حزب العدالة والتنمية في تركيا.. 25 عاماً من الدروس

ياسر عبد العزيز
"تحويل البراغماتية العلمية إلى قوة حشد تنظيمي غير مسبوقة"- الأناضول
"تحويل البراغماتية العلمية إلى قوة حشد تنظيمي غير مسبوقة"- الأناضول
شارك الخبر
عندما صعد حزب العدالة والتنمية التركي إلى الحلبة السياسية مطلع القرن الحالي، لم ينطلق من خطابات رنانة أو شعارات أيديولوجية محلقة في الفضاء الافتراضي، بل انغرس عميقاً في واقع الشارع المعاش؛ مفككاً أسباب التردي الخدمي والانهيار الاقتصادي الذي خلفته الأحزاب التقليدية. كانت اللحظة تشي بضرورة إعادة تعريف مفهوم العمل الحزبي برمته؛ حيث تحول الحزب من مجرد تشكيل سياسي يبحث عن حصة نفعية في السلطة، إلى مؤسسة إدارية احترافية تعتمد على أدوات العلم الحديث، والبحث الميداني، ومراكز استطلاع الرأي الدورية لتحديد اتجاهات الشارع وبناء القرارات والتوجهات، دون الوقوع في فخ التخلي عن مرجعياته الأساسية؛ وهو ما يشكل الدرس الأول والأهم للأحزاب العربية الغارقة في الارتجالية.

تكمن العبرة التي يجدر بالأحزاب العربية استيعابها في هذه التجربة؛ في كيفية تحويل "البراغماتية العلمية" إلى قوة حشد تنظيمي غير مسبوقة. إن الوصول إلى قاعدة تنظيمية تضم أكثر من 11 مليون عضو مُسجل -ناهيك عن ملايين الأنصار والمصوتين- لم يكن نتاج شحن عاطفي مؤقت أو استقطاب عقائدي ضيق؛ بل جاء ثمرة إدراك واع لعبقرية التنوع المجتمعي.

أدركت القيادة التركية حقيقة جوهرية غابت عن معظم التشكيلات السياسية في عالمنا العربي؛ ومفادها أن الشرعية السياسية لا تُبنى فوق المنصات الخطابية، بل تشيد في الأزقة وتحت أسقف المرافق الخدمية

لقد رسم الحزب نموذجاً جامعاً تجاوز الحدود العرقية والمناطقية؛ ففتح أبوابه للتنوعات الإثنية دون إقصاء، ورسخ صورة الحزب الشامل للجميع، معتمداً في الوقت نفسه على ظهير جماهيري صلب من الفئات المحافظة والمهمشة تاريخياً، والتي وجدت فيه أداة للتعبير عن الذات وتجسيداً لطموحاتها الاجتماعية والاقتصادية.

لقد أدركت القيادة التركية حقيقة جوهرية غابت عن معظم التشكيلات السياسية في عالمنا العربي؛ ومفادها أن الشرعية السياسية لا تُبنى فوق المنصات الخطابية، بل تشيد في الأزقة وتحت أسقف المرافق الخدمية. بدأ الحزب رحلته بالتركيز المطلق على تحسين جودة الحياة اليومية للمواطن؛ من حل أزمات المياه والبنية التحتية، إلى إنعاش الاقتصاد المحلي عبر فتح آفاق الاستثمار السريع عقب الأزمات المالية الطاحنة التي عصفت بالبلاد عام 2001. شرعية الإنجاز هذه، هي التي مكنت الحزب من تحويل السخط الشعبي إلى ثقة استثمارية، فصنع طفرة اقتصادية أنجبت طبقة وسطى جديدة، وجعلت من المواطن البسيط شريكاً حقيقياً في حماية المشروع السياسي للدولة.

لم يكن خافياً أن البقاء في السلطة وتثبيت الجذور يستلزم مرونة فائقة في إدارة التناقضات المركبة داخل الدولة والمجتمع؛ إذ نجح الحزب في الاستفادة من البيئة الدولية والإقليمية -ولا سيما الغربية- لتمرير توجهاته وحماية تجربته الوليدة في مراحلها الأولى عبر مسار الاندماج الأوروبي. وفي الوقت ذاته، استطاع استيعاب شريحة مهمة من القوميين وتثبيت مكانه في أركان الدولة الصلبة، مستفيداً من حالة عطش النخب المحافظة للمشاركة الفعلية؛
الحفاظ على الأيديولوجيا والمنطلقات لا يتعارض مطلقاً مع تبني أحدث أدوات الإدارة والعلم. فهل تمتلك أحزابنا الجرأة لمغادرة مربع الشعارات والنخبوبة المغلقة، وتبني نهجا حزبيا قائم على العلم، واستطلاع احتياجات الشارع، وإدارة التنوع؟
فأوجد معادلة دقيقة جمعت بين الاستجابة للمتطلبات الغربية وتدعيم الرصيد القومي والمحافظ في الداخل. إنها المقدرة على تطويع الظروف الخارجية والداخلية لصالح بقاء المشروع وتمدده، بعيداً عن الصدامات الصفرية التي أهلكت التجارب الحزبية العربية، وأوردتها موارد الفشل.

إن التحول التاريخي الذي نقل تركيا من دولة تعاني أزمات الديون والتضخم إلى فاعل رئيسي في القرارات الدولية والمصيرية، لم يكن ليبصر النور لولا تلك القاعدة الصلبة التي بُنيت في الداخل بأسلوب علمي ومنهجي. إن القوة الاقتصادية، والتلاحم التنظيمي المليوني، والاستقرار القائم على استطلاعات الرأي والدراسات الميدانية؛ هي التي منحت القرار السياسي التركي وزنه الاستراتيجي في المحافل العالمية، وجعلت منه رقماً صعباً في التوازنات الإقليمية والدولية. فهل تدرك الأحزاب العربية أن المكانة الدولية لا تُمنح مجاناً، بل تُفرزها القوة الذاتية والمؤسسية في الداخل؟

تبقى الحقيقة الجوهرية أن تجربة حزب العدالة والتنمية، ليست مجرد وصفة نجاح انتخابية، بل هي دليل عملي للأحزاب العربية، دليل يثبت أن الحفاظ على الأيديولوجيا والمنطلقات لا يتعارض مطلقاً مع تبني أحدث أدوات الإدارة والعلم. فهل تمتلك أحزابنا الجرأة لمغادرة مربع الشعارات والنخبوبة المغلقة، وتبني نهجا حزبيا قائم على العلم، واستطلاع احتياجات الشارع، وإدارة التنوع؟ أم ستظل ترقب التجربة التركية كظاهرة تاريخية دون الاستفادة من دروسها العملية؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)