لم يكن فوز إسبانيا بكأس العالم مجرد
انتصار
رياضي عابر، رغم أن كرة القدم تبقى في النهاية مجالاً للمنافسة والفرح الجماهيري،
بل حمل بالنسبة لكثيرين دلالات تتجاوز المستطيل الأخضر، باعتباره انتصاراً لصور
وقيم ارتبطت بالعدالة والتضامن ورفض الظلم، وفي مقدمتها المواقف المتضامنة مع
الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر.
ـ 1 ـ
فوز إسبانيا بكأس العالم، الذي شارك في صنعه
لاعبنا يامين من أصول مغربية من جهة الأم، يحمل رمزية خاصة؛ ليس فقط بسبب الإنجاز
الرياضي، بل أيضاً بسبب صورة لاعب يجمع بين التألق في الملاعب والارتباط بقضايا
إنسانية عادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما تعكس ذلك صورته وهو يحمل العلم
الفلسطيني.
لا شك أن فوز إسبانيا بكأس العالم أسعد كثيراً من الشعوب والقوى التي ترى في الرياضة مساحة للتعبير عن قيم العدالة والحرية والتضامن، وترفض أن تكون المنافسات الرياضية منفصلة عن قضايا الإنسان الكبرى.
وهو أمر يكتسب دلالته من كون إسبانيا نفسها
شهدت خلال السنوات الماضية خروج ملايين المواطنين إلى الشوارع للتنديد بالعدوان
الإسرائيلي على غزة، في تعبير عن موقف شعبي واسع مناهض للحرب والانتهاكات التي
يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
ولا شك أن فوز إسبانيا بكأس العالم أسعد
كثيراً من الشعوب والقوى التي ترى في الرياضة مساحة للتعبير عن قيم العدالة
والحرية والتضامن، وترفض أن تكون المنافسات الرياضية منفصلة عن قضايا الإنسان
الكبرى.
ـ 2 ـ
كما أن إعلان النرويج تخصيص عائداتها
المرتبطة بكأس العالم لدعم الشعب الفلسطيني يحمل رسالة رمزية مهمة، مفادها أن حالة
التعاطف الإنساني مع الفلسطينيين تتسع، وأن الأصوات الرافضة للعدوان لم تعد هامشية
أو معزولة.
إن مثل هذه المواقف تكشف، من وجهة نظر
كثيرين، عن تحول في المزاج العالمي، وعن تراجع تدريجي في قدرة الخطاب المؤيد
لإسرائيل على احتكار الرواية الدولية، مقابل تصاعد حضور الأصوات المطالبة بالعدالة
ووقف الظلم.
ويمكن استحضار هنا صورة تاريخية من الذاكرة
العربية والإسلامية، حين انتفضت مجموعة من وجهاء قريش ضد وثيقة المقاطعة الظالمة
التي فرضت على بني هاشم، فكان تمزيق "الصحيفة" لحظة رمزية لانتصار قيم
العدل والرحمة على منطق الحصار والإقصاء.
ـ 3 ـ
مؤشرات على بداية تغير في المشهد الدولي
تتزايد المؤشرات على أن النفوذ التقليدي
للوبيات الداعمة لإسرائيل داخل عدد من دوائر القرار الدولي لم يعد كما كان، وأن
الخطاب المناهض للاحتلال والعدوان بات أكثر حضوراً في المجتمعات الغربية والعالمية.
ويظهر ذلك في الحركات الاحتجاجية الواسعة
التي شهدتها عواصم عدة خلال الحرب على غزة، وفي صعود أصوات سياسية جديدة تنتقد
السياسات الإسرائيلية، كما تجسد ذلك في صعود شخصيات سياسية في الولايات المتحدة
وخارجها تتبنى مواقف أكثر انتقاداً للحرب وللاحتلال.
تتزايد المؤشرات على أن النفوذ التقليدي للوبيات الداعمة لإسرائيل داخل عدد من دوائر القرار الدولي لم يعد كما كان، وأن الخطاب المناهض للاحتلال والعدوان بات أكثر حضوراً في المجتمعات الغربية والعالمية.
إن حجم الدماء التي سالت في غزة، واستمرار
الحرب رغم كل الانتقادات الدولية، قد أدخلا المواجهة بين منطق القوة ومنطق العدالة
مرحلة جديدة؛ مرحلة يبدو فيها أن
الرأي العام العالمي بدأ يتحرك تدريجياً باتجاه
مساءلة الرواية السائدة، والانحياز أكثر إلى قيم القانون والحقوق الإنسانية.
ولعل التاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تقوم
على الظلم لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية، وأن لحظات التحول الكبرى تبدأ
غالباً حين يتغير وعي الشعوب وتتحرك الضمائر.
ـ 4 ـ
وحيث إن الشيء بالشيء يذكر، فلا بد من
استحضار المشاهد التي جابت العالم خلال مونديال قطر، حين ظهر لاعبو المنتخب
المغربي وهم يحملون العلم الفلسطيني ويعبرون عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، في
لحظة أكدت أن كرة القدم ليست مجرد لعبة أو صناعة تجارية، بل يمكن أن تتحول إلى
مساحة للتعبير عن القيم والمواقف الإنسانية.
فالرياضة، بما تملكه من انتشار وتأثير،
قادرة على تجاوز حدود المنافسة لتصبح لغة عالمية للدفاع عن الحرية والعدالة
والتضامن مع الشعوب التي تتعرض للظلم.
ومن هنا، فإن النظرة إلى كرة القدم
والمنافسات الرياضية تحتاج إلى أن تتجاوز بعدها الاقتصادي والتجاري، لتدرك دورها
الممكن كحامل للقيم الإنسانية، وكمنصة للتعبير عن رفض العدوان والتمييز، والانتصار
لحقوق الإنسان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.