قد تتلاشى طيات
الجدل المحيط بإلغاء عقوبة إيقاف اللاعب "فولارين بالوغون" في كأس
العالم من صفحات الرياضة عاجلاً أم آجلاً، بيد أن التساؤلات التي أثارها هذا
القرار يبدو أنها وُجدت لتبقى. فبمجرد أن أكد الرئيس الأمريكي "دونالد
ترامب" علناً أنه اتصل برئيس
الفيفا "جياني إنفانتينو" لمطالبته
بمراجعة القرار، تحولت هذه القضية الانضباطية المحضة إلى سِجال سياسي دولي عارم.
ورغم تمسك الفيفا بأن هيئاته القضائية تصرفت باستقلالية تامة ووفقاً للإجراءات
المعمول بها، فإن هذه الواقعة قد برهنت على أن الانطباع العام في
كرة القدم
الحديثة لا يقل أهمية عن القرار نفسه؛ فلم تعد المعضلة الحقيقية تكمن في مدى أهلية
لاعب للمشاركة من عدمها، بل في مدى قدرة المؤسسة الرياضية الأكثر نفوذاً في العالم
على صون سمعتها وحيادها السياسي.
من بطولة كروية
إلى مسرح جيوسياسي
لقد تجاوزت بطولة
كأس العالم حدود الرياضة بأشواط، لتدخل في طور جديد جعل منها أحد أكبر التجمعات
العالمية للقادة السياسيين، والشركات عابرة القارات، والمؤسسات الإعلامية الدولية،
والأجهزة الأمنية. ولم يعد استضافة هذا الحدث مجرد شرف رياضي، بل تحول إلى أداة
استراتيجية وطنية؛ إذ تضخ الحكومات رؤوس أموال ضخمة وتستثمر ثقلاً سياسياً هائلاً
لما يتيحه كأس العالم من فرصة لا نظير لها لتعزيز المكانة الدولية، وجذب
الاستثمارات، وتنشيط السياحة، وتوطيد النفوذ الدبلوماسي.
تحول كأس العالم إلى أحد المحافل النادرة التي تتقاطع فيها الدبلوماسية، والتجارة، والتكنولوجيا، والثقافة أمام شاشة عرض عالمية موحدة
هذا التحول
الجذري قاد حتماً إلى تقليص المسافة بين السياسة وكرة القدم؛ فلم تعد اللقاءات
التي تجمع رؤساء الدول بمسؤولي الفيفا حدثاً استثنائياً، بل غدت جزءاً لا يتجزأ من
الواقع المعقد لتنظيم حدث يتابعه المليارات. وعلى هذا النحو، فإن التحدي لا يكمن
في وجود هذه الاتصالات السياسية، وإنما في ضمان ألا تؤدي إلى تقويض الثقة بمنظومة
الحوكمة الرياضية.
الأهمية
المتنامية للمصداقية المؤسسية
تقتات كافة
المؤسسات الدولية على الثقة العامة؛ فالاستراتيجية القانونية للمحاكم، والبنوك
المركزية، ولجان الانتخابات تقوم كلها على مبدأ راسخ: "لا يكفي أن تتحقق
العدالة فحسب، بل يجب أن يرى الجميع أنها تتحقق". ويواجه الفيفا اليوم تحدياً
مماثلاً؛ فحتى لو سلمنا جدلاً بعدم وجود أي ضغوط سياسية وجهت قرار
"بالوغون"، فإن النقاش العام المحتدم حول تدخل "ترامب" يوضح
مدى سرعة اهتزاز الثقة عندما يبدو القادة السياسيون منخرطين بشكل مباشر في
القرارات الرياضية.
إن الجماهير
المعاصرة باتت تطالب بالشفافية المطلقة، ولم تعد التطمينات الرسمية كافية وحدها.
فكل قرار انضباطي، وكل اجتماع رفيع المستوى، وكل حكم مثير للجدل يخضع فوراً لمجهر
الفحص والتدقيق عبر منصات التواصل الاجتماعي والتغطيات الإخبارية على مدار الساعة.
وفي مثل هذه البيئة، أضحى الانطباع العام ركيزة أساسية من ركائز الشرعية المؤسسية.
كأس العالم كأداة
للقوة الناعمة
لم تكن تسييس كرة
القدم وليد اليوم، ولم يبدأ من الولايات المتحدة؛ فقد اتخذت روسيا من
مونديال 2018
منصة لتصدير صورة الاستقرار والنفوذ الدولي رغم تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية
حينها. كما حوّلت قطر بطولة عام 2022 إلى واجهة عالمية لاستعراض طموحها الاقتصادي،
وامتدادها الدبلوماسي، وهويتها الوطنية. واليوم، تنطلق بطولة كأس العالم 2026 في
حقبة يتسيدها التنافس الاستراتيجي، والصراع الاقتصادي، والاستقطاب السياسي؛ وفي ظل
هذه الظروف، يغدو المونديال حتماً ساحة تتبارى فيها الدول لممارسة قوتها الناعمة.
لقد باتت الرياضة
تخدم مآرب تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد المنافسة؛ فالحكومات تنشد الاعتراف الدولي،
والشركات تطارد الأسواق العالمية، وشبكات البث تتنافس على استقطاب الجماهير، بينما
تستغل شركات التكنولوجيا هذه البطولات الكبرى لإنفاذ ابتكاراتها. لقد تحول كأس
العالم إلى أحد المحافل النادرة التي تتقاطع فيها الدبلوماسية، والتجارة،
والتكنولوجيا، والثقافة أمام شاشة عرض عالمية موحدة.
هل يستطيع الفيفا
النأي بنفسه عن السياسة؟
يضع هذا الواقع
الجديد الاتحاد الدولي لكرة القدم أمام معضلة غير مسبوقة؛ إذ يعد التعاون الوثيق
مع الحكومات أمراً حتمياً لإدارة ملفات الأمن، والهجرة، والبنية التحتية، والخدمات
اللوجستية. ومع ذلك، يجب ألا يوحي هذا التعاون -بأي حال من الأحوال- بأن النفوذ
السياسي قد يمتد إلى قطاع التحكيم، أو القرارات الانضباطية، أو حوكمة البطولة. إن
أثمن ما يملكه الفيفا ليس نجاحه التجاري، بل مصداقيته؛ ومتى ما بدأ المشجعون
يتشككون في أن القرب السياسي يرجح كفة القرارات، فإن ترميم هذه الثقة سيكون أمراً
بالغ المشقة.
سواء أكان لتدخل "ترامب" أثر فعلي على قرار الفيفا أم لا، فإن المسألة ستظل مادة خصبة للنقاش؛ ولكن بغض النظر عن ماهية الإجابة، فقد سلطت هذه الواقعة الضوء على تحول أشمل تشهده الرياضة الدولية
وتأسيساً على
ذلك، ينبغي على الفيفا أن ينظر إلى الشفافية كضرورة استراتيجية، لا كأداة للعلاقات
العامة؛ فالإفصاح المفصل عن الحيثيات الموجبة للقرارات الانضباطية، والمزيد من
الانفتاح بشأن الإجراءات المؤسسية، ووضع حد فاصل وواضح بين العلاقات السياسية
والمسارات القضائية، من شأنه أن يعزز الثقة في هذه المنظمة.
اختبار مفصلي
لمستقبل الكرة العالمية
قد لا تُذكر قضية
"بالوغون" مستقبلاً لتبعاتها الرياضية بقدر ما ستُذكر لحجم السجال الذي
فجرته بشأن مستقبل حوكمة كرة القدم. وسواء أكان لتدخل "ترامب" أثر فعلي
على قرار الفيفا أم لا، فإن المسألة ستظل مادة خصبة للنقاش؛ ولكن بغض النظر عن
ماهية الإجابة، فقد سلطت هذه الواقعة الضوء على تحول أشمل تشهده الرياضة الدولية.
لم يعد كأس
العالم مجرد منافسة لتحديد المنتخب الأفضل كروياً في العالم؛ بل تحول إلى حلبة
عالمية تلتقي فيها الخيوط السياسية، والمصالح الاقتصادية، والاستراتيجيات
الدبلوماسية، والصور الذهنية الوطنية. وبالتالي، فإن التحدي المحوري الذي يواجه
الفيفا لا يكمن في إقصاء السياسة تماماً عن كرة القدم -فهذا هدف شارف على
الاستحالة- بل في ضمان ألا يؤدي هذا الانخراط السياسي إلى تدمير نزاهة اللعبة، أو
حتى الإيحاء بنقضها.
وفي السنوات
القادمة، لن تتوقف سمعة الفيفا على نجاحه في تنظيم البطولات فحسب، بل ستتوقف على
مدى قدرته على إقناع مليارات المشجعين بأن كل قرار يُتخذ يحتكم إلى القوانين
والمساطر، لا إلى العلاقات والمصالح. وقد يكون صون هذا الاعتقاد وحمايته هو
الانتصار الأهم والأكبر في تاريخ هذه المنظمة على الإطلاق.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.