الصين في القاهرة.. اقتصاد المصالح المتبادلة

أشرف دوابة
"لا يمكن النظر إلى هذه العلاقات بعيداً عن التحول الذي طرأ على مكانة الصين في الاقتصاد العالمي"- جيتي
"لا يمكن النظر إلى هذه العلاقات بعيداً عن التحول الذي طرأ على مكانة الصين في الاقتصاد العالمي"- جيتي
شارك الخبر
جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، وهي الأولى له إلى مصر منذ عشر سنوات، لتعيد تسليط الضوء على الحضور الاقتصادي الصيني المتنامي في المنطقة العربية، وعلى طبيعة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي في ظل تصاعد دور الصين في التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا.

فالزيارة لم تقتصر على الجوانب السياسية والدبلوماسية، بل احتل الاقتصاد مساحة بارزة فيها، وشهدت مباحثات الرئيسين المصري والصيني تأكيداً على تعميق التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، فضلاً عن توقيع وثائق تعاون في مجالات من بينها التجارة والذكاء الاصطناعي والصناعة وسلاسل الإمداد ومبادرة الحزام والطريق.

ولا يمكن النظر إلى هذه العلاقات بعيداً عن التحول الذي طرأ على مكانة الصين في الاقتصاد العالمي. فالصين لم تعد مجرد مصنع ضخم ينتج السلع منخفضة التكلفة ويغزو بها أسواق العالم، وإنما أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية واستثمارية كبرى، وشريكاً تجارياً أساسياً لعدد كبير من الدول العربية.

تبدو الطاقة إحدى أكثر القضايا التي تكشف حجم هذا التحول، فالدول العربية النفطية تنظر إلى الصين بوصفها واحداً من أهم أسواق الطاقة في العالم، لكن الصين نفسها تمر حالياً بتحول مهم في نمط استهلاكها للطاقة

وتبدو الطاقة إحدى أكثر القضايا التي تكشف حجم هذا التحول، فالدول العربية النفطية تنظر إلى الصين بوصفها واحداً من أهم أسواق الطاقة في العالم، لكن الصين نفسها تمر حالياً بتحول مهم في نمط استهلاكها للطاقة. وقد أظهرت بيانات حديثة أن استهلاك النفط في الصين انخفض بنسبة تقارب 9 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، وكان من أسباب ذلك الارتفاع السريع في استخدام المركبات الكهربائية، ليس فقط في سيارات الركوب، وإنما كذلك في الشاحنات ووسائل النقل والمعدات المختلفة.

وهنا تظهر مفارقة جديرة بالتأمل عربياً، فالصين التي تعد سوقاً رئيسة للنفط العربي، هي نفسها من أكثر دول العالم اندفاعاً نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وتطوير تقنيات تقلل تدريجياً من الاعتماد على النفط. ولذلك فإن مستقبل العلاقة الاقتصادية العربية الصينية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد براميل النفط التي تستوردها الصين، وإنما بحجم المصالح الاقتصادية الجديدة التي يستطيع العرب بناءها معها.

وقد جاء تصريح إيغور سيتشين، رئيس شركة "روسنفت" الروسية، بأن الصين أصبحت أكثر تأثيراً من أوبك في سوق النفط العالمية، ليثير نقاشاً واسعاً بشأن تغير موازين القوة في سوق الطاقة. وربما يكون في هذا التصريح قدر من المبالغة؛ فأوبك وأوبك+ ما زالتا تملكان وزناً كبيراً في جانب العرض والإنتاج، ولا يمكن القفز على هذا الواقع، لكن التصريح يكشف في الوقت نفسه حقيقة مهمة، وهي أن قوة كبار المستهلكين أصبحت لا تقل أهمية عن قوة كبار المنتجين في تحديد اتجاهات السوق.

فالمنتج يستطيع التحكم في جانب من المعروض، لكن تغير التكنولوجيا وأنماط النقل والاستهلاك يمكن أن يغير الطلب نفسه. وما يحدث في سوق النفط خلال الفترة الأخيرة يكشف هذه المفارقة بوضوح، فقد شهدت الأسعار تقلبات ملحوظة تحت تأثير مخاطر الإمدادات والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهي عوامل قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى في ظل عدم وجود نمو مماثل في الطلب العالمي. وفي المقابل، تشير تطورات السوق الصينية إلى تباطؤ نسبي في الطلب على النفط وتراجع بعض الواردات، بما يعكس التحولات الجارية في أنماط استهلاك الطاقة داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وهذا أمر ينبغي أن تقرأه الاقتصادات العربية جيداً، فالقضية ليست أن عصر النفط انتهى، كما يردد البعض بتسرع؛ فالنفط سيظل مورداً استراتيجياً مهماً ولسنوات طويلة، كما أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة أثبتت مجدداً حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي اضطراب في إمدادات الطاقة، لكن الخطأ سيكون في التعامل مع استمرار أهمية النفط باعتباره ضمانة دائمة للاقتصادات المصدرة له.

لا يكفي أن تكون الصين سوقاً للنفط العربي، ولا أن تكون الدول العربية أسواقاً للسلع الصينية، بل ينبغي أن تقوم العلاقة على الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة بما يحقق مصلحة الطرفين

ومن هنا تكتسب العلاقات الاقتصادية مع الصين أهمية تتجاوز التجارة التقليدية. فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح عربياً ليس: كم ستشتري الصين من نفطنا؟ وإنما أيضاً: ماذا نستطيع أن ننتج معها؟ فالمنطقة العربية تمتلك الطاقة ورؤوس الأموال والأسواق والموقع الجغرافي المتميز، بينما تمتلك الصين قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة وخبرة كبيرة في البنية التحتية والطاقة المتجددة والصناعات الحديثة. وتحويل هذه العناصر إلى شراكة إنتاجية يمكن أن يكون أكثر قيمة للعرب من استمرار نمط يقوم أساساً على تصدير المواد الأولية واستيراد المنتجات المصنعة.

ومن ثم فإن العلاقة العربية الصينية ينبغي أن تُبنى على اقتصاد المصالح المتبادلة؛ فلا يكفي أن تكون الصين سوقاً للنفط العربي، ولا أن تكون الدول العربية أسواقاً للسلع الصينية، بل ينبغي أن تقوم العلاقة على الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة بما يحقق مصلحة الطرفين.

وفي هذا السياق يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الصيني للقاهرة، فمصر بحكم موقعها وقناة السويس وصلاتها بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية تمتلك فرصة للاستفادة من الاستثمار الصيني في الصناعة وسلاسل الإمداد والتصدير، بشرط ألا تتحول العلاقة إلى مجرد سوق جديدة للمنتجات الصينية أو مشروعات لا تنتج قيمة مضافة محلية حقيقية، والأمر نفسه ينطبق على بقية الدول العربية.

إن صعود الصين لا ينبغي أن يُنظر إليه عربياً من زاوية استبدال قوة دولية بأخرى، وإنما من زاوية المصالح الاقتصادية. فالعلاقات الدولية تتغير، لكن ما يبقى في النهاية هو قدرة الدول على توظيف موقعها ومواردها وعلاقاتها الخارجية لبناء اقتصاد منتج.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل