ما لم يذكر من إنجازات منتخب مصر في المونديال

ياسر عبد العزيز
"الحضور الجماهيري الكثيف حمل في طياته دلالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية"
"الحضور الجماهيري الكثيف حمل في طياته دلالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية"
شارك الخبر
لم تكن ملاعب سياتل، وفانكوفر، وأرلينغتون، وأتلانتا؛ التي شهدت المباراة الأخيرة مع الأرجنتين، مجرد مستطيلات خضراء يتقاسم فيها فريق مصر مع المنافسين الجهدَ للوصول إلى نتيجة، بل كانت شهودا على نضج كروي ورغبة عارمة، وإصرار قوي على تحقيق نتائج مُرضية، بعد أن زرع التوأم حسن روحاً جديدة ترفض الهدف الأزلي لرعاة كرة القدم ونقادها: "التمثيل المشرف". لقد عقد التوأم حسن مع اللاعبين عقد إذعان لا يقبل التفاوض، مفاده: "جئنا لنحقق نتائج". هذا العقد ظهرت آثاره على شكل الفريق وأداء اللاعبين، فظهروا بمظهر الفرق الكبيرة.

وصول المنتخب المصري إلى ربع النهائي ليس وليد الصدفة أو ضربة حظ عشوائية؛ فالإنجاز الحقيقي تبدّى في طبيعة الخصوم الذين واجههم "الفراعنة". لقد وقف المنتخب نداً عنيداً أمام قوى كروية لا يستهان بها، وتغلب عليها بأداء فني وتكتيكي وبدني راقٍ لا يقل انضباطاً عن أعتى المدارس العالمية. غير أن هذه الفرحة التي كادت تلامس السماء، حُرمت من اكتمالها الأقصى؛ إذ وقفت الصافرة الظالمة في مباراة الأرجنتين حائلاً دون العبور التاريخي للمربع الذهبي، بالتزامن مع ارتباكات فنية اضطرارية تلت إصابة ركيزتين أساسيتين في صفوف الفريق، وهو ما كشف مجدداً كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة والظروف الخارجة عن الإرادة أن تعيد صياغة النهايات.

مثّل مشهد الاستقبال الأول في مطار العلمين -والذي بدا منتقى بعناية ومفرغاً من الروح الشعبية- صدمة لاقت انتقاداً واسعاً، ما عكس الفجوة بين الترتيبات الرسمية والوجدان الشعبي

منافسات مونديال 2026 لم يكن مجرد مسرح لتنافس كروي عابر، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لعمق الهوية المصرية ومخزونها الحضاري الذي لا ينضب. إن وصول المنتخب الوطني المصري إلى دور الثمانية لكأس العالم -لأول مرة منذ تسعة عقود وتحديداً منذ عام 1934- ليس مجرد رصد إحصائي في سجلات الفيفا، ولا نقاط تضاف إلى رصيد المنتخب المصري كي يصعد في ترتيب الفرق أفريقياً وعالمياً، بل هو تجسيد لملحمة وطنية تداخل فيها السياسي بالاجتماعي، والوجداني بالاستراتيجي.

الملحمة الأبرز لم تكن في الولايات المتحدة ولا كندا اللتين لعب فيهما المنتخب، الملحمة الأكبر بدأت فصولها فور عودة البعثة إلى أرض الوطن. لقد مثّل مشهد الاستقبال الأول في مطار العلمين -والذي بدا منتقى بعناية ومفرغاً من الروح الشعبية- صدمة لاقت انتقاداً واسعاً، ما عكس الفجوة بين الترتيبات الرسمية والوجدان الشعبي. هذا الضغط والرفض المجتمعي دفعا بالجهات المعنية إلى الرضوخ للمطالب الحقيقية، ليُفتح ستاد القاهرة مشرّع الأبواب لاستقبال جماهيري مهيب وهادر. والملحمة تبدو في الحضور الجماهيري الكثيف الذي حمل في طياته دلالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية؛ فالإنجاز هنا يتجاوز الرياضة إلى كسر حاجز الخوف والتوجس الذي فرض على الملاعب المصرية صمتاً مطبقاً وحظراً للجماهير الحقيقية ناهز الـ14 عاماً. لقد عادت الروح للمدرجات، وعاد معها الشعب ليمارس حقه الفطري في الفرح والاجتماع.

هذا الكرنفال الشعبي المهيب، الذي شهده ستاد القاهرة أسقط تلك التقسيمات المصطنعة التي دأبت آلات التشويه الإعلامي على تغذيتها لسنوات. لقد انصهر أولئك المصنفون طبقياً كـ"أهل إيجيبت" مع نبض الشارع الحقيقي من "أهل مصر"، مؤكدين أن الجدران العازلة في الـ"كمباوند"، والتسميات الفئوية "أهل إيجيبت" كانت أدوات مفتعلة وممنهجة بغرض تفتيت النسيج الاجتماعي وتبرير غياب العدالة.

ولم يقف هذا التلاحم عند حدود الجغرافيا الداخلية؛ بل تمدد ليربط وجدان المصريين في الخارج بإخوانهم في الداخل. فعلى مدار 14 عاماً من الشيطنة المتبادلة والاصطفافات الحدية، جاء هذا الإنجاز الكروي كبلسم يذيب تلال الكراهية والفرقة التي زُرعت بعناية، ليثبت أن الهوية المصرية واحدة لا تقبل التجزئة، وأن دقات قلوب المغتربين في منافيهم ومهاجرهم كانت تضبط إيقاعها على توقيت القاهرة مع كل هجمة وهدف.

الكرنفال الشعبي المهيب، الذي شهده ستاد القاهرة أسقط تلك التقسيمات المصطنعة التي دأبت آلات التشويه الإعلامي على تغذيتها لسنوات

قد يخرج من النخب من يرى في كرة القدم مجرد مخدر تصنعه الأنظمة لتلهي به الشعوب عن أزماتها الاقتصادية والسياسية المعقدة، ورغم وجاهة هذا الطرح تاريخياً، إلا أن القراءة الاستراتيجية العميقة لحماسة الشارع المصري تكشف عن أمر مغاير تماماً؛ إنها ليست رغبة في الهروب، بل هي رغبة عارمة في الإنجاز وتحقيق الذات، حتى ولو كان ذلك الإنجاز في صورة انتصار في كرة القدم.

إن هذا الصراخ الهادر بالفرح إنما هو تعبير عن طاقة مكبوتة تريد أن تنتفض ضد محاولات الإحباط والتقزيم الممنهج لهذا الشعب العظيم الذي هزم الصليبيين والمغول والإسرائيليين بخط بارليفهم. إن الشعب الذي قهر المستحيل على العشب الأخضر يتوق لاستعادة مكانه الطبيعي رائداً في الكيمياء، والطب، والفلك، والعلوم النووية، والآداب، والفنون. إنه حنين جارف لمصر العظيمة الحقيقية التي قدمت للعالم نوابغ، وأفذاذاً قادوا قاطرة الفكر الإنساني، وعلمت العالم الكتابة قبل أن تعلمه الزراعة.

تقف مصر اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة يريد فيها الشعب أن ينفض عنه غبار الفرقة التي زُرعت طيلة العقد والنيف الماضيين؛ تلك الفرقة البغيضة التي كرستها خطابات الإقصاء، وجسدتها يوماً كلمات أغنية سيذكرها التاريخ كأقبح وأرذل أغنية تغنى بها مطرب على وجه البسيطة "أنتو شعب وإحنا شعب". لقد جاء إنجاز المنتخب الوطني ليقدم للمصريين أول جرعة استشفاء حقيقية من"فيروس الفرقة" ذلك، ويدشن أولى خطوات التعافي من داء الإحباط واليأس المفروض قسراً. إنها رسالة بليغة من قلب الميدان مفادها: نحن شعب واحد، بآمال واحدة، وقادرون على صياغة مستقبلنا بأيدينا متى ما توفرت لنا شروط العدالة وتكافؤ الفرص. إن هذا الإنجاز الكروي ليس نهاية المطاف، بل هو حجر الأساس الذي يجب البناء عليه لاستعادة الوعي وبناء مصر التي تليق بتضحيات أبنائها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)