في كل
مرحلة مفصلية من تاريخ الأمم، تبرز معركة لا تقل خطورة عن معركة الميدان، وهي
معركة الوعي. ففي الوقت الذي كانت فيه الجيوش التقليدية تستهدف الأرض، أصبحت الآلة
الإعلامية الحديثة تستهدف الإنسان، وخصوصا الشخصيات الوطنية التي تشكل مرجعيات
فكرية وسياسية وثقافية لشعوبها. ولم يعد الاغتيال يقتصر على الرصاص أو السجون، بل
امتد إلى حملات التشويه، والافتراء، وصناعة الشائعات، وتلفيق الاتهامات، بهدف
إسقاط
الرموز في أعين جماهيرها قبل إسقاطها في الواقع.
وتتعرض
الشخصيات
العربية والفلسطينية الوطنية، على وجه الخصوص، إلى هذا النوع من
الاستهداف المنظم، لأنها تمثل في كثير من الأحيان ذاكرة الأمة، وصوت القضية،
وعنوان الصمود. فكل شخصية تمتلك حضورا جماهيريا، أو تأثيرا فكريا، أو دورا وطنيا،
تصبح هدفا لحملات تسعى إلى تشويه صورتها، وإضعاف مكانتها، وتحويلها من رمز جامع
إلى مادة للجدل والانقسام.
أخطر ما في هذه الحملات أنها لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف القيم التي يمثلونها
ولا تأتي
هذه الحملات دائما من خصوم الأمة المعلنين، بل قد تتسلل عبر منصات إعلامية، أو
حسابات إلكترونية، أو أفراد يرفعون شعارات الحرية والنقد، بينما يمارسون في
الحقيقة عملية اغتيال ممنهجة للثقة العامة. فالفارق كبير بين النقد المسؤول، الذي
يقوم على الأدلة والموضوعية، وبين حملات التشويه التي تبنى على الاجتزاء،
والتحريف، والتأويل المغرض، وتسريب المعلومات خارج سياقاتها.
إن
الاحتلال
الإسرائيلي، ومن خلفه مؤسسات متخصصة في الحرب النفسية، يدرك تماما أن هدم
الرموز الوطنية أقل تكلفة من مواجهتها. لذلك، فإن استهداف الشخصيات
الفلسطينية
والعربية ليس عملا عفويا، بل يدخل ضمن استراتيجيات تفكيك المجتمعات من الداخل،
وإشاعة الشك بين المواطن وقياداته، وبين الشعب ونخبه، حتى تتحول الأمة إلى جزر
متناحرة يسهل التحكم بها.
وللأسف،
فإن وسائل التواصل الاجتماعي وفرت بيئة مثالية لانتشار هذه الحملات. فخبر كاذب، أو
صورة مجتزأة، أو مقطع فيديو مبتور، قد ينتشر خلال دقائق ليصل إلى ملايين
المتابعين، بينما يحتاج تكذيبه إلى أيام، وقد لا يحقق الأثر نفسه. وهكذا تصبح
الحقيقة أبطأ من الشائعة، ويغدو الانطباع أقوى من الوقائع.
إن أخطر
ما في هذه الحملات أنها لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف القيم التي يمثلونها.
فعندما يشوه المناضل يضعف الإيمان بالنضال، وعندما يُطعن في المفكر تهتز الثقة
بالفكر، وعندما تُستهدف الشخصية الوطنية يصبح الوطن نفسه موضع تشكيك. إنها عملية
تفريغ للمجتمع من نماذجه الملهمة، تمهيدا لإحلال نماذج سطحية لا تحمل مشروعا ولا
قضية.
ولا يعني
ذلك أن الشخصيات الوطنية معصومة من الخطأ، فالعصمة ليست إلا للأنبياء. غير أن
تقييم الأخطاء يجب أن يتم في إطار الإنصاف والموضوعية، بعيدا عن حملات الكراهية
والتصفية المعنوية. فالنقد البنّاء يصحح المسار، أما التشهير فيدمر المؤسسات،
ويزرع اليأس، ويخدم، بقصد أو بغير قصد، أجندات الخصوم.
الدفاع عن الشخصيات الوطنية لا يعني تقديسها، وإنما يعني حماية الحقيقة من التزييف، وصيانة الوعي من التضليل، والتمييز بين الاختلاف المشروع، والاستهداف المنظم
إن الوعي
الإعلامي اليوم أصبح جزءا من الأمن الوطني. فالمواطن الذي يعيد نشر الإشاعة دون
تحقق، أو يشارك في حملات الإساءة دون دليل، قد يكون أداة مجانية في معركة تستهدف
أمته. ولذلك، فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تشمل
الجامعات، والمدارس، والمثقفين، والنخب، وكل فرد يمتلك منبرا أو حسابا على شبكة
التواصل.
لقد أثبت
التاريخ أن الأمم التي حافظت على رموزها، مع ممارسة النقد المسؤول تجاهها، استطاعت
أن تبني استمرارية مشروعها الحضاري، أما الأمم التي انشغلت بهدم شخصياتها، فقد
استنزفت طاقاتها في صراعات داخلية، بينما كان خصومها يحققون مكاسبهم بهدوء.
إن الدفاع
عن الشخصيات الوطنية لا يعني تقديسها، وإنما يعني حماية الحقيقة من التزييف،
وصيانة الوعي من التضليل، والتمييز بين الاختلاف المشروع، والاستهداف المنظم.
فالأوطان لا تبنى بالشائعات، ولا تحفظ بالتخوين، ولا تنتصر بتصفية رموزها، بل
ترتقي بالحوار، والإنصاف، والوعي، والقدرة على إدراك أن معركة السمعة أصبحت اليوم
إحدى أخطر جبهات الصراع.
وفي زمن
تتداخل فيه الحقيقة مع الضجيج، يصبح الواجب الوطني أن نزن الأخبار بميزان العقل،
وأن نقرأ ما وراء الحملات، وأن ندرك أن إسقاط الرمز الوطني ليس نهاية شخص، بل قد
يكون بداية إضعاف قضية بأكملها. فحين تعجز القوى المعادية عن كسر إرادة الشعوب،
فإنها تحاول كسر ثقتها برموزها، لأن الأمة التي تفقد ثقتها بقياداتها ونخبها، تصبح
أكثر قابلية للاختراق، وأقل قدرة على صناعة مستقبلها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.