إسرائيل "تُنجز"!! لكنّ أعمدة أمنها الاستراتيجي تنهار

بلال اللقيس
"انتهت إسرائيل الذكية "الديمقراطية" وصرنا أمام كيان مليء بالتراويس الحادة، كيان صلف صدامي بالغ التطرف"- جيتي
"انتهت إسرائيل الذكية "الديمقراطية" وصرنا أمام كيان مليء بالتراويس الحادة، كيان صلف صدامي بالغ التطرف"- جيتي
شارك الخبر
في العلوم الإنسانية كما التطبيقية نحتاج دوماً إلى إطار مرجعي لتفسير الأحداث واستشرافها أو لمنظور معين. فجسم معين هو ثابت بالنسبة لمرجعية معينة ومتحرك بالنسبة لأخرى، أو هو يسير إلى الأمام بالنسبة لمنظومة وإلى الخلف بالنظر من مرجعية أخرى. وتكمن أهمية رجل السياسة في قدرته على تشخيص أي الأطر المرجعية أو المنظورات هي الأكثر قدرة على التفسير والتوقع، لكي يقيّم ويحدد مسار أي ظاهرة صعوداً أم هبوطاً تقدماً أم تراجعاً.

قام أمن إسرائيل الاستراتيجي منذ التأسيس على ركيزتين اثنتين؛ ركيزة العلاقة بالخارج وبالخصوص أمريكا، وركيزة الداخل، ومن نافلة القول إن هاتين الركيزتين تؤثر إحداهما في الأخرى وتصب فيها سلباً وإيجاباً. أمّن الغرب لا سيما الأمريكي لإسرائيل دعماً تاريخياً يصعب تفسيره بمنطق المصالح والعقلانية دون الأيديولوجيا، فرضها ككيان قسراً و"دولة" من خلال هيمنته على المؤسسات الدولية وعبر تطويع الدول العربية بكل أنظمتها ومؤسساتها النظامية، مدّها بالدعم العسكري وصولاً إلى السلاح النووي وكذلك الدعم الاقتصادي والتسهيلات "الخاصة". لكن بقي الدعم السياسي والاستراتيجي أهم ما أمّنه الغرب لإسرائيل.

إسرائيل تنجز في حسابات المنظور العملياتي أو النظام الأول، لكن كل شيء من حولها يتغير وفق المنظورين الثاني والثالث؛ بالاستراتيجيا هي تتراجع، وبقياس المكانة وحاجة العالم إليها فهي تتراجع تراجعاً حاداً أيضاً، وكذلك ببعد الرعاية الخارجية المفتوحة

لقد لعبت أمريكا دور ناظم الإقليم وضابط إيقاعه وفقاً لمصلحة استمرت لعقود عين مصلحة إسرائيل. فهي -أي أمريكا- المعنية بأن تهندس البيئة وتفرغها من أي إرادة مناهضة للكيان، وتفتح له المنافذ والخطوط ما يتيح للكيان الاستمرار والتمدد. فقد كانت لعقود خلت صاحبة الإرادة الحاسمة في صناعة وتحديد وتعريف مجمل المجالات الأمنية والتجارية والاقتصادية والسياسية في منطقتنا، وشكلت إرادتها محور السياسات. وينسحب أمر الإرادة الأمريكية إلى البيئة الدولية، حيث لأمريكا الدور الحاسم لضمان أمن إسرائيل وحمايتها.

خلال السنوات الثلاث الماضية حصلت أمور عديدة لم تكن متوقعة وشكلت سوابق؛ فقد ترك هجوم ٧ أكتوبر أسئلة في صميم الأمن الإسرائيلي لا إجابات عليها حتى اليوم. فشلت ثلاث محاولات أمريكية لإسقاط إيران وانتقلت إيران إلى أحد اللاعبين الكبار، كما عجزت أحدث نظريات الحروب والحروب المنفلتة من كل قيد وقانون، أن تحسم في أي ساحة بعد ثلاثة أعوام. ظهرت القوة كمعطى "زئبقي"، إذ تجاوز تفاعل وتداخل الأبعاد إلى بروز أبعاد لم تكن متوقعة ولا منظورة.

لم تكن هذه المتغيرات وليدة لحظتها إنما هي مسار سرّعه واختصره أداء الطرف الأمريكي الصهيوني إلى حد بعيد. إن انتقال الولايات المتحدة الأمريكية إلى سياسة معلنة (لا مموهة) تدعم فيها تعديل الجغرافيا بتوسعة الكيان؛ وضع البيئة الدولية حتى الغربية في تحدٍ، فهذا أهم مسوّغ لبوتين في قبالة القارة العجوز، ومثّل انقلاباً كامل الأوصاف على بنية النظام الدولي وقيمه وقاعدته الأولى أي الدولة. كما كان لتشجيع، بل لتبني الإدارتين الأمريكيتين -بايدن وترامب- لنتنياهو دور كبير في نزوع الكيان إلى أقصى التطرف، فانتهت "إسرائيل" الذكية "الديمقراطية" وصرنا أمام كيان مليء بالتراويس الحادة، كيان صلف صدامي بالغ التطرف يشعر بعدم حاجته لأحد لأن الدعم الأمريكي المطلق مضمون (وصلت به النوبة أن بدأ يهين القارة العجوز، أي صاحبة الفضل عليه في وجوده)، وتحول من رؤية أمنية تقوم على الردع إلى رؤية تقوم على المنع.

ورغم الانخراط المتزامن الأمريكي الإسرائيلي في الحرب على جبهة المقاومة وفي كل ساحاتها وفي توقيت متصل وواحد، أي رغم انخراط أقوى قوة دولية وأقوى قوة إقليمية بشكل متزامن، لم تحققا أهدافهما.

عواصم عربية تُقصف بعد عقود من افتراضات متوهمة حول الحماية والأمن والتزامات الغرب حيالهم وأمريكا بالذات، لكن صمود الشعوب الأسطوري الذي لم يكن متوقعاً في تقديرات الغرب وإداراته بأي شكل؛ مثّل بداية مسار إعادة نظر دول عديدة في مصالحها الفعلية أو إعادة تعريف مصالحها بعد تزايد الضغوط عليها، وكان من نتائج ذلك أن اتجه بعضها لاختيار نموذج التحوط.

وكانت أيضا ولادة وحدة الساحات كمتغير أنتجته حاجات الواقع ومبرراته حتى صار بمثابة نقطة ارتكاز أمني يبنى عليها لمستقبل المنطقة.

كما سقطت نظرية صدام الحضارات بين الغرب والمسلمين، فشعوبنا كما شعوب الغرب أدركت أن حلف الأنظمة أو ذاك التحالف الهيمني هو شبكة متعددة الأشكال، وتعتبر الأنظمة المستبدة في واقعنا العربي أو الأنظمة الديمقراطية المخادعة في الغرب أذرعاً لها، انتهت إلى غير رجعة إمكانية عودة الصراع داخل الحضارة الإسلامية وأُعيد الفرز بطريقة واضحة وشفافة.

فالقوة مهما تعاظمت بدت أنها عاجزة عن التحول إلى مكاسب استراتيجية، وأمريكا لم تعد قادرة على ربح إسرائيل والبترودولار في آنٍ، وكذلك أوروبا. فلأول مرة يقع التزاحم الحاد وبهذا المستوى، وأنظمة البترودولار لم تعد قادرة على الجمع بين أمريكا وفلسطين في آنٍ، فقد صارت مضطرة إلى الاختيار. والأنظمة الغربية لم تعد قادرة على الاستمرار بالتسويف؛ فمظلومية فلسطين هزت شوارعها وفجرت أسئلة عميقة عند شعوبها حول سياساتها الاستعمارية ومفارقة ديمقراطيتها وتبخر الوعود.

إسرائيل تنجز في حسابات المنظور العملياتي أو النظام الأول، لكن كل شيء من حولها يتغير وفق المنظورين الثاني والثالث؛ بالاستراتيجيا هي تتراجع، وبقياس المكانة وحاجة العالم إليها فهي تتراجع تراجعاً حاداً أيضاً، وكذلك ببعد الرعاية الخارجية المفتوحة. هي خاضت حربها الأطول والأصعب في تاريخها لتوسع خياراتها ولتؤكد حاجة الشعوب والدول في المنطقة والعالم إليها، وإذ بها تضيق خياراتها بل تعدمها بعد ثلاثة أعوام (وهذا ما يمكن أن يُستشف من خطاب نتنياهو في قاعة الأمم المتحدة الأخير، وهو توصيف دقيق أنَّ الصهيونية في مأزق، وأنه لا طريق ولا خيار أمامها إلا بتحقيق انتصار!!)، كما أنها ليست قادرة على الحسم.

الهيمنة الأمريكية يمكن أن تتراجع وتعود أمريكا إلى قارتها كإحدى القوى الكبرى، أما إسرائيل فإن تصدع أيٍّ من ركيزتي أمنها يعني نهاية مشروعها وانهياره التام

في الماضي نظرت أمريكا وقوى الهيمنة لإسرائيل كسياسة من سياساتها فنجحت، وليس ككيان نهائي جامد أي ليس كدولة، أي نجحت هذه القوى عندما نظرت إلى الكيان كوظيفة فقط، فكانت أقدر على المناورة والمرونة وتقليب السياسات بما يمد الكيان بأسباب الاستمرار. كانت ترى في مصلحتها مصلحةً لإسرائيل كما يذكر بريجنسكي، أما حين تحول الفهم عندها لتحويل الكيان إلى واقع جامد متوسع، بدت الأمور معقدة ونتائجها طاردة لمصالح شعوبها.

سيحتم ذلك أن تعتمد إسرائيل على نفسها أكثر من اعتمادها على العامل الخارجي، وهو ما بدأنا نراه في الخطاب أكثر مما مضى بكثير، بدأ يُلمس أنَّ عمود الخارج يتآكل. لكن الاعتماد على الذات يتطلب مشروعية قوية داخلياً وتماسكاً، ويتطلب بيئة آمنة نسبياً للإعداد والبناء، ويتطلب ثقة مجتمع بقيادته، ويتطلب جاهزية نفسية لحرب مائة عام واستمرار التوتر والقلق نتيجة تصادم دائم مع المحيط والعالم! لذلك يمكن اعتبار هذا العام، أي عام 2027، عام تحديد مستقبل الكيان الصهيوني بكل ما للكلمة من معنى، فهو الذي يحمل الـ "vector" أو الاتجاه الاستراتيجي لمستقبله.

عمود أمنه الذاتي صار أكبر تحدٍّ له وصار معيِقاً ذاتياً، لا سيما بعدما فقد سردية الضحية ونموذج "الديمقراطية" ولو شكلاً، وفقد المرونة والتكيف وتنعيم الزوايا الحادة مع العالم، ووضع نفسه في صراع مرهق مع الكل (خطاب نتنياهو يؤكد على انفعال وقلق، إذ قال إن اليهود في مواجهة الكل في العالم)، لكن لا قدرة له الإنجاز بلا دعم مطلق من الخارج؛ الذي بدوره تآكل نفوذه وهيبته ويتراجع بحدة.

إسرائيل خسرت طريق التفاوض المسمى "السلام" عندما قُدِم لها على طبق من ذهب، ولا تُرى كسبت طريق الحرب بعد تصدي جبهة المقاومة بقيادة إيران لأكبر جولة في التاريخ معها

وفي الختام يهمنا أن نذكر أن الهيمنة الأمريكية يمكن أن تتراجع وتعود أمريكا إلى قارتها كإحدى القوى الكبرى، أما إسرائيل فإن تصدع أيٍّ من ركيزتي أمنها يعني نهاية مشروعها وانهياره التام.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)