كيف أصبح العشق من طرف واحد سياسةً عربية؟!

طارق الزمر
"بعض الأنظمة العربية تنظر إلى الغرب بوصفه مصدر الشرعية الدولية، وضامن البقاء"- الجامعة العربية
"بعض الأنظمة العربية تنظر إلى الغرب بوصفه مصدر الشرعية الدولية، وضامن البقاء"- الجامعة العربية
شارك الخبر
في إحدى ندوات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية خلال تسعينيات القرن الماضي، علّق وزير الدولة للشؤون الخارجية آنذاك، على اتهام الإسلاميين والماركسيين للدولة المصرية بالعمالة للغرب، قائلاً في سخرية كاشفة: "طب وإحنا طايلين!". كانت العبارة عابرة في ظاهرها، لكنها اختزلت مأساة سياسية كاملة، حيث تقدم أنظمة عربية للغرب ما تظنه دليلاً على الولاء، ثم تكتشف أنها لم تحصل في المقابل على الشراكة أو الحماية أو الثقة أو حتى الاعتراف الكامل بأنها جزء من منظومته.

هذه ليست مجرد علاقة تبعية تقليدية بين طرف قوي وآخر ضعيف، بل هي أقرب إلى عشق سياسي من طرف واحد. فبعض الأنظمة العربية تنظر إلى الغرب بوصفه مصدر الشرعية الدولية، وضامن البقاء، وبوابة التمويل والتكنولوجيا والمكانة، بينما ينظر إليها الغرب غالباً بوصفها أدوات وظيفية مؤقتة، تُستخدم ما دامت قادرة على حفظ المصالح، وضبط المجتمعات، وتأمين الممرات، وحماية إسرائيل، ثم يمكن الضغط عليها أو التخلي عنها متى تغيرت الحسابات.

كان الخلل في الانتقال من العلاقة إلى الارتهان، ومن تبادل المصالح إلى طلب الرضا، ومن الاستفادة من القوة الغربية إلى إعادة تعريف المصالح الوطنية وفق أولوياتها

لقد سعت قطاعات واسعة من النخب الحاكمة منذ عقود إلى إثبات أهليتها للقبول الغربي؛ أعادت صياغة سياساتها الخارجية، وفتحت اقتصاداتها وفق وصفات المؤسسات الدولية، وضيقت المجال السياسي بذريعة الاستقرار، وقدمت نفسها حائط صد أمام الإسلاميين والهجرة والفوضى. ومع ذلك لم تنتقل العلاقة من مستوى الاستخدام إلى مستوى الشراكة المتكافئة، لأن الغرب لم يتعامل معها يوماً باعتبارها امتداداً حضارياً له، بل باعتبارها ترتيبات محلية لإدارة منطقة ذات أهمية استراتيجية.

وهنا تكمن المفارقة، فالأنظمة التي خاصمت شعوبها طلباً لرضا الخارج لم تحصل على رضا الخارج ولا على ثقة الداخل، وحين ضحت باستقلالها السياسي بحثاً عن الحماية، أصبحت أكثر هشاشة؛ لأن من يربط أمنه بإرادة قوة أخرى يظل مهدداً بتغير أولوياتها. وقد أثبتت تجارب عديدة أن التحالفات الغربية لا تحمي الأنظمة لذاتها، وإنما تحمي الوظائف التي تؤديها. فإذا أصبح النظام عبئاً، أو ظهر بديل أكثر قدرة على خدمة المصالح نفسها، تحولت الحماية إلى ضغط، والمساندة إلى مساومة، والصمت عن الانتهاكات إلى حديث مفاجئ عن الحقوق والإصلاح.

لم يكن الخلل في إقامة علاقات قوية مع الغرب، فالدول الرشيدة لا تعيش معزولة ولا تدير سياستها الخارجية بمنطق الخصومة الدائمة، وإنما كان الخلل في الانتقال من العلاقة إلى الارتهان، ومن تبادل المصالح إلى طلب الرضا، ومن الاستفادة من القوة الغربية إلى إعادة تعريف المصالح الوطنية وفق أولوياتها. فهناك فارق جوهري بين دولة تتعاون مع الغرب وهي تعرف ما تريد، ونظام يرى العالم بعيني الغرب ويحاكم مجتمعه وفق مخاوفه.

وقد أسهم هذا الارتهان في تشكيل مفهوم مشوه للاستقرار، فبدل أن يكون الاستقرار ثمرة للعدل والمشاركة السياسية والثقة العامة، أصبح يعني قدرة النظام على منع التغيير وحماية المصالح الأجنبية، وبدل أن تُقاس كفاءة الدولة بقدرتها على التنمية والاستقلال والدفاع عن مواطنيها، أصبحت تُقاس بقدرتها على ضبط الحدود، وتأمين الاستثمارات، والوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين، ومنع القوى الشعبية من الوصول إلى المجال العام.

بل إن بعض الأنظمة بالغت في تقديم نفسها للغرب حتى تبنت معاركه الفكرية والأمنية داخل مجتمعاتها. فجرى التعامل مع الهوية الإسلامية باعتبارها مصدر تهديد، ومع الإرادة الشعبية باعتبارها خطراً، ومع القوى الوطنية المستقلة باعتبارها عبئاً على العلاقات الدولية. وهكذا تحولت الدولة من أداة لحماية المجتمع إلى وسيط بين الخارج والداخل، يشرح لشعبه ضرورات السياسات الدولية أكثر مما يدافع أمام العالم عن مصالح شعبه.

ومع ذلك لم يمنح الغرب هذه الأنظمة العضوية الكاملة في ناديه، فقد بقيت الديمقراطية قيمة مطلوبة منها حين تخدم الضغط السياسي، ومؤجلة حين تنتج قوى لا يرضى عنها، وظلت حقوق الإنسان ملفاً يُفتح ويُغلق وفق المصالح. أما القانون الدولي، فقد بدا في غزة وفلسطين أكثر الأدلة وضوحاً على أن المبادئ الغربية لا تعمل عمدا حين يتعلق الأمر بحليفها الإسرائيلي.

وهذا ما يفسر عمق المرارة التي تحملها عبارة "وإحنا طايلين!"، فهي لا تعبر فقط عن فشل محاولة التقرب من الغرب، بل عن سوء فهم لطبيعة النظام الدولي. فالدول الكبرى لا تمنح الاحترام لمن يطلبه بالتنازل، وإنما لمن يفرضه بالقوة والكفاءة والاستقلال، ولا تبني شراكات متكافئة مع أنظمة لا تستند إلى شعوبها؛ لأنها تعلم أن الطرف الذي لا يملك شرعية داخلية لا يستطيع أن يكون شريكاً مستقلاً في الخارج.

إن الغرب لا يعيب على الأنظمة العربية ضعفها ما دامت تخدم مصالحه، لكنه لا يحترمها بسبب هذا الضعف، وقد يدعم بقاءها، لكنه لا يسمح لها بامتلاك عناصر القوة التي تجعلها قادرة على الاستقلال. فهو يريد منها الاستقرار دون السيادة، والتنمية دون امتلاك التكنولوجيا الحاكمة، والجيوش دون قرار استراتيجي مستقل، والعلاقات الدولية دون الخروج على الخطوط المرسومة.

آن للسياسة العربية أن تغادر مرحلة السؤال المرير: "هل نحن مقبولون في الغرب؟" إلى السؤال الصحيح: "كيف نبني دولاً تحترمها القوى الكبرى لأنها لا تستطيع تجاوزها؟"

ولذلك فإن الخروج من هذا العشق السياسي غير المتبادل لا يكون بإعلان العداء للغرب، ولا بالانسحاب من العالم، بل بإعادة بناء العلاقة على أساس المصالح المتوازنة. وهذا يبدأ من الداخل؛ من دولة تستمد شرعيتها من شعبها، وتبني اقتصاداً منتجاً، وتستثمر في العلم والتكنولوجيا، وتنويع شراكاتها الدولية، وتملك القدرة على قول "نعم" حين تتفق المصالح و"لا" حين تتعارض.

فالاستقلال لا يعني القطيعة، كما أن التعاون لا يعني التبعية. والدولة الواثقة لا تبحث عن شهادة قبول من عاصمة أجنبية، لأنها تعرف أن احترام الخارج يبدأ من احترامها لنفسها ولمواطنيها. أما النظام الذي يطارد الرضا الغربي على حساب شعبه، فإنه يخسر الطرفين معاً، فلا الغرب يعتبره شريكاً كاملاً، ولا المجتمع يراه ممثلاً لإرادته.

لقد آن للسياسة العربية أن تغادر مرحلة السؤال المرير: "هل نحن مقبولون في الغرب؟" إلى السؤال الصحيح: "كيف نبني دولاً تحترمها القوى الكبرى لأنها لا تستطيع تجاوزها؟". فالفرق بين التابع والشريك ليس مقدار ما يقدمه كل منهما للآخر، بل قدرة كل طرف على الاستغناء، والتفاوض، وحماية مصالحه.

وفي النهاية، لم تكن مأساة بعض الأنظمة العربية أنها أحبت الغرب، بل أنها أحبته أكثر مما أحبت استقلالها، ووثقت بحمايته أكثر مما وثقت بشعوبها، وانتظرت منه اعترافاً لا يمنحه إلا لمن يملك القوة. ولذلك بقي العشق من طرف واحد، وبقي السؤال الساخر قائماً بعد عقود: قدمنا الكثير طلباً للقبول، فماذا نلنا؟!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)