يأتي
العام الهجري 1448 في لحظة تبدو مختلفة عن كثير من اللحظات التي مرت على الأمة
خلال القرن الماضي. فهذه ليست مجرد سنة جديدة تضاف إلى سجل الزمن، بل تكاد تكون
بوابة تاريخية تقف عندها الأمة على مشارف قرن هجري كامل منذ سقوط آخر كيان سياسي
جامع للمسلمين عام 1342هـ-1924م. قرن كامل مضى منذ سقوط
الخلافة العثمانية، شهدت
خلاله الأمة أعنف مراحل التفكك والتجزئة والاحتلال والتبعية وإعادة تشكيل المنطقة
وفق الرؤية الاستعمارية الجديدة.
لكن
اللافت أن هذا القرن يوشك أن ينتهي بينما يشهد العالم والإقليم تحولات عميقة لم
تكن حاضرة عند بدايته، وكأن التاريخ يهيئ المسرح من جديد لطرح السؤال الكبير: هل
كان القرن الماضي قرن الانحدار، أم أنه كان مرحلة انتقالية تسبق طوراً جديداً من
الصعود؟
حين سقطت
الخلافة العثمانية كان العالم الغربي في ذروة صعوده، وكانت الإمبراطوريات
الأوروبية تتقاسم العالم الإسلامي، وكانت فكرة الدولة القومية الحديثة تتقدم على
حساب كل الروابط الإسلامية الأوسع. أما اليوم فإن المشهد مختلف تماماً، فالنظام
الدولي نفسه يدخل مرحلة اضطراب عميقة، والأحادية الأمريكية التي حكمت العالم منذ
نهاية الحرب الباردة لم تعد تبدو بالقوة واليقين نفسيهما، والقوى الصاعدة تفرض
حضورها، والتوازنات التي بدت ثابتة لعقود بدأت تتعرض للاهتزاز.
القرن يوشك أن ينتهي بينما يشهد العالم والإقليم تحولات عميقة لم تكن حاضرة عند بدايته، وكأن التاريخ يهيئ المسرح من جديد لطرح السؤال الكبير: هل كان القرن الماضي قرن الانحدار، أم أنه كان مرحلة انتقالية تسبق طوراً جديداً من الصعود؟
ولعل من
أهم ما كشفت عنه أحداث الأعوام الثلاثة الأخيرة، بدءاً من طوفان الأقصى ووصولاً
إلى الحرب الإيرانية الأخيرة، أن كثيراً من المسلّمات السياسية التي حكمت المنطقة
طوال العقود الماضية لم تعد بالصلابة نفسها. فقد بُني الوعي السياسي العربي
والإسلامي خلال مرحلة طويلة على فكرة أن الهيمنة الأمريكية مطلقة، وأن إسرائيل
تمتلك تفوقاً لا يمكن تحديه، وأن مقاومة هذا الواقع ليست سوى مغامرة خاسرة، وأن
أقصى ما يمكن تحقيقه هو تحسين شروط التكيف مع موازين القوى القائمة.
لكن طوفان
الأقصى جاء ليهز هذه البنية الفكرية من جذورها؛ ليس لأنه غيّر موازين القوى بصورة
حاسمة، بل لأنه أعاد فتح الأسئلة التي جرى إغلاقها مبكراً. ثم اتسعت دائرة
المواجهة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، قبل أن تصل إلى الحرب الإيرانية
الأخيرة التي تحولت إلى اختبار استراتيجي واسع لحدود القوة وحدود الهيمنة معاً.
فالحرب
الأخيرة لم تُسقط الولايات المتحدة، ولم تُنهِ التفوق الإسرائيلي، لكنها كشفت أن
الهيمنة ليست مطلقة كما كان يُعتقد، وكشفت أن العقوبات والحصار والضغوط الهائلة لا
تكفي دائماً لإخضاع الدول وإلغاء قدرتها على الفعل. كما بددت نظرية الأمن
الإسرائيلي، وكشفت أن المشروع الصهيوني، رغم ما يملكه من تفوق عسكري وتكنولوجي
ودعم دولي غير مسبوق، ليس قادراً على حسم الصراعات الكبرى بالسهولة التي روّج لها
طويلاً.
والأهم من
ذلك كله أنها أعادت الاعتبار لسؤال الإرادة، فخلال عقود طويلة لم يكن يجري إقناع
شعوب المنطقة فقط بتفوق خصومها، بل باستحالة التحدي أصلاً. أما اليوم فقد عاد
النقاش من جديد حول إمكان بناء القوة، وإمكان الاستقلال، وإمكان تقليل التبعية
وربما إهانتها، وإمكان امتلاك خيارات أوسع من مجرد الاستسلام أو الانتحار السياسي.
ومن هنا
تكمن القيمة التاريخية لما يجري، فالأمم لا تتغير فقط حين تتغير موازين القوة، بل
حين تتغير الصورة التي تحملها عن نفسها وعن خصومها. وما نشهده اليوم ربما يمثل
بداية تحول في الوعي قبل أن يكون تحولاً في السياسة.
لكن
التاريخ يعلمنا أن النهوض لا يولد من الفراغ، ولا تصنعه العواطف وحدها. فالأمم
التي استعادت مكانتها بعد الهزائم الكبرى لم تفعل ذلك بالشعارات، بل بإعادة بناء
الإنسان والعلم والمؤسسات والاقتصاد والقوة. ولهذا فإن الحديث عن صعود إسلامي جديد
لا ينبغي أن يتحول إلى أُمنية رومانسية، بل إلى مشروع حضاري طويل المدى.
العالم
الإسلامي يمتلك اليوم من المقومات ما لم يكن متاحاً في بدايات القرن الماضي. فهو
يضم ما يقارب ربع سكان العالم، ويمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، وموارد طبيعية
هائلة، وكتلة شبابية ضخمة، وعدداً متزايداً من مراكز العلم والتكنولوجيا والاقتصاد
الصاعد. كما أن التجارب التي مرت بها الأمة خلال القرن الماضي، بما فيها من نجاحات
وإخفاقات، أنتجت خبرة تاريخية وسياسية أعمق من أي وقت مضى.
كما أن
الموقع الجغرافي للعالم الإسلامي يمنحه قيمة استراتيجية استثنائية في النظام
الدولي المعاصر. فالدول الإسلامية لا تمتلك فقط ثروات بشرية وطبيعية ضخمة، بل تشرف
أيضاً على عدد من أهم المضايق والممرات البحرية في العالم، من مضيق هرمز إلى باب
المندب وقناة السويس والبوسفور والدردنيل، فضلاً عن امتداداتها المؤثرة على طرق
التجارة والطاقة العالمية.
وقد أعادت
الحرب الإيرانية الأخيرة تسليط الضوء على هذه الحقيقة حين تحوّل الحديث عن مضيق
هرمز إلى أحد أهم الملفات التي شغلت الأسواق والقوى الكبرى، بما كشف حجم التأثير
الذي يمكن أن تمارسه الجغرافيا الإسلامية في معادلات الاقتصاد والأمن العالميين.
فالعالم الإسلامي لا يقع على هامش الجغرافيا الدولية، بل في قلبها، وما يزال يمتلك
من أوراق القوة الجيوسياسية ما يجعله أحد أكثر الأقاليم تأثيراً في مستقبل النظام
العالمي إذا أحسن توظيف هذه المزايا ضمن مشروع حضاري متكامل.
التاريخ لا يسير في خط مستقيم، وأن قرناً من التراجع لا يلغي قروناً من الحضور، وأن الأمة التي استطاعت البقاء بعد كل ما مرت به زلازل ما تزال قادرة على أن تكتب فصلاً جديداً من تاريخها
وفي
المقابل، فإن خصوم الأمة لم يعودوا في الموقع نفسه الذي كانوا فيه قبل مئة عام.
فالغرب نفسه يواجه أزمات عميقة، وإسرائيل تواجه تحديات وجودية وأمنية متصاعدة،
والنظام الدولي كله يدخل مرحلة إعادة تشكل واسعة.
ولهذا فإن
السؤال الأهم مع مطلع هذا العام الهجري ليس: ماذا خسرنا خلال القرن الماضي؟ بل:
ماذا تعلمنا منه؟ وهل أصبحت الأمة أكثر استعداداً لبناء قرن مختلف؟
ربما لا
يكون من المبالغة القول إن طوفان الأقصى والحروب التي تلته أعادت فتح باب التاريخ
بعد أن ظن كثيرون أنه أُغلق، فقد أعادت طرح أسئلة القوة والاستقلال والتحرر
والسيادة، وأعادت الاعتبار لفكرة أن الأمم ليست محكومة دائماً بالبقاء في الموقع
الذي وصلت إليه.
إن القرن
الذي بدأ بسقوط آخر كيان جامع للمسلمين يوشك أن ينتهي على وقع اضطراب غير مسبوق في
النظام الدولي، واهتزاز في صورة الهيمنة الأمريكية، وتراجع في يقين التفوق
الصهيوني، وعودة متزايدة لأسئلة الهوية والاستقلال والتحرر. وليس بالضرورة أن يعني
ذلك أن الصعود الإسلامي أصبح قريباً أو مضموناً، لكنه يعني أن البيئة الدولية
والإقليمية أصبحت أكثر قابلية لعودته مما كانت عليه في أي وقت منذ عقود.
ومع
إشراقة هذا العام الهجري الجديد، ربما يكون أهم ما تحتاجه الأمة هو الثقة الواعية،
الثقة بأن الأمم لا تُقاس بلحظة ضعف، وأن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، وأن قرناً
من التراجع لا يلغي قروناً من الحضور، وأن الأمة التي استطاعت البقاء بعد كل ما
مرت به زلازل ما تزال قادرة على أن تكتب فصلاً جديداً من تاريخها إذا امتلكت
الرؤية والإرادة وأسباب القوة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.