ليس ما
نعيشه من استطالة أمد الحروب في منطقتنا ومن تحورات وتعديلات؛ دليلاً على فائض
سيطرة وتحكم أمريكيين، إنما هي دليل على متانة ثقافة المقاومة ونضجها ورسوخها
وشمولها وتوسع دائرة الانتماء لها، وتدليل على صحوة عالمية عارمة شقت طريقها دون
رجعة. فاستراتيجية الصمود والصبر الاستراتيجي ومقاربة الصراع مقاربة حضارية لا
عسكرية فقط؛ أدت إلى إفشال إرادة أمريكا لتحقيق أهدافها، ما فرض عليها هذا التعديل
المستمر والتخبط في استراتيجياتها التي وصلت لحد التضاد أحياناً كثيرة. واستظهار
سريع لاستراتيجياتها في غرب آسيا وبعض حافات الصراع الأخرى خلال عقدي الألفية
الثالثة كفيل بإثبات ذلك.
تتعدد
أسباب الإخفاق والتخبط الأمريكي، قد يكون أحدها أزمة على صعيد النظرية العسكرية
والتصنيع العسكري الأمريكي؛ إذ بنيت هذه
القوة لعالم لا يشبه عالمنا الحالي
وطبيعته. فرغم حجم الإنفاق تعاني هذه القوة المفرطة من أزمة ملاءمة لمواجهة تحديات
هذا الزمان، وتقف آلتها الجبارة وتقنيتها العالية في صراع مع الشعوب المريدة
العازمة المتحررة من كل خوف لتواجهها.
عبء السياسة الخارجية على دافع الضرائب بات مجهداً وقيداً حقيقياً على السياسات العليا، في المقابل فإنّ التراجع عن أطواق الهيمنة هو بمثابة كارثة؛ كون هوية أمريكا هي عين الهيمنة
كانت فذلكة
الولايات المتحدة تقوم على تقدم التقنية على الإنسان وإرادته وعزمه بل على
حقيقته!! وسرعان ما تنكشف قوتها ويظهر أنها غير قادرة أن تتحدى إرادات شعوب مؤمنة
بقضيتها وجاهزة للتضحية لأبعد مدى، وتمتلك الإبداع، أو عندما تخوض حروباً في
ميادين صراع لا متماثلة أو لا دولتيّة فتظهر أيضاً إشكالية قوتها التدميرية
وعطوبتها. لقد بنَت نموذج قوتها على أساس أن العالم خارج أسوارها والغرب غير
ديمقراطي ولا قيمة للشعوب فيه، وإذ بها تتفاجأ بأن جبهة المقاومة كنموذج تعطي
الأولوية لإرادة الشعوب وأن العالم بأجمعه يكرهها. بنَت قوتها على أساس رؤية
لذاتها وللعالم، لتجد أن هذا النموذج من القوة يصطدم بالعالم الجديد.
أزمة أمريكا
اليوم في نموذج قوتها الذي لا يساعدها في تعزيز خياراتها بل يقيد ويكبل خياراتها
السياسية. هذا حالها منذ احتلالها لأفغانستان فالعراق فعدوانها على ليبيا وصولاً
لحربها الأهم في حاضرها اليوم على الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث ظهرت
المفارقة بشدة بين فائض القوة والقدرة على إنتاج الخيارات الواقعية.
قد يقول
قائل: أمريكا اليوم، وترامب بالذات، توزع رغباتها على حصانين؛ فانس بالمفاوضات
وروبيو بالحرب، ومن يأتي بالنتيجة فهو -أي ترامب- المستفيد. هذا ظاهر المشهد، أي
توزيع أدوار، لكن قد تكون الحقيقة أبعد من ذلك، فلم يعد الاستقطاب بين ديمقراطي
وجمهوري والرؤى حيال الواقع والممكن لأمريكا، بل يضرب الانقسام تباعاً الحزب
الجمهوري نفسه ومضمون "MAGA".
فعبء السياسة الخارجية على دافع الضرائب بات مجهداً وقيداً حقيقياً على السياسات
العليا، في المقابل فإنّ
التراجع عن أطواق الهيمنة هو بمثابة كارثة؛ كون هوية أمريكا
هي عين الهيمنة، فأمريكا ليست دولة تمارس الهيمنة كما عرف العالم إمبراطوريات
كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها، بل هي الهيمنة، وانحسار الهيمنة ينتج التفكك.
أحادية أمريكا انتهت، وتجر معها إسرائيل ككيان لن يستطيع أن يفطم نفسه مهما حاول. المهم بالنسبة لنا اليوم أن نؤكد على محورية الصمود، والصبر والتحدي والإبداع المنسجم مع روح الزمان ونظرتنا للقوة، وأن لا نسمح لأي فتنة أن تجد أرضية في واقعنا
المعادلة
بسيطة: بغياب قيم التضامن المجتمعية واللحمة بين الولايات يتهدد مستقبل أمريكا، فأمريكا
من الدول النادرة التي تشكل فيها قيم القوة الخارقة والحلم المادةَ اللاصقة لـ"الأمة".
آخر مؤشرات التراجع ليس قيم الديمقراطية وفلسفتها التي انتهت واقعاً في أمريكا، بل
آليات الديمقراطية تتهدد؛ فماذا يعني أن تذهب الإدارة بطرح التدخل الصيني في
الانتخابات؟ وهل هذه توطئة للتعاطي مع ما هو قادم من استحقاقات؟! هل سنكون أمام
فيروس صيني انتخابي تدعيه الإدارة الأمريكية على غرار فيروس كورونا الصيني الذي
ادعته، بما يهدد ما تبقى من ممارسات ولو شكلية للنظام الديمقراطي؟!
أحادية أمريكا
انتهت، وتجر معها إسرائيل ككيان لن يستطيع أن يفطم نفسه مهما حاول. المهم بالنسبة
لنا اليوم أن نؤكد على محورية الصمود، والصبر والتحدي والإبداع المنسجم مع روح
الزمان ونظرتنا للقوة، وأن لا نسمح لأي فتنة أن تجد أرضية في واقعنا؛
الإسلامي-الإسلامي أو العربي-الإسلامي أو داخل أي قُطر أو دولة من دولنا، فهذا
ملاذ أمريكا وإسرائيل عند كل فشل للإيقاع بنا. يدفعنا ذلك لحض دول وأنظمة في
منطقتنا، لتجنب التأرجح الذي لا تزال تمارسه، واللعب من تحت الطاولة، وأن تبتعد عن
أن تكون أداة أمريكية أو أداة انتقام، فشعوبنا تدخل مرحلة جديدة تحتمل تعاون
الجميع وأخذ مصالحهم وخصوصيات كل منهم بالاعتبار، وأيما هندسة مقبلة تفكر بها
جبهات المقاومة فسيُكون محورها حفظ الأوطان والخصوصيات بعيداً عن الهيمنة
الأمريكية أو أي هيمنة خارجية على منطقتنا، والدأب في العمل لتحرير بلادنا منها،
أو بالحد الأدنى اجتنابها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.