الطريق إلى رابعة

ماجدة محفوظ
"شهادة إنسان رأى أن الصمت في لحظة القتل يمكن أن يصبح نوعاً من التخلي عن الضحايا"- أ ف ب
"شهادة إنسان رأى أن الصمت في لحظة القتل يمكن أن يصبح نوعاً من التخلي عن الضحايا"- أ ف ب
شارك الخبر
لم تكن تنتمي إلى جماعة، أو حزب سياسي، ولم تكن تبحث عن موقع في تنظيم أو حركة؛ كانت فقط مصرية تعيش في فرنسا و تتابع ما يجري في بلدها، وتشعر أن مصر الثورة تنزلق إليّ طريق لا تستطيع أن تقف أمامه متفرجة. كان بإمكانها أن تكتفي بمتابعة الأخبار والصور عبر الشاشات، وأن تقول مثل كثيرين: ماذا تسطيع أن تفعل وسط هذا الصراع الكبير؟ لكنها اختارت الطريق الأصعب، اختارت أن تعود إلى مصر.

من فرنسا إلى رابعة

لم تكن رحلتها إلى مصر رحلة سياسية بالمعنى التقليدي، لم تكن عائدة لتشارك في نشاط حزبي، ولا لتؤدي مهمة باسم تنظيم. كانت عائدة لأنها شعرت أن عليها أن تكون هناك، وحين بدأت الاعتصامات، اقتربت أكثر من ميدان رابعة العدوية. وفي جمعة الزحف التحقت بالميدان مع أولادها، لتجد أمامها مشهداً لم يكن يشبه الصورة التي كانت تُرسم عن المعتصمين من بعيد؛ حشود ضخمة، أسر وعائلات، رجال ونساء وأطفال، وأناس قدموا من خلفيات مختلفة، جمعهم الاعتصام في مكان واحد.

وثقت ما رأته بعينيها، وثقت الميدان كما كان، بحركته، وبالناس الموجودين فيه، وبذلك الحشد الكبير الذي لم يكن بالنسبة إليها مجرد أرقام تتناقلها الأخبار، وإنما بشر لهم وجوه وحكايات وأسماء. ومن هنا أيقنت أن التاريخ لا يُكتب فقط في غرف المؤرخين؛ أحياناً يبدأ من صورة التقطها شخص عادي، أو من دفتر كتبت فيه امرأة ما شاهدته، أو من شهادة إنسان رفض أن يترك اللحظة تموت معه.

جريمة الفض
الحديث هنا ليس عن مأساة حدثت صدفة، ولا عن مواجهة خرجت عن السيطرة، بل عن وقائع أشارت منظمة حقوقية دولية إنها تشير إلى حملة قتل واسعة النطاق، مخطط لها على مستويات عليا

ثم جاء يوم الرابع عشر من آب/أغسطس 2013. بدأ فض اعتصام رابعة، وسرعان ما تحولت أخبار إطلاق النار وسقوط الشهداء والجرحى إلى حقيقة تصل إلى كل بيت. كان يمكنها أن تبقى في منزلها، كان يمكنها أن تقول إنها فعلت ما تستطيع، وإن النزول إلى الشارع في تلك اللحظة انتحار، لكن شيئاً واحداً لم يسمح لها بذلك: أن تعرف أن أناساً يشاركونها حب مصر يُقتلون، ثم تجلس آمنة في بيتها وكأن الأمر لا يعنيها.

هنا تبدأ المرحلة الأخطر في قصتها. قررت النزول مرة أخرى، لم تكن تعرف إن كانت ستصل إلى الميدان، ولا ما الذي ينتظرها في الطريق. كانت تعرف فقط أنها يجب أن تكون هناك، أن هناك شهادات يجب أن تُسمع، وأن هناك ما يجب أن يوثق قبل أن يختفي. كانت تريد أن ترى الحقيقة بنفسها.

الطريق إلى الميدان

لم يكن الطريق إلى رابعة في ذلك اليوم طريقاً عادياً، كان طريقاً محفوفاً بالخوف والرصاص والمطاردة، بينما كانت الأخبار تتحدث عن سقوط أعداد متزايدة من الشهداء.

كانت تحاول الوصول إلى مكان يتعرض في تلك اللحظات لأعنف جريمة فض وقمع شهدتها مصر الحديثة. وهنا تكمن أهمية شهادتها، إنها ليست شهادة سياسي كان يبحث عن جمهور، ولا شهادة قيادي حزبي كان يؤدي دوره في صراع سياسي، إنها شهادة امرأة مصرية عاشت في فرنسا مع أولادها، وعادت إلى بلدها، دخلت رابعة، رأت الميدان قبل المجزرة، ثم قررت أن تعود إليه وهي تعرف حجم الخطر. إنها شهادة إنسان رأى أن الصمت في لحظة القتل يمكن أن يصبح نوعاً من التخلي عن الضحايا.

ما الذي حدث في رابعة؟

بعد مرور السنوات، لم تعد رواية رابعة مجرد روايات متقابلة بلا مصادر. فقد أجرت هيومن رايتس ووتش تحقيقاً استمر عاماً كاملاً، قابلت خلاله أكثر من 200 شاهد، بينهم متظاهرون وأطباء وسكان محليون وصحفيون مستقلون، كما قابل باحثو المنظمة 122 شاهداً بشأن أحداث رابعة تحديداً، وكانوا موجودين في الميدان خلال جزء كبير من يوم المجزرة.

وفي تقريرها الشهير "وفقاً للخطة" خلصت المنظمة إلى أن قوات الأمن المصرية استخدمت القوة المميتة بصورة منهجية، وأن عملية فض رابعة شهدت قتل ما لا يقل عن 817 شخصاً وفق الحد الأدنى الذي تمكنت المنظمة من توثيقه، ورجحت أن يكون العدد قد تجاوز ألف قتيل. كما خلصت إلى أن عمليات القتل الواسعة والمنهجية التي وقعت في تموز/يوليو وآب/أغسطس 2013 يُرجح أن ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. والأخطر أن التقرير لم يتحدث عن انفلات أمني عابر أو أخطاء فردية، بل تحدث عن عملية مخطط لها على أعلى مستويات الحكومة.

وكتب كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لهيومن رايتس ووتش، أن وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم كان المهندس الرئيس لخطة الفض، وأن عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزيراً للدفاع ونائباً لرئيس الوزراء للشؤون الأمنية، كان المسؤول الأعلى عن العمليات الأمني.

وهذا فرق جوهري؛ فالحديث هنا ليس عن مأساة حدثت صدفة، ولا عن مواجهة خرجت عن السيطرة، بل عن وقائع أشارت منظمة حقوقية دولية إنها تشير إلى حملة قتل واسعة النطاق، مخطط لها على مستويات عليا.

رابعة ليست رقماً

من السهل، بعد ثلاثة عشر عاماً، أن تتحول رابعة إلى رقم لتطوي الجريمة! لكن وراء كل رقم إنسان، أب، ابن، أخ، زوج، وقصص حية لم تكتمل، رجل جاء من قرية بعيدة، أم انتظرت ابنها ولم يعد، وأسير ما زال يحمل في ذاكرته يوماً لم ينتهِ بخروجه من الميدان.

لهذا، فإن الحديث عن العدالة ليس ترفاً سياسياً، إنه حق الضحايا، حق الشهيد في أن يُعرف كيف مات، وحق أسرته في أن تعرف من يتحمل المسؤولية، وحق المعتقل في محاكمة عادلة، وحق المجتمع في أن يعرف ماذا حدث في واحد من أكثر الأيام دموية في تاريخه الحديث.

لماذا لا يجب أن ننسى؟
العدالة قد تتأخر، وقد يطول الطريق إليها، لكن طول الطريق لا يعني أن الوصول غير ممكن. وإذا كان الشهداء قد تركوا وراءهم سؤالاً كبيراً، فإن مسؤولية الأحياء أن يحفظوا هذا السؤال حياً: من قتلهم؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن نفّذ؟ ومن عرف وسكت؟

بعد ثلاثة عشر عاماً من المجزرة، لم يحاسَب مرتكبو المجزرة! واستمرت سياسية الإفلات من العقاب. وهذا بالضبط هو السبب في أن النسيان ليس حلاً، فالنسيان يترك الجريمة بلا ذاكرة. وما يطلبه كل من يحمل شهادات عن رابعة، ليس الانتقام، إنه شيء أبسط: أن تبقى الحقيقة حية، أن تبقى أسماء الضحايا محفوظة، أن تبقى شهادات الناجين والأطباء والصحفيين والشهود متاحة، أن تُجمع الصور والتسجيلات والوثائق، أن يُفتح الطريق أمام تحقيق مستقل ونزيه، وأن يأتي يوم يستطيع فيه القضاء، أياً كان مكانه، أن ينظر إلى هذه الوقائع بعيداً عن الخوف والانتقام السياسي.

الطريق إلى رابعة لم ينتهِ

ربما كان الطريق إلى رابعة في البداية طريقاً جغرافياً. من فرنسا إلى القاهرة، من البيت إلى الميدان، ومن الميدان إلى قلب الخطر. لكن بعد كل هذه السنوات أصبح الطريق إلى رابعة شيئاً آخر، أصبح طريقاً إلى الحقيقة، وطريقاً إلى الذاكرة، وطريقاً إلى العدالة.

واليوم، في ذكرى رابعة، ربما تكون رسالتها الأهم بسيطة: لا تنسوا، لا تنسوا الشهداء، ولا تنسوا من جُرحوا، ولا تنسوا من اعتُقلوا، ولا تنسوا من عاشوا تلك الساعات ثم حملوها معهم سنوات طويلة، ولا تنسوا الشهود الذين خاطروا بحياتهم حتى لا تختفي الحقيقة.

فالعدالة قد تتأخر، وقد يطول الطريق إليها، لكن طول الطريق لا يعني أن الوصول غير ممكن. وإذا كان الشهداء قد تركوا وراءهم سؤالاً كبيراً، فإن مسؤولية الأحياء أن يحفظوا هذا السؤال حياً: من قتلهم؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن نفّذ؟ ومن عرف وسكت؟

لا يمكن بناء عدالة حقيقية من دون إجابات، ولا يمكن دفن الحقيقة إلى الأبد. لهذا، فإن الطريق إلى رابعة ليس طريقاً إلى الماضي، إنه طريق إلى المستقبل، إلى مصر التي لا يخاف فيها الإنسان من أن يُقتل لأنه احتج، وإلى مصر التي لا يتحول فيها الدم إلى رقم في بيان رسمي، وإلى مصر التي يكون فيها القانون فوق القوة، والإنسان فوق السلطة، والعدالة حقاً لا منحة.

رابعة لا تُنسى، وما دام هناك شاهد يتذكر، وصورة محفوظة، واسم لم يُمحَ، وأم تنتظر حق ابنها، وأسير ينتظر حريته، فإن الطريق لم ينتهِ. الطريق إلى رابعة مستمر، وكل خطوة نحو توثيق الحقيقة هي خطوة نحو العدالة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)