بعد عقود
من احتكار أمريكا لتعريف الأمن والسياسة والاستراتيجية في المنطقة والاقتصاد
والتجارة، يمكن اعتبار هزيمة أمريكا في حربها على إيران بمثابة تأريخ رسمي لنهاية
هذه الحقبة بكل ما حوته من استراتيجيات وإدارة توازنات وهندسات للنظام الإقليمي
وأنماط حروب، والانتقال إلى حقبة جديدة تغلب عليها بشدة صفة الأقلمة، أي محورية
القوى الإقليمية.
هل يعني
ذلك أن أمريكا ستغيب عن المنطقة بالكامل وأن تراجعها الواضح يؤدي إلى خروجها، أم أنها
بعدما اكتشفت حدود قوتها تعود لترتيب أولوياتها بتركيز حماية الكيان الصهيوني أمنيا
من داخله، بدل حمايته من خلال انتشارها الذي كلفها كثيرا وفشل في نهاية المطاف
فشلا ذريعا؟ فقد نشهد نوعا من اندغام القوة الأمنية الأمريكية في داخل
إسرائيل أكثر
لحمايتها، والتراجع عن استراتيجيات الانتشار الفضفاضة في الإقليم التي صارت عامل
ضغط كبير عليها وعلى المواطن الأمريكي وعلى إداراتها، وفرصة لأعدائها في جبهة
المقاومة لنزع مكانتها من النفوس ومن دورها التاريخيّ المحوري في المؤسسات الإقليمية
وعلاقاتها بالدول.
قد نشهد نوعا من اندغام القوة الأمنية الأمريكية في داخل إسرائيل أكثر لحمايتها، والتراجع عن استراتيجيات الانتشار الفضفاضة في الإقليم التي صارت عامل ضغط كبير عليها
أمريكا
تتهيأ لأن تندّك بالكيان وتحميه وفق استراتيجية الممكن والمقدور عليه، فيكون خط
الدفاع عن ذاته بدل أن يكون الانتشار الأمريكي خط الدفاع الأول عنه. يبدو أنها أدركت
بالمعنى الاستراتيجي أن أقصى قدرة الكيان بكل الدعم المطلق الذي وفرته له هو
احتمال أو إمكان أن يكون لاعبا في الإقليم بين قوتين أو ثلاث أكبر منه لا أكثر، وأن
خطاب نتنياهو بالنصر المطلق وتغيير المنطقة بجعلها إسرائيلية لا يعدو كونه وهْما.
فجل ما يمكن العمل عليه أمريكياً هو جعله ثالث لاعبي المنطقة بعد إيران وتركيا،
باعتبار أن إيران تمثل خطابا إسلاميا جاذبا عنوانه التحرر والمقاومة وسيبقى يتمدد،
وتركيا من بعدها بما تمثل من اتجاه تنافسي يجذب إليه مكونات معينة في المنطقة ولا
يتعارض مبدئيا مع مقومات جبهة المقاومة، وهو على مسافة من المقاومة ومن إسرائيل وله
علاقة وطيدة مع أمريكا. (أما مصر فلا يبدو واضحا إن كانت ستقدر أن تلعب دورا فعليا
ومتميزا رغم رغبة كل عربي صادق بذلك).
هذا يعني
أن الكيان بمساعدة أمريكا يفترض أنه سيسعى لإعادة بناء نفسه بصورة أكثر استقلالية (سيحاول)
وتركيزا، لا سيما في مجالات -الأمن والعسكر والاقتصاد- بما يعطيه مقومات الاستمرار
البعيد ويعوض فشله السياسي وتراجع مكانته الدولية ومقبوليته والحاجة إليه بشكل حاد.
هو اليوم وفي المستقبل ستزداد بوجهه أزمة العجز على الجذب والاستقطاب الإقليمي
والدولي، ما سيفرض عليه مزيدا من العسكرة و الـ"أسبرطة" (نسبة إلى أسبارطة).
الغرب مضطر لأن يعود للبحث عن مصلحته، فالمقاومة وصمودها فرض عليه لأول مرة في تاريخنا الحديث تزاحما حادا بين المصلحة ولغتها أو استمراره بالأيديولوجيا وتبنّي إسرائيل
في
الخلاصة، نحن أمام منطقة وإقليم يؤشر بقوة للنظام الدولي المتولد، يتجه نظامها
ليبنى على قواعد جديدة ستكون فيها القوى الإقليمية هي الأساس لا سيما إيران وتركيا
(ونامل أن تكون مصر أيضا)، أما إسرائيل فأقصى ما يمكنها فعله بينما تترقب التحول
القسري في السياسة الأمريكية وناتج السنوات الثلاث المتواضع؛ هو العودة إلى
الاعتماد على ذاتها أولا كتحول في منظورها الأمني التاريخي الذي اعتمد على الخارج
الغربي أولا، وهي تعلم أن الاتجاهات الشعبية في أوروبا وحتى في أمريكا غير مُسرّة
لها ومنذرة بتحولات لغير صالحها مستقبلا، وأن حملات العلاقات العامة التي تحاول
تفعيلها في الغرب لم تعد مجدية بعد أن تهاوت سرديتها. فالشعوب والدول لم تعد تطيق
أن تحمل على ظهرها عبء كيان إرهابي أطاح بكل ما بنته يد الغرب من قواعد دولية
لمصلحتهم ذات يوم. الغرب مضطر لأن يعود للبحث عن مصلحته، فالمقاومة وصمودها فرض
عليه لأول مرة في تاريخنا الحديث تزاحما حادا بين المصلحة ولغتها أو استمراره
بالأيديولوجيا وتبنّي إسرائيل.
فهل ستقدر
إسرائيل أن تثبت أنها ثالث القوى في المنطقة أم ستفشل ولن تستطيع ذلك؟ وكيف ستقرأ
قوى المقاومة هذا المسار الصهيوني؟ هل ستعتبره تراجعا استراتيجيا بحفز إرادتها
للمضي قدما بعد حين لإنجاز المهمة الكبرى؟!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.