حين تختار
دمشق أن تعود إلى المشهد العربي
عبر
الشعر، فإنها لا تستعيد مهرجانا ثقافيا فحسب، بل تحاول أن تستعيد جزءا من
صورتها التي طالما ارتبطت بالقصيدة العربية. فهذه المدينة لم تكن مجرد عاصمة
سياسية عبر التاريخ، بل كانت واحدة من أهم العواصم التي تشكل فيها الوجدان الثقافي
العربي، ومنها انطلقت أصوات شعرية تركت أثرا لا يمحى في تاريخ الأدب.
من هنا، تكتسب الدورة الأولى من "
مهرجان
الشعر العربي"، الذي تنظمه وزارة الثقافة السورية، أهمية تتجاوز البرنامج
الثقافي نفسه. فالمهرجان يأتي بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة، وكأنه إعلان بأن
دمشق تريد أن تستعيد مكانها الطبيعي في الحياة الثقافية العربية، وأن تبدأ من
الكلمة، لا من الشعارات.
دمشق ليست بحاجة إلى صناعة مجد شعري جديد بقدر ما هي بحاجة إلى استعادة مجدها القديم. فمن هذه المدينة خرج نزار قباني، الذي جعل دمشق معشوقته الأبدية، حتى غدت قصائده مرادفا للياسمين والحنين والبيت الأول. ومنها أيضا محمد الماغوط، الذي منح القصيدة العربية الحديثة لغتها الساخرة والموجوعة، وأدونيس الذي أعاد تشكيل البنية الفكرية والجمالية للشعر العربي المعاصر، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وسليمان العيسى، وغيرهم من الأسماء التي جعلت من سوريا إحدى أهم مدارس الشعر العربي في العصر الحديث.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملها حفل
الافتتاح تمثلت في إعلان وزير الثقافة محمد ياسين الصالح تكريم مجموعة من الأسماء
العربية الوازنة، في مقدمتها الشاعر اللبناني شوقي بزيع، تقديرا لموقفه الرافض
لجرائم النظام السوري السابق، والناقد السوري خلدون الشمعة، الذي يعود إلى دمشق
مكرما بعد نحو نصف قرن من المنفى، والناقد السعودي عبد الله الغذامي، أحد أبرز
المجددين في النقد العربي، إلى جانب الشاعرة الكويتية الشيخة سعاد الصباح، والباحث
القطري حسن النعمة، والشاعر الكويتي مشعل الزعبي، والأديب علي المسعودي. وهي أسماء
تعكس رغبة في إعادة وصل دمشق بمحيطها العربي الثقافي، بعيدا عن سنوات القطيعة التي
فرضتها السياسة.
كما يحمل الإعلان عن إطلاق "جائزة
البردة الشامية" للمديح النبوي، و"جائزة السيف الدمشقي للشعر العربي"،
دلالة تتجاوز الجوائز نفسها، إذ يحاول ربط المستقبل الثقافي لسوريا برمزية دمشق
التاريخية، المدينة التي كانت على مدى قرون ملتقى للعلماء والشعراء والفقهاء
والمبدعين.
غير أن دمشق ليست بحاجة إلى صناعة مجد شعري
جديد بقدر ما هي بحاجة إلى استعادة مجدها القديم. فمن هذه المدينة خرج نزار قباني،
الذي جعل دمشق معشوقته الأبدية، حتى غدت قصائده مرادفا للياسمين والحنين والبيت
الأول. ومنها أيضا محمد الماغوط، الذي منح القصيدة العربية الحديثة لغتها الساخرة
والموجوعة، وأدونيس الذي أعاد تشكيل البنية الفكرية والجمالية للشعر العربي
المعاصر، وعمر أبو ريشة، وبدوي الجبل، وسليمان العيسى، وغيرهم من الأسماء التي
جعلت من سوريا إحدى أهم مدارس الشعر العربي في العصر الحديث.
ولعل من المفارقات الجميلة أن وزير الثقافة
الحالي نفسه، محمد ياسين الصالح، يأتي من عالم الشعر واللغة، قبل أن يدخل العمل
العام. وهذه ليست مجرد سيرة ذاتية، بل قد تكون مؤشرا إلى إدراك أن الثقافة لا
تُدار بمنطق الإدارة وحده، وإنما أيضا بحساسية الشاعر، الذي يعرف أن بناء الإنسان
يبدأ بالكلمة، وأن استعادة صورة دمشق تمر عبر الثقافة بقدر ما تمر عبر السياسة
والاقتصاد.
لكن قيمة هذا المهرجان لن تُقاس بعدد
الأمسيات الشعرية ولا بعدد الضيوف، بل بما إذا كان سيؤسس لحياة ثقافية حقيقية تتسع
لجميع الأصوات. فالثقافة لا تزدهر بالمهرجانات وحدها، وإنما بحرية التعبير،
واستقلال المؤسسات الثقافية، وتشجيع الإبداع، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة،
وإعادة بناء الجسور مع المثقفين السوريين الذين فرقتهم المنافي والحروب.
علمتنا دمشق، عبر تاريخها، أن الشعر لا يعيش في القصور، بل في وجدان الناس. وأن القصيدة الصادقة تستطيع أن تعبر الأزمنة، بينما تذبل الخطابات السياسية مهما علت أصواتها.
وأعترف أن هذا المهرجان يحمل بالنسبة إليّ
معنى شخصيا يتجاوز الخبر الثقافي. فقد عشت في دمشق سنوات من عقد التسعينيات، وكانت
المدينة بالنسبة إلي أكثر من مكان للإقامة؛ كانت فضاء يوميا للمعرفة واللقاءات
الأدبية. كنت أتردد على اتحاد الكتّاب العرب، وألتقي شعراء ونقادا ومثقفين، وأتابع
عن قرب كيف كانت القصيدة تُكتب وتُناقش، حتى في ظل قبضة حزب البعث ورقابته
الثقيلة. يومها، كانت السياسة تضيق بالمجال العام، لكن الشعر ظل يجد منافذه، وكانت
القصيدة تنجح أحيانا في قول ما تعجز السياسة عن قوله.
ومن الذكريات التي لا تزال عالقة في ذهني
مشاركتي ضمن وفد رسمي في الاحتفاء بإصدار "معجم البابطين للشعراء العرب
المعاصرين"، المشروع الثقافي الكبير الذي أطلقته مؤسسة عبد العزيز سعود
البابطين في الكويت، وكان مناسبة جمعت شعراء ونقادا من مختلف أنحاء الوطن العربي.
يومها شعرت أن دمشق، رغم القيود السياسية، كانت لا تزال تحتفظ بشيء من دورها
بوصفها ملتقى للثقافة العربية، وأن الشعر ظل أحد آخر الحقول التي حافظت على نبض
الحياة.
لذلك، وأنا أتابع اليوم انطلاق مهرجان الشعر
العربي الأول، لا أستطيع أن أفصل بين دمشق التي عرفتها ودمشق التي تحاول أن تولد
من جديد. المدينة التي ظل شعراؤها يكتبون تحت الرقابة، تستحق اليوم أن يكتبوا فيها
بلا خوف. والمدينة التي احتضنت القصيدة العربية لعقود طويلة، تستحق أن تستعيد
مكانتها من خلال ثقافة حرة، لا بوصفها زينة للمشهد العام، بل باعتبارها شرطا من
شروط نهضة المجتمع.
لقد علمتنا دمشق، عبر تاريخها، أن الشعر لا
يعيش في القصور، بل في وجدان الناس. وأن القصيدة الصادقة تستطيع أن تعبر الأزمنة،
بينما تذبل الخطابات السياسية مهما علت أصواتها. وإذا كان لهذا المهرجان أن ينجح،
فإن نجاحه الحقيقي لن يكون في تنظيم أمسية أو منح جائزة، بل في أن يعيد إلى دمشق
صورتها التي أحبها العرب جميعا: مدينة تكتب القصيدة قبل أن تحتفل بها، وتصنع
الثقافة قبل أن تتحدث عنها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.