في الخامسة والثمانين من عمره، يقضي الشيخ
راشد
الغنوشي أيامه خلف جدران السجن، فيما يتردد صدى الأخبار عن تدهور حالته
الصحية بين قلق أنصاره وصمت خصومه. وليس من الضروري أن يكون المرء من أنصار الرجل
أو من معجبيه حتى يدرك أن صورة شيخ تجاوز الثمانين، يواجه المرض في زنزانة، تحمل
دلالة إنسانية تتجاوز الحسابات الحزبية. فالدول تُقاس، في نهاية المطاف، بكيفية
تعاملها مع خصومها، لا مع مؤيديها، وبقدرتها على الفصل بين الخصومة السياسية
وكرامة الإنسان.
عرف التاريخ العربي والإسلامي، بل والتاريخ
الإنساني كله، نماذج كثيرة لحكام ظنوا أن السجن يطوي صفحة خصومهم، فإذا بالزنازين
تتحول إلى صفحات جديدة في كتب التاريخ. ولم يكن الزمن يوماً حليف السلطة المطلقة،
لأن السلطة تملك أدوات الإكراه، لكنها لا تستطيع مصادرة الذاكرة ولا إلغاء الأسئلة
التي تدفع الشعوب إلى المطالبة بالتغيير.
يبقى مشهد الشيخ المريض في سجنه أكثر من مجرد صورة شخصية؛ إنه مرآة لمرحلة تونسية كاملة. فقد كانت تونس، قبل سنوات قليلة، توصف بأنها الاستثناء الديمقراطي العربي، ثم أصبحت مثالاً على هشاشة المكاسب السياسية عندما تغيب التوافقات وتتراجع المؤسسات.
في
تونس، وبعد خمسة أعوام من الإجراءات
الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد، تبدو البلاد وكأنها تدور في حلقة
مفرغة. فقد وعدت مرحلة تركيز السلطات في يد الرئيس بإصلاح الدولة ومحاربة الفساد
وإنقاذ الاقتصاد، لكن التونسيين ما زالوا يواجهون أزمات معيشية خانقة، بينما تقلصت
المساحات السياسية والإعلامية، واتسعت دائرة الملاحقات القضائية التي طالت شخصيات
من اتجاهات مختلفة، من الإسلاميين إلى العلمانيين، ومن رجال الأعمال إلى الصحفيين.
في هذا السياق، يبرز أحمد نجيب الشابي،
السياسي المخضرم الذي قضى عقوداً في معارضة نظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن
علي، بوصفه أحد الوجوه التي تحاول إعادة جمع أطراف المعارضة حول مطلب واحد:
استعادة الحياة السياسية الطبيعية وإعادة الاعتبار للمؤسسات والانتخابات
والتعددية. قد يختلف كثيرون مع الشابي في مواقفه أو تقديراته، لكن حضوره يعكس
حقيقة أعمق، وهي أن جزءاً معتبراً من المجتمع التونسي لم يعد يرى في استمرار الوضع
القائم طريقاً للخروج من الأزمة.
ولا تبدو هذه المطالب مجرد صراع بين شخصيات
سياسية، بل هي تعبير عن أزمة أوسع تتعلق بمستقبل الدولة نفسها. فالديمقراطية ليست
مجرد صندوق اقتراع، كما أن الاستقرار ليس مجرد غياب للمظاهرات. الاستقرار الحقيقي
هو وجود عقد سياسي يشعر فيه المواطن بأن صوته مؤثر، وأن القانون يحمي دم الجميع،
وأن تداول السلطة ليس خطراً على الدولة، بل ضمانة لاستمرارها.
وسط هذا المشهد، جاء تصريح الرئيس الجزائري
عبد المجيد تبون، الذي أعلن أن الجزائر لن تقبل بأي استهداف لتونس، وأنها تعتبر
أمنها جزءاً من أمنها القومي، محذراً من الإرهاب وكل من يحاول المساس باستقرارها.
ومن الطبيعي أن تنظر الجزائر إلى استقرار جارتها باعتباره مصلحة استراتيجية،
فالجغرافيا تفرض على الدول حسابات الأمن القومي.
غير أن استدعاء ملف الإرهاب في مثل هذه
اللحظات يثير أسئلة لا يمكن تجاهلها. فمنذ عقود، تحول الإرهاب في المنطقة العربية
إلى الورقة الأكثر حضوراً كلما واجهت الأنظمة أزمات سياسية داخلية أو مطالب
متصاعدة بالإصلاح. وليس المقصود هنا التقليل من خطر الإرهاب الحقيقي، فهو خطر أودى
بحياة آلاف الأبرياء، وإنما الإشارة إلى أن هذا الملف استُخدم، في أحيان كثيرة،
لتوسيع دائرة الاشتباه، ولإضفاء الشرعية على تقييد الحريات وتأجيل الإصلاحات.
هنا تبرز مفارقة تستحق التأمل. فالسياسة
الخارجية الجزائرية طالما قدمت نفسها، منذ الاستقلال، على أنها تقوم على مبدأ ثابت
هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها. غير أن الخطاب السياسي،
في أحيان كثيرة، يبدو أقل انسجاماً مع هذا المبدأ. ففي الحالة التونسية، جاء موقف
الرئيس عبد المجيد تبون محملاً برسائل سياسية تتجاوز مجرد التعبير عن القلق على
استقرار دولة شقيقة، ليعكس انحيازاً واضحاً إلى السلطة القائمة في مواجهة خصومها.
الأوطان لا تنتصر عندما يهزم فريقٌ فريقاً آخر، بل عندما تجد طريقاً للمصالحة بين الدولة والحرية، وبين الأمن والعدالة، وبين هيبة السلطة وكرامة الإنسان. أما السجون، مهما امتلأت، فلم تكن يوماً بديلاً عن السياسة، ولم يكن المرض الذي ينهك جسد شيخ في الخامسة والثمانين علاجاً لأزمة وطن يبحث، منذ سنوات، عن أفق جديد.
أما في العلاقة مع المغرب، فإن الصورة تبدو
أكثر وضوحاً؛ إذ يصعب على المتابع أن يجد يوماً تخلو فيه وسائل إعلام جزائرية
رسمية أو قريبة من السلطة من مواد ناقدة أو حملات إعلامية حادة ضد الرباط. وهذه
المفارقة تطرح سؤالاً مشروعاً: هل يظل مبدأ عدم التدخل قائماً عندما يتعلق الأمر
بالدول التي تتقاطع مع خيارات السلطة الجزائرية، أم أنه يتحول إلى مبدأ انتقائي
يخضع لحسابات
السياسة والإقليم أكثر مما يخضع لثوابت الدبلوماسية؟
لقد شهدت المنطقة، من الجزائر إلى مصر، ومن
سوريا إلى غيرها، كيف أصبح شعار "الحرب على الإرهاب" عنواناً واسعاً
يختلط فيه الأمني بالسياسي، فيصير المعارض مشروع متهم، ويصبح الاختلاف مدعاة
للريبة، وتغدو المطالبة بالتغيير قابلة لأن تُفسر باعتبارها تهديداً للاستقرار.
وفي كثير من الحالات، لم يؤد هذا النهج إلى إنهاء الأزمات، بل إلى تأجيل انفجارها
أو تعقيدها.
إن حماية الدولة من الإرهاب واجب لا جدال
فيه، لكن حماية الدولة لا تكون بإغلاق المجال العام، وإنما بتوسيعه. فالمجتمعات
التي تجد قنوات سلمية للتعبير عن مطالبها أقل عرضة للعنف من المجتمعات التي تُغلق
فيها أبواب السياسة، ولا يبقى أمام الناس سوى اليأس أو الصمت أو الانفجار.
يبقى مشهد الشيخ المريض في سجنه أكثر من
مجرد صورة شخصية؛ إنه مرآة لمرحلة تونسية كاملة. فقد كانت تونس، قبل سنوات قليلة،
توصف بأنها الاستثناء الديمقراطي العربي، ثم أصبحت مثالاً على هشاشة المكاسب
السياسية عندما تغيب التوافقات وتتراجع المؤسسات.
ولعل التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تنتصر
عندما يهزم فريقٌ فريقاً آخر، بل عندما تجد طريقاً للمصالحة بين الدولة والحرية،
وبين الأمن والعدالة، وبين هيبة السلطة وكرامة الإنسان. أما السجون، مهما امتلأت،
فلم تكن يوماً بديلاً عن السياسة، ولم يكن المرض الذي ينهك جسد شيخ في الخامسة
والثمانين علاجاً لأزمة وطن يبحث، منذ سنوات، عن أفق جديد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.