الإفراج
عن الشاعر عبد الرحمن يوسف
القرضاوي ليس خبراً شخصياً يخصه وأسرته ومحبيه فحسب،
وإنما يحمل دلالة سياسية وإنسانية أوسع تستحق أن نتوقف عندها، وأن نقرأها بعيداً
عن منطق الخصومات القديمة. فقد انتهت الأزمة بقرار
عفو إماراتي، بعد جهود ووساطات
مكثفة، كان للدولة التركية والرئيس رجب طيب
أردوغان فيها دور بارز منذ بداية
القضية.
وأول ما
ينبغي أن يقال هنا هو التهنئة لعبد الرحمن وأسرته وعائلة القرضاوي ومحبيه بسلامته
وعودته إلى أهله وحياته. فالحرية لا يعرف قيمتها كاملة إلا من افتقدها، ولا يعرف
وقع خبر الإفراج إلا من عاش انتظار الأبواب المغلقة وترقب اللحظة التي يعود فيها
الإنسان إلى أهله. ومن هنا فإن سلامته تستحق الفرح قبل أي قراءة سياسية، ويستحق كل
من أسهم في الوصول إلى هذه النهاية الطيبة الشكر والتقدير.
ويأتي في
مقدمة من يستحقون الشكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي لا يزال يدهشنا
بتكوينه الفريد، واهتماماته الإنسانية النبيلة، فضلاً عن قيادته المبهرة وقدرته
على الجمع بين قوة الدولة وحضور البعد الإنساني في السياسة. وقد حرص عبد الرحمن
نفسه على توجيه الشكر إليه، وإلى مؤسسات الجمهورية التركية ووزارة الخارجية
والأجهزة المعنية، لما بذلته من جهود لإنهاء الأزمة. وليس المقصود تحويل المناسبة
إلى مديح سياسي مجرد، وإنما إبراز قيمة نحن أحوج ما نكون إليها: أن يكون للإنسان
وزن حقيقي في حسابات الدولة، وأن تتحرك السياسة دفاعاً عن كرامته وحريته حين
تصبحان على المحك.
هل يمكن أن يصبح إنهاء الخصومات السياسية، وإطلاق السجناء، وإعادة الاعتبار للحوار والتسويات، اتجاهاً عربياً جديداً بدل أن يظل استثناءً تفرضه ظروف كل حالة؟
إن الدول
لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو جيشها أو نفوذها، وإنما أيضاً بمقدار ما تشعر أن
مواطنيها والمقيمين فيها ومن يرتبطون بها ليسوا مجرد أرقام يمكن التخلي عنها عند
الأزمات. وحين تستخدم القيادة السياسية وزن الدولة وعلاقاتها كي تنقذ إنساناً من
مصير قاس، فإنها تعيد إلى السياسة بعض معناها الأخلاقي، وتقول للناس إن الدولة
ليست فقط جهازاً للسلطة، وإنما مظلة للحماية والرعاية وصيانة الكرامة.
وهذا هو
المعنى الأهم في تجربة عبد الرحمن. فالرئيس أردوغان لم يتعامل مع المسألة
باعتبارها ملفاً عابراً أو قضية يمكن أن تضيع وسط تعقيدات العلاقات الإقليمية،
وإنما ظل حاضراً في متابعتها حتى انتهت إلى الإفراج. وهذه الروح هي التي تستحق أن
تتحول إلى جزء من ثقافة الحكم في منطقتنا؛ فمكانة الإنسان لا ينبغي أن تتراجع أمام
حسابات السياسة، بل إن إحدى وظائف السياسة الرشيدة هي أن تسخر ما تملكه الدولة من
علاقات ونفوذ لحماية الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته.
لكن
الدلالة الأوسع لهذه القضية تتجاوز عبد الرحمن نفسه، وتتجاوز الدول التي شاركت في
حلها. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: هل يمكن أن يصبح إنهاء الخصومات السياسية،
وإطلاق السجناء، وإعادة الاعتبار للحوار والتسويات، اتجاهاً عربياً جديداً بدل أن
يظل استثناءً تفرضه ظروف كل حالة؟
لقد أنهكت
منطقتنا عقود من الصراع السياسي الذي تحولت فيه الخصومة في أحيان كثيرة إلى إقصاء،
وتحول الاختلاف إلى تجريم، وأصبحت السجون وسيلة معتادة لإدارة خلافات كان يمكن أن
تبقى داخل المجال السياسي والقانوني. وكانت النتيجة مجتمعات مثقلة بالجراح، ودولاً
استهلكت جانباً كبيراً من طاقتها في مواجهة أبنائها بدلاً من توجيه طاقاتها إلى
التنمية وبناء المستقبل.
نحن في
مرحلة تاريخية فاصلة؛ المنطقة تمر بتحولات عميقة، والخرائط السياسية والتحالفات
والأولويات تتغير، ولا يمكن للعالم العربي أن يدخل المستقبل وهو يحمل فوق ظهره
مخزوناً متراكماً من الثارات السياسية والمعتقلين والمطاردين والخصومات الممتدة
لعقود. الدول التي تريد أن تكون قوية في المرحلة القادمة تحتاج إلى مجتمعات
متماسكة، وإلى قدرة على استيعاب الاختلاف، وإلى شجاعة سياسية تسمح بإغلاق ملفات
الماضي حين تكون كلفة استمرارها أكبر من أي مكسب متوهم.
ومن هنا
فإن الرسالة التي ينبغي أن نستخلصها من هذه الواقعة لا تتعلق بالعفو عن شخص واحد،
مهما كانت أهميته، بل بضرورة مراجعة فلسفة إدارة الخلاف السياسي في منطقتنا كلها.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن الدولة لا تصبح أقوى بكثرة سجناء الرأي، ولا أكثر
استقراراً بإسكات معارضيها، ولا أكثر هيبة بإطالة الخصومات مع أبنائها. القوة
الحقيقية هي قدرة الدولة على احتواء الاختلاف داخل نظام دستوري وقانوني يسمح للناس
بأن يختلفوا دون أن يتحول الخلاف إلى حرب أو سجن أو منفى.
المصالحة
هنا لا تعني إلغاء الخلاف، ولا مطالبة أحد بالتخلي عن أفكاره، ولا تزوير التاريخ،
بل تعني الانتقال من إدارة الخلاف بالعقاب والإقصاء إلى إدارته بالقانون والسياسة
والحوار. وهي نقلة تحتاجها كل بلاد العرب تقريباً، بدرجات مختلفة.
منطقتنا لا تحتاج اليوم إلى مزيد من السجون، وإنما إلى مزيد من الحكمة؛ ولا إلى إطالة أعمار الأزمات، وإنما إلى قادة يملكون الشجاعة كي ينهوا ما يمكن إنهاؤه، ويردوا للإنسان مكانته، ويضعوا الكرامة مرة أخرى في قلب السياسة
ولعل في
هذه الواقعة رسالة مزدوجة ينبغي الاحتفاظ بها: رسالة إلى الحكومات بأن فتح الأبواب
قد يكون أحياناً أكثر قوة من إحكام إغلاقها، ورسالة إلى المعارضة بأن الاعتراف
بالخطوات الإيجابية لا ينتقص من المواقف ولا المبادئ. فالإنصاف قيمة سياسية قبل أن
يكون فضيلة أخلاقية، ومن لا يستطيع أن يرى الصواب حين يصدر ممن يختلف معه سيجد
صعوبة في بناء وطن يتسع للمختلفين.
كما أن
تجربة عبد الرحمن تعيد طرح سؤال بالغ الأهمية يتعلق بوظيفة العلاقات بين الدول.
فالدبلوماسية لا ينبغي أن تكون فقط لإدارة المصالح الاقتصادية أو العسكرية أو
التحالفات، بل يمكن أن تكون كذلك أداة لحماية الإنسان وتخفيف المعاناة وحل
الأزمات. وحين تنجح الوساطة السياسية في إعادة إنسان إلى أسرته وحريته، فإنها تقدم
نموذجاً لما يمكن أن تصنعه السياسة حين تستعيد معناها الإنساني.
ولهذا
أهنئ عبد الرحمن يوسف القرضاوي وأسرته وعائلة القرضاوي ومحبيه بسلامته، وأخص
بالشكر الرئيس رجب طيب أردوغان والدولة التركية ومؤسساتها على الجهد الذي بذلوه
والمتابعة التي قادت إلى هذه النهاية السعيدة. وأتمنى أن تصبح هذه الواقعة بداية
لا استثناء؛ بداية لروح عربية جديدة تعتبر الكرامة الإنسانية فوق الخصومات، وتعيد
النظر في ملفات السجناء والملاحقين، وتكتشف أن قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها
على العقاب، وإنما في قدرتها كذلك على التسامح واحتواء الاختلاف وفتح الطريق أمام
مستقبل مختلف.
فمنطقتنا
لا تحتاج اليوم إلى مزيد من السجون، وإنما إلى مزيد من الحكمة؛ ولا إلى إطالة
أعمار الأزمات، وإنما إلى قادة يملكون الشجاعة كي ينهوا ما يمكن إنهاؤه، ويردوا
للإنسان مكانته، ويضعوا الكرامة مرة أخرى في قلب السياسة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.