كثيراً ما يفكر أحدنا بعقلانية ويفترض أن القوى
الكبرى والإمبراطوريات تفكر مثله، وهذا الإسقاط هو تصوري منا أكثر منه واقع. فلك
أن تسأل؛ متى فكرت الدول لا سيما الغربية
الإمبراطورية منها أو ذات السمات
الإمبراطورية، بعقلانية وانتهجت سلوكاً واقعياً؟ فهل من
العقلانية أن يوتروا
علاقتهم بالعرب والمسلمين ويضعوا مصالحهم على فالق تهديد استراتيجي من أجل
"إسرائيل"؟!
صحيح أن إسرائيل بُنيت كرأس رمح لهم وأنها تمثل
رأس جبل جليد مشروعهم الهيمني في المنطقة أو امتداد إمبراطوريتهم الشرق أوسطية،
لكن ما ثبت إلى اليوم أن كلفتها باهظة جداً لا سيما في العقود الأخيرة، إذ غدت
أكبر بكثير من عوائدها عليهم. صاروا هم يدفعون من جيوب مواطنيهم ليحموها بدل أن
تكون هي لحمايتهم! فلماذا يصرون على إجهاد دافع الضرائب لتحمل أعباء ثمن دعمهم
المطلق لإسرائيل؟ هل لسبب عقلاني؟ أم لمخاوف غير مبررة؟ أم لفهمهم الخاطئ لجبهة
المقاومة؟ أو لقصر نظرهم وإحاطتهم بالإسلام وعالمه الذي اختصروه على فئات معينة؟
أو أنهم تحركهم ما يعرف بهاجس أو فخ ثوسيديدس؛ ما يعني أن ما يحرك أنظمتهم عقيدة
أيديولوجية أو الوهم بدل الوقائع، أو مخاوف غير علمية أو وهم
القوة، أو أزمة أنظمة
وأزمة صناعة قرار في دولهم تتداخل فيها عوامل كثيرة من جماعات الضغط واللوبيات كما
يرى والت وميرشماير؟
صحيح أن إسرائيل بُنيت كرأس رمح لهم وأنها تمثل رأس جبل جليد مشروعهم الهيمني في المنطقة أو امتداد إمبراطوريتهم الشرق أوسطية، لكن ما ثبت إلى اليوم أن كلفتها باهظة جداً لا سيما في العقود الأخيرة، إذ غدت أكبر بكثير من عوائدها عليهم
تعددت كتابات المفكرين والمؤرخين والفلاسفة حول
الحضارات وأسباب انهيارها، ويبدو أنه أكثر من مثير موقف بعض من تحدث عن الحضارات
ناهيك عن الإمبراطوريات أنها تنتحر ولا تموت، أي أنه رغم الضغوط الخارجية فإن
الأسباب الأساسية التي تواجهها هي تلك الداخلية، بينما شرح غيرهم في استقراء
تاريخي وعلمي كيف تذهب هذه القوى إلى خيارات خاطئة ولا عقلانية رغم وجود خيارات
عدة عقلانية وممكنة.
فمن يتصفح كتاب التاريخ يفاجأ بأن قوى الهيمنة
لا تتعلم من أخطائها أو أنها محكومة لقواعد قسرية تؤدي في نهاية المطاف إلى
تراجعها أو حتى إلى انهيارها التام أحياناً. ورغم تعدد الأسباب، لكن يبقى السبب
الطاغي وراء كل ذلك أو سبب الأسباب هي العقلية، نعم
العقلية التي تُبنى عليها الفرضيات.
فالمشكلة أن القوة بذاتها تصبح عقلية وأرضية ومنطلق أي تفكير، ويصير
الاستخفاف بالآخر وافتراض سهولة تجاوزه وتحييده هو الحاكم. وهنا يكمن أول مسار
السقوط، فالإمبراطورية لا تدرك أن أعداءها ومنافسيها وحسادها يدأبون على تشخيص
مكامن ضعفها، ويعرفون أنهم إذا أحسنوا إصابتها في تلك النقاط يصيبونها في مقتل.
في مختلف الكتب السماوية وفي أمهات كتب التاريخ هناك ما يكفي من
القرائن والأمثلة التي تستعرض الصراع بين قوة المستكبر وقلة إمكانات المستضعف،
وكيف ينجح المستضعف في توقيت معين أو لحظة غرور تستحكم بالمستكبر؛ أن يضرب على
نقطة محددة ضربة مركّزة. فالقوة تحتاج إلى سياق، ولا يمكن أن تختصر أي قوة في
العالم كل عناصر القوة في آنٍ واحد، فلا يحتاج المستضعف لاستجماع كل عناصر القوة
المادية؛ لأن أصل تفكيره لا ينبني على مراكمة القوة المادية، إنما على الضروري
جداً جداً منها بما يحمي فكرته ولا يهددها.
إن القوى الإمبراطورية في الواقع ترى القوة المادية هدفاً، ولذلك تجنح
لمراكمتها بشكل بلا توازن ولا اعتدال (انظر حال القوى التي تسمى العظمى اليوم حين
تراكم من الإمكانات النووية ما تدمر به الأرض مراتٍ، أي تدمر ذاتها!)، بينما
المستضعف يرى ضرورة توفير القدرة لحماية الذات سبيلاً للتوازن وإتاحة الفرصة
لمنطقه. وهذا القدر ضروري كي لا يتوهم عموم الناس إذا رأوا القوة في المقلب الآخر
تنجز وتنتصر؛ أن الباطل حق، وأن الحق عاجز عن قيادة الواقع.
القوة تحتاج إلى سياق، ولا يمكن أن تختصر أي قوة في العالم كل عناصر القوة في آنٍ واحد، فلا يحتاج المستضعف لاستجماع كل عناصر القوة المادية؛ لأن أصل تفكيره لا ينبني على مراكمة القوة المادية، إنما على الضروري جداً جداً منها بما يحمي فكرته ولا يهددها
الإمبراطوريات تعيش وهْم القوة إلى حد تنسى فيه أو تغفل أن السلطة إذا
لم تتحول إلى مشروعية، والطاعة إذا لم تتحول إلى واجب، فإنها لا يمكن أن تستمر
وستفشل، لكن المشكلة أن الوهم يتسلل إلى كل إمبراطورية على حدة، كل منها تظن أن
نموذج قوتها يتيح لها الهروب أو القفز فوق هذه الحقيقة، وأن تنجح وتنتصر، فتغفل
حتى عن البديهيات والمسلّمات وترفض أن تتعلم من التاريخ وقواعده.
وليس أقرب لما نتحدث عنه مما يحصل اليوم من حال الإمبراطورية
الأمريكية، والتي هي بالمناسبة الأكثر هشاشة من غيرها
رغم أنها الأكثر قوةً مما سبقها. هي تعتبر نفسها فوق التاريخ، وأن سلاحها وقوتها
لا يُقهران، فهل هذا واقع أم وهْم؟ حروب العقدين الأخيرين أثبتت فشل دعاويها،
وبالذات جولاتها الأخيرة مع جمهورية
إيران الإسلامية؛ لقد كانت فعلاً درساً كبيراً
لها بضرورة أن تقبل الهزيمة وتعترف بالفشل وتتعقلن.
لكن مشكلة أمريكا اليوم مركبة؛ عقلٌ إمبراطوري
يرفض أن يخضع ويذعن أمام الواقع والحقائق، فيرى تراجع هيمنته أمام قوة إقليمية
وإسلامية كإيران نهاية الطريق ونهاية المسار الغربي كله، وقيادة سياسية تعيش وهماً
ونرجسيةً غير مسبوقة في تاريخ الرؤساء، وتعاني من ضغوط داخلية نتيجة فشلها، وتخاف
من الداخل كخوفها من الخارج وأكثر، ما يجعلها مستعدة للمغامرة، واتجاه أيديولوجي
يرتبط بنزعة عداء مستحكم للإسلام وللجمهورية الإسلامية وجبهة المقاومة بالخصوص،
لذلك تراها تضيّق الخيارات فيما ينفد الوقت بسرعة.
الأشهر المقبلة حاسمة؛ فهل ستعيد أمريكا الكرّة
فتغرق أكثر مع ثمن باهظ يدفعه العالم كله، أم ستلجأ إلى العقلانية والبحث عن طريق
آخر متاح وممكن، وهو ما لا نرجحه؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.