عشر سنوات من إفقار المصريين.. من المسئول؟!

طارق الزمر
"كم مواطناً أصبح فقيراً؟ ومن خرج من الفقر؟ وأين يعيش الأشد احتياجاً"- عربي21
"كم مواطناً أصبح فقيراً؟ ومن خرج من الفقر؟ وأين يعيش الأشد احتياجاً"- عربي21
شارك الخبر
لم يعد الفقر في مصر مجرد مشكلة اجتماعية مزمنة ورثتها الحكومات المتعاقبة، بل أصبح خلال العقد الأخير واحداً من أوضح المؤشرات على خلل النموذج الاقتصادي والسياسي الذي اختار النظام أن يدير به البلاد. فحين يصل الفقر وفق تقديرات البنك الدولي إلى نحو 33.5 في المئة من السكان في 2021/2022، ثم تشير تقديراته إلى زيادة الفقر وفق خط البلدان متوسطة الدخل الأدنى بنحو خمس نقاط مئوية بين 2022 و2024، فإننا لا نتحدث عن جيوب محدودة من الحرمان، بل عن أزمة تمس ملايين الأسر المصرية وتكشف أن مساراً اقتصادياً كاملاً لم ينجح في حماية الطبقات الأضعف.

ولا يستطيع النظام أن يختصر تفسير هذه الكارثة في كورونا، أو الحرب الأوكرانية، أو اضطراب الاقتصاد العالمي. فهذه الأزمات ضربت عشرات الدول، لكن الحكومات تختلف في قدرتها على توزيع الخسائر وحماية المواطنين. الأزمة الخارجية قد تشعل النار، لكن السياسات الداخلية تحدد من يحترق أولاً ومن يملك وسائل النجاة.

خلال سنوات قليلة تلقى المواطن المصري موجات متعاقبة من انخفاض قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل والعلاج والتعليم، بينما لم تستطع الدخول اللحاق بالأسعار. وفي كانون الثاني/يناير 2024 بلغ التضخم العام نحو 29.8 في المئة، بينما وصل تضخم الغذاء إلى 47.9 في المئة. وهذه ليست أرقاماً فنية تخص الاقتصاديين؛ إنها تعني أن الأسرة الفقيرة التي تنفق معظم دخلها على الطعام خسرت في شهور جزءاً هائلاً من قدرتها على إطعام أبنائها.

ندما تخفض الدولة الدعم، وترفع أسعار الطاقة والخدمات، وتحرر سعر الصرف، وتوسع الضرائب والرسوم، بينما تعجز في الوقت نفسه عن حماية القوة الشرائية لمحدودي الدخل، فإنها لا تدير أزمة فقط، بل تعيد توزيع الخسائر باتجاه الطبقات الأضعف

والتضخم أكثر الضرائب ظلماً؛ لأنه لا يسأل المواطن عن قدرته قبل أن يأخذ منه. الغني يستطيع أن يحمي ثروته بالعقار أو الذهب أو العملات الأجنبية، أما الفقير فلا يملك ثروة أصلاً، فيدفع التضخم من غذائه، ومن دوائه، ومن مصروف المدرسة، ومن جودة حياة أطفاله.

وهنا تظهر المسؤولية السياسية للنظام بوضوح، فالمشكلة ليست أنه واجه أزمة واضطر إلى الإصلاح، وإنما في طبيعة الإصلاح الذي اختاره، وفي ترتيب من يدفع فاتورته. فعندما تخفض الدولة الدعم، وترفع أسعار الطاقة والخدمات، وتحرر سعر الصرف، وتوسع الضرائب والرسوم، بينما تعجز في الوقت نفسه عن حماية القوة الشرائية لمحدودي الدخل، فإنها لا تدير أزمة فقط، بل تعيد توزيع الخسائر باتجاه الطبقات الأضعف.

والأخطر أن الدولة تعاملت طويلاً مع الفقر باعتباره ملف مساعدات أكثر منه نتيجة مباشرة لسياسات التشغيل والاستثمار والأجور والإنتاج. ومع اتساع برامج الحماية الاجتماعية، يبقى السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: لماذا يحتاج كل هذا العدد من الأسر إلى الحماية أصلاً؟ فحين تتسع دائرة المحتاجين إلى الدعم، لا يصبح ذلك دليلاً على نجاح اجتماعي بقدر ما يصبح مؤشراً على اتساع الهشاشة التي تحتاج إلى الإنقاذ.

لكن حتى كلمة "الفقراء" تخفي وراءها قاعاً أشد سواداً. فهناك موظف لم يعد راتبه يكفي الشهر، وعامل يومية لا يعرف إن كان سيجد غداً ما يطعمه لأطفاله، وأرملة تعول أسرة بدخل هزيل، ومسن يختار بين الدواء والطعام، ومريض يستنزف العلاج ما تبقى لأسرته، وطفل يخرج من التعليم حتى يساعد أباه. وهناك من يسكنون مناطق شديدة الحرمان، ومن دفعت بعضهم قسوة سوق السكن والفقر إلى العيش في المقابر أو بجوارها. ولا نحتاج إلى رقم مبالغ فيه عن سكان المقابر كي نفهم حجم المأساة؛ يكفي أن توجد أسرة في دولة تتوسع في إنشاء المدن والمجتمعات العمرانية الحديثة ولا تجد لنفسها مكاناً آمناً بين الأحياء، فتبحث عن سقف بجوار الموتى.

هذه ليست مفارقة عمرانية فقط، بل إدانة اجتماعية واضحة. فماذا يعني أن تملك الدولة القدرة على بناء عواصم ومدن ومشروعات ضخمة، بينما يعجز مواطن عن امتلاك غرفة آمنة لأطفاله؟ وماذا يعني أن تقيس الدولة إنجازها بعدد الطرق والكباري والمباني بينما تقيس الأسرة نجاح يومها بعدد الوجبات التي استطاعت توفيرها؟

المشكلة ليست في الطريق ولا في المدينة ولا في المشروع في ذاته، وإنما في فلسفة الأولويات. ففي اقتصاد يعاني قيوداً حادة على الموارد والدين والعملات الأجنبية، يصبح كل جنيه تنفقه الدولة اختياراً سياسياً. وحين تتحمل الأسر زيادات الأسعار والتقشف، يحق لها أن تسأل: هل احتل الإنسان الفقير الموقع نفسه في سلم الأولويات الذي احتله الإسمنت والإنشاء؟

لقد أخطأ النظام حين تعامل مع التنمية بوصفها قدرة على البناء أكثر من كونها قدرة على تحسين حياة البشر. فالتنمية لا تقاس بطول الطريق إذا لم يقد إلى وظيفة، ولا بمبنى المدرسة إذا ظل الفصل مزدحماً، ولا بالوحدة الصحية إذا غاب الطبيب، ولا بمعدل النمو إذا ظل راتب العامل يتراجع أمام أسعار الطعام.

والفقر في مصر له جغرافيا واضحة أيضاً، فما تزال محافظات الصعيد والريف تتحمل نصيباً أكبر من الحرمان، بينما تتفاوت فرص التعليم والعمل والصحة بصورة حادة بين المكان والآخر. وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد موقع إلى حكم مسبق على مستقبل الإنسان.

ولا شيء في تراب الصعيد يحكم على أهله بالفقر، ولا شيء في القاهرة يمنح ساكنها حقاً فطرياً في نصيب أكبر من الاستثمار والخدمات. هذه الفجوات صنعتها عقود من المركزية وتوزيع الموارد والأولويات، وما صنعته السياسة تستطيع سياسة أكثر عدلاً أن تعيد بناءه.

وتزداد مسؤولية النظام حين لا يضع أمام المجتمع صورة حديثة ومفصلة بما يكفي عن الفقر بعد موجات التضخم وخفض العملة. فالدولة التي تطالب الناس بتحمل فاتورة برنامج اقتصادي مطالبة كذلك بأن تكشف لهم حصيلته الاجتماعية: كم مواطناً أصبح فقيراً؟ ومن خرج من الفقر؟ وأين يعيش
إذا كانت دائرة الفقر تتسع، والقوة الشرائية تتآكل، والإنسان يزداد اعتماداً على الإعانة كي يبقى واقفاً، فالمشكلة ليست في صبر المواطن كما يدعون، بل المشكلة في الطريق الذي اختاره النظام
الأشد احتياجاً؟ ويؤكد البنك الدولي نفسه أن الفقر ما يزال مرتفعاً وغير متساوٍ جغرافياً، بينما تظهر قاعدة بيانات الجهاز المركزي وجود مسوح أحدث للدخل والإنفاق، ما يجعل شفافية نشر مؤشرات الفقر التفصيلية ضرورة سياسية لا ترفاً إحصائياً.

إن المسؤولية هنا لا تعني أن الحكومة خلقت كل فقير في مصر، لكنها تعني أنها أدارت خلال عقد كامل سعر العملة، والدين، والدعم، والضرائب، والاستثمار العام، والأجور، والسياسات الاجتماعية، ولذلك لا تستطيع أن تتنصل من النتيجة. فالحكم ليس سلطة بلا حساب، والسياسة الاقتصادية ليست قدَراً منزلاً، وعندما تقود الخيارات نفسها إلى اتساع الحاجة وتآكل الطبقة الوسطى واقتراب المزيد من الأسر من حافة العوز، يصبح النقد واجباً لا مزايدة. لقد صبر الفقراء طويلاً، لكن الصبر لا يمكن أن يتحول إلى بند دائم في الموازنة الاقتصادية للدولة.

والمطلوب ليس مزيداً من المساعدات التي تُبقي الفقير قادراً على الاحتمال، بل تغيير السياسات التي تنتج الفقر أصلاً من خلال أولوية للعمل المنتج، والصناعة والزراعة، والأجور الحقيقية، والتعليم والصحة، وعدالة توزيع الاستثمار بين الأقاليم، وإخضاع المشروعات الكبرى لمعيار الأولوية والعائد الاجتماعي قبل البريق السياسي. فالفقراء لا يريدون من النظام أن يشفق عليهم؛ يريدون منه ألا يصنع بسياساته مزيداً منهم.

وفي النهاية، لا يحتاج تقييم النجاح الاقتصادي إلى عشرات المؤشرات؛ يكفي سؤال واحد شديد البساطة والقسوة وهو بعد عقد كامل من السياسات والتضحيات والقروض والمشروعات، هل أصبح المصري الفقير أكثر قدرة على الحياة أم أقل؟ وإذا كانت دائرة الفقر تتسع، والقوة الشرائية تتآكل، والإنسان يزداد اعتماداً على الإعانة كي يبقى واقفاً، فالمشكلة ليست في صبر المواطن كما يدعون، بل المشكلة في الطريق الذي اختاره النظام.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل