.
الإدماج هنا لا يعني أن تتنازل الدولة عن
ثوابتها، ولا أن تتنازل التيارات الإسلامية عن حقها في الاختلاف. معناه أن يلتقي
الجميع عند قاعدة أوسع: الدولة الوطنية، الدستور، التداول السلمي، احترام
المؤسسات، وقبول نتائج الصندوق.
لقد علّمنا التاريخ أن الدول لا تُبنى
بالتشابه، بل بإدارة الاختلاف. ولا تحتاج المجتمعات إلى أن تتفق في كل شيء حتى
تتقدم؛ تحتاج إلى أن تتفق على قواعد الاختلاف نفسها.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للانتخابات لا
تقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، بل بقدرة السياسة على
تحويل التنافس إلى مسؤولية، والهزيمة الانتخابية إلى قبول ديمقراطي، والانتصار إلى
أمانة، والاحتجاج إلى فرصة للمراجعة.
إن المغرب لا يقدم وصفة جاهزة للعالم
العربي، ولا تجربة بلا نقائص أو تناقضات؛ لكنه يقدم تجربة سياسية تستحق الدراسة:
دولة تحاول أن تجمع بين الثوابت والتعددية، وبين المرجعية الإسلامية والمؤسسات
الدستورية، وبين التنافس الحزبي واستمرارية الدولة.
ولعل أعمق ما تقوله هذه التجربة أنها لا
تنسجم كثيراً مع ذلك البيت العربي الشهير:
"نحن قومٌ لا توسُّطَ بيننا لنا الصدرُ دونَ العالمينَ أو القبرُ".
ففي السياسة كما في التاريخ، ليست كل
المعادلات محكومة بمنطق "إما الصدر أو القبر". هناك طريق ثالث أكثر
تعقيداً وأقل صخباً: أن تتسع الدولة للاختلاف، وأن تتنافس الأحزاب دون أن يتحول
التنافس إلى خصومة وجودية، وأن يجد التيار الإسلامي مكانه في المجال العام من خلال
قواعد الديمقراطية، وأن يجد المعترض والمقاطع طريقه إلى إيصال رسالته، وأن تدرك
المؤسسات أن النقد، سواء جاء من داخل الصندوق أو من خارجه، يمكن أن يكون مدخلاً
للمراجعة والإصلاح.
ذلك هو التوسط المغربي، إن صح التعبير: ليس
منطقة رمادية بين موقفين، ولا تسوية على حساب المبادئ، وإنما قدرة سياسية على
الجمع بين الثوابت والتحول، وبين الدولة والمجتمع، وبين الاختلاف والوحدة.
وفي زمن تميل فيه السياسة إلى رفع الجدران،
قد يكون من الحكمة أن تُبنى الجسور. فالمغرب لا يقول إن الاختلاف انتهى، بل يقول
إن الاختلاف يمكن أن يُدار. ولا يقول إن الخصوم صاروا متشابهين، بل إنهم يستطيعون
أن يتنافسوا داخل وطن واحد.
وبذلك، فإن البيت الشعري القديم لا يكفي
لتفسير التجربة المغربية. فالمغرب يقول، في لغة السياسة الهادئة، إن هناك شيئاً
بين "الصدر" و"القبر" هناك الوطن؛ وهناك فسحة واسعة للاختلاف
والتدافع والمراجعة والتعايش والبناء.
وربما كانت تلك هي الرؤية الأعمق: أن لا
يكون الانتصار السياسي هو أن ينتصر فريق على فريق، وإنما أن تنتصر الدولة على منطق
القطيعة، وينتصر المجتمع على الاستقطاب، وينتصر الوطن في النهاية على الجميع..
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.