تتميز
الزكاة في
النظام الاقتصادي الإسلامي بأنها ليست مجرد أداة لتحصيل الأموال وإعادة توزيعها،
وإنما هي عبادة مالية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية، تجمع بين تطهير المال وتحقيق
التكافل وتحفيزه على الحركة والنماء. ومن هنا فإن تحديد الأموال التي تخضع للزكاة
ليس قضية حسابية فحسب، وإنما يرتبط بطبيعة المال ووظيفته ومقاصد التشريع الزكوي.
وفي هذا السياق، يثار
رأي معاصر يدعو إلى إخضاع الأصول الثابتة الاستثمارية، من آلات ومعدات ومبانٍ
وخطوط إنتاج، للزكاة بنسبة 2.5 في المئة من قيمتها، باعتبار أن هذه الأصول أصبحت
تمثل جزءاً كبيراً من الثروة في الاقتصاد الحديث، وأنها أموال نامية ومولدة للكسب،
ومن ثم لا ينبغي إخراجها من الوعاء الزكوي. ويستند هذا الاتجاه كذلك إلى اعتبارات
العدالة، وإلى القياس على بعض الأموال الزكوية كعروض التجارة والأنعام.
وهذا الرأي يثير
إشكالاً أساسياً يتعلق بمفهوم النماء ذاته؛ فثمة فرق بين المال الذي ينمو في ذاته،
والمال الذي يستخدم أداة لتحقيق النماء في مال آخر. فالآلة في المصنع لا يشتريها
صاحبها بقصد إعادة بيعها والربح في عينها، وإنما يقتنيها لتبقى وتنتج سلعاً أخرى.
ومن ثم فإن وصف الأصل بأنه مولد للكسب لا يعني أن النماء قد وقع في عين الأصل؛
فالآلة وسيلة للنماء وليست محلاً للنماء المقصود بالزكاة.
العدالة لا تعني المساواة بين أموال تختلف في طبيعتها ووظيفتها الاقتصادية. فليس من العدالة أن يعامل الأصل الإنتاجي الذي يُحتفظ به لتوليد السلع والخدمات معاملة المال المتداول المعد للبيع، لمجرد أن كليهما يحقق كسباً، بل إن العدالة تقتضي مراعاة طبيعة كل مال وقدرته الفعلية على توليد السيولة وتحمل العبء الزكوي
إن من شروط المال
الزكوي أن يكون نامياً أو قابلاً للنماء، غير أن مفهوم النماء الزكوي يحتاج إلى
تمييزه عن مجرد قدرة الأصل على توليد الدخل. ويترتب على الأخذ بالرأي القائل
بإخضاع الأصول الثابتة الاستثمارية للزكاة، إذا طُرِّد مناطه القائم على توليد
الكسب، اتساع الوعاء الزكوي ليشمل مختلف الأصول المستخدمة في توليد الدخل؛ كسيارات
الشركات وحواسيبها وأثاثها وآلاتها، بل وأدوات الطبيب والمهندس والحرفي؛ فجميع هذه
الأصول تسهم في تحقيق الكسب. ومن هنا فإن محل الخلاف ليس في قدرة الأصل الثابت على
توليد النماء، وإنما في أمر آخر: هل تكفي هذه القدرة لإخضاع عينه للزكاة، أم ينبغي
التمييز بين المال الذي يقع النماء في عينه أو بتداوله، وبين الأصل الذي يبقى
وتُستغل منافعه في توليد مال آخر؟
ومن هنا يبدو قياس
الأصول الثابتة على عروض التجارة قياساً مع الفارق. فعرض التجارة يُشترى ابتداء
بقصد بيع عينه وتحقيق الربح من تداوله، بينما الأصل الثابت يُقتنى بقصد بقائه
واستعمال منافعه في الإنتاج. فالسلعة الموجودة في مخزن المصنع تنتظر البيع، ومن
الطبيعي أن تدخل في الوعاء الزكوي، أما الآلة التي صنعت تلك السلعة فلا تنتظر
البيع، وإنما ينتظر منها الاستمرار في الإنتاج. وبعبارة موجزة: عرض التجارة ينمو
بتداول عينه، أما الأصل الثابت فيولد النماء لغيره مع بقاء عينه.
ولا يبدو القياس على
الأنعام أكثر قوة؛ فالأنعام من الأموال التي وردت فيها نصوص خاصة بالزكاة، ومع ذلك
فرّق جمهور الفقهاء بين السائمة والعوامل، فلم يوجبوا الزكاة في الأنعام المستخدمة
في الحرث والحمل والعمل، رغم أنها تسهم في تحقيق الكسب. بل إن آلة المصنع من حيث
وظيفتها الاقتصادية أقرب إلى الحيوان العامل؛ فكلاهما أداة إنتاج. ولو كان مجرد
كون الأصل مولداً للكسب كافياً لإيجاب الزكاة في عينه، لكانت الأنعام العوامل أولى
بذلك.
أما الاستناد إلى العدالة في إخضاع الأصول الثابتة للزكاة، فإن العدالة لا
تعني المساواة بين أموال تختلف في طبيعتها ووظيفتها الاقتصادية. فليس من العدالة
أن يعامل الأصل الإنتاجي الذي يُحتفظ به لتوليد السلع والخدمات معاملة المال
المتداول المعد للبيع، لمجرد أن كليهما يحقق كسباً، بل إن العدالة تقتضي مراعاة
طبيعة كل مال وقدرته الفعلية على توليد السيولة وتحمل العبء الزكوي. وقد يؤدي
إخضاع الأصول الثابتة سنوياً للزكاة، بصرف النظر عن مستوى العائد المتحقق منها،
إلى نتيجة عكسية؛ فيتحمل المشروع منخفض الربحية عبئاً قد يفوق أرباحه، وهو ما يثير
سؤالاً عن العدالة ذاتها التي استُند إليها في فرض الزكاة على هذه
الأصول.
وتبدو المشكلة
أكثر حين ننتقل من التنظير إلى لغة الأرقام. فلنفترض مصنعاً تبلغ قيمة أصوله
الثابتة مائة مليون، وحقق في سنة من السنوات صافي ربح قدره مليونيْن فقط. فإذا
أخضعنا قيمة الأصول لزكاة بنسبة 2.5 في المئة، أصبحت الزكاة مليونين ونصف المليون،
أي ما يعادل 125 في المئة من كامل الربح السنوي. وهنا تظهر
المفارقة؛ إذ إن الزكاة المفروضة على الأصول الثابتة تجاوزت كامل
ما حققه المشروع من ربح خلال العام، ومن ثم لن يكون الربح كافياً للوفاء
بها، وسيضطر المشروع إلى استكمالها من موارده الأخرى أو رأس ماله العامل، وهو ما
ينقل العبء من النماء المتحقق إلى رأس المال المنتج ذاته.
والمشكلة هنا لا
تتوقف عند استغراق الأرباح؛ فالمصنع يحتاج إلى سيولة لشراء المواد الخام، وسداد
الأجور، والصيانة ونحو ذلك. فإذا تجاوزت الزكاة المفروضة على الأصل أرباح المشروع،
فقد يضطر صاحبه إلى السداد من رأس المال العامل، أو الاقتراض، أو تقليص النشاط،
وربما بيع بعض أصوله. ومع استمرار هذا العبء قد يصل الأمر إلى خروج
المشروع من السوق، بما يعني فقدان فرص العمل، وزيادة البطالة، وتراجع الإنتاج،
وفقدان الاقتصاد جزءاً من مساهمة هذه المشروعات في الناتج المحلي. وعند هذه
النقطة نكون قد انتقلنا من الأخذ من النماء إلى استنزاف أداة
النماء نفسها، بما قد يفضي إلى إضعاف الإنتاج بدلاً من تحفيزه.
ولا يعني إعفاء الأصل
الثابت من الزكاة أن الأموال المحتجزة لإحلاله وتجديده تُعفى بدورها. فإذا احتجزت
المنشأة بالفعل أموالاً نقدية لمواجهة استبدال آلاتها مستقبلاً، وظلت هذه الأموال
سيولة مملوكة لها، فإنها تخضع لأحكام زكاة النقود متى توافرت شروطها، فإذا استخدمت
بعد ذلك في شراء آلة جديدة، تحولت من نقد زكوي إلى أصل إنتاجي ثابت غير زكوي. وهذا
يحقق التوازن بين حماية أداة الإنتاج وعدم استخدام مخصصات الإحلال ستاراً لإخراج
السيولة الفعلية من الوعاء الزكوي.
لا يستقيم أن يؤدي التطبيق الزكوي إلى استنزاف ربح المنتج ثم رأس ماله، حتى تتحول اليد العليا المنتجة والمشغلة للعمال والمنفقة في المجتمع إلى يد سفلى محتاجة. فالمجتمع يحتاج إلى حق الفقير، لكنه يحتاج كذلك إلى بقاء المصنع منتجاً
كما أن إعفاء الآلات
والمباني لا يعني بحال إعفاء الأموال الناتجة عن الإنتاج من الزكاة؛ فالنقود،
والسلع المعدة للبيع، والمخزون الزكوي، والديون المرجوة وغيرها تخضع للزكاة وفق
أحكامها. والفرق كبير بين إعفاء أداة الإنتاج وإعفاء الأموال الناتجة عن الإنتاج.
وتبقى القضية الأهم
في فلسفة الزكاة الاقتصادية؛ فالزكاة لا تستهدف إفقار أصحاب الأموال أو استنزاف
رأس المال المنتج، وإنما تجمع بين تحفيز المال على العمل والإنتاج وتحقيق التكافل
في المجتمع. والإسلام يحفز الإنسان على الكسب والعمل والعطاء، وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم: "اليد العليا خير من اليد السفلى".
ومن ثم لا يستقيم أن
يؤدي التطبيق الزكوي إلى استنزاف ربح المنتج ثم رأس ماله، حتى تتحول اليد العليا
المنتجة والمشغلة للعمال والمنفقة في المجتمع إلى يد سفلى محتاجة. فالمجتمع يحتاج
إلى حق الفقير، لكنه يحتاج كذلك إلى بقاء المصنع منتجاً، والعامل موظفاً، ورأس
المال قادراً على توليد المزيد من الدخل وفرص العمل.
إن فلسفة الزكاة
أعمق من مجرد توسيع الوعاء الزكوي؛ فهي تحقق التكافل دون تعطيل الإنتاج، وتحفز
دوران المال دون استنزاف أدواته. وليس الخلاف في قدرة الأصل الثابت على توليد
النماء، وإنما في أن هذه القدرة لا تستلزم بذاتها إخضاع عينه للزكاة؛ فالزكاة تحفظ
حق اليد السفلى، دون أن تحول اليد العليا إلى يد سفلى، وتحافظ على قدرة اليد
العليا على الاستمرار في الإنتاج والعطاء.
x.com/drdawaba
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.