غزة وطهران والخليج.. ثلاث جبهات وامتحان واحد للضمير

عادل الحامدي
من حق إيران أن تدافع عن سيادتها في إطار القانون الدولي، كما أن من حق السعودية وسائر الدول العربية حماية أراضيها وسكانها، لكن لا يحق لأي طرف أن يجعل المدنيين أهدافاً، أو أن يفرض على شعوب المنطقة حرباً لم تختَرها.
من حق إيران أن تدافع عن سيادتها في إطار القانون الدولي، كما أن من حق السعودية وسائر الدول العربية حماية أراضيها وسكانها، لكن لا يحق لأي طرف أن يجعل المدنيين أهدافاً، أو أن يفرض على شعوب المنطقة حرباً لم تختَرها.
شارك الخبر
ثمة لحظات في تاريخ الأمم تختلط فيها البوصلة بالدخان، ويصبح الموقف الأخلاقي عرضة للاختطاف باسم الضرورة، فيما تتحول الذاكرة الجمعية إلى ساحة صراع بين حقائق الدم وحسابات القوة. وفي منطقتنا العربية، التي طالما دفعت أثمان الحروب بالوكالة، يبدو أن التمييز بين الانحياز لفلسطين والانحياز لإيران بات ضرورة فكرية وسياسية، لا ترفاً في زمن الاستقطاب، ولا خروجاً عن مقتضيات التضامن في مواجهة العدوان.

فلسطين ليست تفصيلاً في صراع إقليمي، ولا ورقة في مفاوضات القوى الكبرى، ولا عنواناً عاطفياً قابلاً للتوظيف في معارك الآخرين. إنها قضية شعب اقتُلع من أرضه، وحقوق تاريخية سُلبت منه، ومدينة مقدسة تحاصرها الوقائع الاستعمارية، وقطاع غزة الذي يواجه، منذ السابع من أكتوبر 2023، حرباً مدمرة خلّفت كارثة إنسانية هائلة، وأعادت إلى الضمير العالمي أسئلة الإبادة والعدالة والمسؤولية. والانحياز إلى غزة، في هذا السياق، انحياز إلى الإنسان وحقه في الحياة والحرية والكرامة، وإلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال.

إن رفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران موقف أخلاقي وسياسي يستند إلى رفض العدوان، وحماية سيادة الدول، والتحذير من تحويل الشرق الأوسط إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات العسكرية. ولا يمكن القبول بأن تكون القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وسيلة لفرض إرادة سياسية على الشعوب، أو أن يصبح تدمير البنية التحتية وقتل المدنيين ثمناً مقبولاً لإعادة رسم خرائط النفوذ. غير أن رفض هذه الحرب لا يعني بالضرورة تأييد النظام الإيراني، أو التسليم بأطروحاته الإقليمية، أو اعتبار كل رد عسكري يصدر عنه دفاعاً مشروعاً لمجرد أنه جاء بعد عدوان.
لكن فلسطين، بما تمثله من عدالة تاريخية، لا ينبغي أن تتحول إلى جسر عبور نحو تبرير سياسات أي دولة، مهما رفعت من شعارات المقاومة. فالقضية العادلة لا تمنح صكوك براءة سياسية لمن يتحدث باسمها، ولا تجعل كل ما يصدر عن خصوم خصومنا صواباً بالضرورة. ومن هنا تبدأ المسافة الضرورية بين التضامن مع فلسطين و"التأيرن"، أي الارتهان السياسي أو الوجداني للرؤية الإيرانية للمنطقة، بما قد تحمله من حسابات نفوذ ومصالح ومشروعات تتجاوز حدود التضامن مع الشعب الفلسطيني.

إن رفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران موقف أخلاقي وسياسي يستند إلى رفض العدوان، وحماية سيادة الدول، والتحذير من تحويل الشرق الأوسط إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات العسكرية. ولا يمكن القبول بأن تكون القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وسيلة لفرض إرادة سياسية على الشعوب، أو أن يصبح تدمير البنية التحتية وقتل المدنيين ثمناً مقبولاً لإعادة رسم خرائط النفوذ. غير أن رفض هذه الحرب لا يعني بالضرورة تأييد النظام الإيراني، أو التسليم بأطروحاته الإقليمية، أو اعتبار كل رد عسكري يصدر عنه دفاعاً مشروعاً لمجرد أنه جاء بعد عدوان.

هنا بالذات ينبغي أن يستعيد العقل العربي استقلاله. فليس مطلوباً منا أن نختار بين واشنطن وطهران، ولا أن نستبدل التبعية القديمة بتبعية جديدة، بل أن نرفض منطق الهيمنة أينما ظهر، وأن نقيس السياسات بميزان القانون والحقوق ومصالح شعوب المنطقة، لا بهوية القوة التي تنفذها أو بالشعارات التي ترفعها.

ومن هذه الزاوية، يصبح استهداف دول الخليج العربي والسعودية، وتوسيع دائرة الحرب باتجاه أراضيها ومنشآتها المدنية والاقتصادية، موضع إدانة لا لبس فيها. فهذه الدول ليست ساحة مباحة لتسديد الفواتير الاستراتيجية، وشعوبها ليست رهائن في معركة بين طهران وواشنطن وتل أبيب. وقد وثّقت تقارير ومواقف دولية خلال عام 2026 هجمات إيرانية طالت دولاً خليجية وبنى تحتية مدنية، في سياق الحرب التي بدأت بالضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير من العام نفسه. ولا يغيّر من مسؤولية أي طرف عن أفعاله أن يكون قد تعرض بدوره لعدوان سابق.

والأخطر أن اتساع دائرة الاستهداف العربي يفتح ثغرة استراتيجية في الجدار الإقليمي، تتجاوز أضرار الصواريخ والطائرات المسيّرة. فحين تتحول الضفة العربية للخليج إلى جبهة إضافية، وتتزايد المخاوف بين دول المنطقة، وتتعمق الانقسامات السياسية والمذهبية، تصبح البيئة أكثر ملاءمة للمشروعات التي تستفيد من تفكك المجال العربي واستنزاف دوله وإضعاف قدرتها على صياغة موقف مستقل. وهنا تتقاطع النتائج الموضوعية للتصعيد مع مصالح إسرائيلية وأمريكية في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية، حتى إن لم يكن كل تطور ناتجاً عن خطة مشتركة أو تنسيق مباشر بين جميع الأطراف.

ليس من الدقة، إذن، اختزال المشهد في مؤامرة واحدة محكمة التفاصيل، لكن من السذاجة أيضاً تجاهل أن الحروب المفتوحة والتنازع الإقليمي يضعفان العرب جماعياً، ويمنحان القوى الخارجية فرصاً أوسع لفرض شروطها. والنتيجة قد تكون منطقة ممزقة بين محاور متصارعة، تستنزف مواردها في المواجهات، بينما تبقى فلسطين، التي يُستدعى اسمها في كل خطاب، أسيرة الاحتلال والحصار والدمار.

لقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تستعيد حريتها باستبدال وصاية بأخرى، ولا بتحويل المظالم إلى تفويض مفتوح للقوة. ومن حق إيران أن تدافع عن سيادتها في إطار القانون الدولي، كما أن من حق السعودية وسائر الدول العربية حماية أراضيها وسكانها، لكن لا يحق لأي طرف أن يجعل المدنيين أهدافاً، أو أن يفرض على شعوب المنطقة حرباً لم تختَرها.

إن فلسطين تحتاج إلى موقف عربي مستقل، لا إلى اصطفاف أعمى؛ وإلى تضامن يترجم إلى حماية الحقوق ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، لا إلى استهلاك رمزي في حروب المحاور. وغزة لا تحتاج إلى أن تصبح عنواناً لتبرير استهداف الخليج، مثلما لا يجوز استخدام أمن الخليج ذريعة لتبرير العدوان على إيران.

إن فلسطين تحتاج إلى موقف عربي مستقل، لا إلى اصطفاف أعمى؛ وإلى تضامن يترجم إلى حماية الحقوق ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، لا إلى استهلاك رمزي في حروب المحاور. وغزة لا تحتاج إلى أن تصبح عنواناً لتبرير استهداف الخليج، مثلما لا يجوز استخدام أمن الخليج ذريعة لتبرير العدوان على إيران.
المعيار واحد، وإن اختلفت الأعلام: لا للعدوان، لا لاستهداف المدنيين، لا لتقسيم المنطقة، ولا لتحويل قضايانا العادلة إلى أدوات في صراع الآخرين. ففلسطين أكبر من إيران، وأكبر من أمريكا وإسرائيل، وأكبر من جميع المحاور؛ لأنها قضية حرية وحق، ولأن الانحياز الحقيقي إليها يبدأ من استعادة الإنسان العربي حقه في التفكير المستقل، وفي رفض الظلم من دون أن يصبح شريكاً في ظلم آخر.

ربما آن لنا أن ندرك، بعد كل هذه الحروب التي عبرت أرضنا وتركت في أرواحنا ندوباً لا تمحوها السنوات، أن الإنسان العربي ليس قدراً محتوماً عليه أن يختار بين موتين، ولا أن يصفق لصاروخ لأنه جاء من جهة يظنها أقرب إلى وجعه، أو يصمت عن ضحايا لأنه يخشى أن يُساء فهم حزنه. في غزة طفل يبحث بين الأنقاض عن يد أمه، وفي طهران أمّ ترتجف على أبنائها تحت القصف، وفي الرياض والمنامة والدوحة ومدن الخليج أناس يريدون أن يناموا آمنين، وأن يستيقظوا على حياة لا على صفارات الإنذار. هؤلاء جميعاً ليسوا خرائط في غرف العمليات، ولا أرقاماً في بيانات الجيوش، ولا أوراقاً في دفاتر الساسة؛ إنهم حكاية الإنسان حين يصبح أعزل أمام غطرسة القوة وحسابات النفوذ.

ولعل المأساة الأعمق في منطقتنا ليست أن الحروب تتكاثر فحسب، بل أن بعضنا بات يُطالَب، في كل حرب، بأن يختار أيّ ضحايا يستحقون حزنه، وأيّ دماء يجوز التغاضي عنها، وأيّ موت يمكن تبريره باسم التاريخ أو العقيدة أو المقاومة. لكن الضمير الذي ينتقي ضحاياه ليس ضميراً حراً، والعدالة التي تتبدل بتبدّل هوية القاتل تفقد معناها الإنساني.

إن فلسطين التي نريدها ليست وطناً يتحرر ليبقى العالم العربي أسيراً للخوف والانقسام، والمقاومة التي نستحقها ليست اسماً آخر للكراهية، بل دفاع عن حق الإنسان في ألا يُسحق، وعن الشعوب في ألا تُختطف مصائرها.

وحين يأتي اليوم الذي يستطيع فيه طفل غزة أن يحلم دون أن يخاف السماء، وطفل إيران أن يكبر دون أن تطارده الحرب، وطفل الخليج أن ينام دون أن توقظه الصواريخ، سنكون قد بدأنا بالفعل كتابة تاريخ مختلف لهذه المنطقة؛ تاريخ لا ينتصر فيه محور على محور، بل ينتصر فيه الإنسان على الحرب، والحرية على الهيمنة، والحياة على أولئك الذين اعتادوا أن يرسموا خرائط المستقبل بالحبر نفسه الذي تُكتب به أسماء الموتى.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)