أفكار حول منطق "التنافي" وأثره في أزمة الحقل السياسي التونسي

عادل بن عبد الله
"السياسات الفاشلة حتى في مستوى الخدمات الأساسية كالتزود بالماء والكهرباء والسلع المعيشية"- عربي21
"السياسات الفاشلة حتى في مستوى الخدمات الأساسية كالتزود بالماء والكهرباء والسلع المعيشية"- عربي21
شارك الخبر
في واقعٍ سياسي تهيمن فيه السلطة التنفيذية على جميع "الوظائف" (أي تهمين فيه على السلطتين التشريعية والقضائية ومعهما الإعلام باعتباره "سلطة رابعة")، وتستهدف جميع الأجسام الوسيطة التي ترفض التدجين -أي ترفض الإندراج في سردية السلطة والتحول إلى جسم وظيفي- في ظل هيمنة سردية "تصحيح المسار"؛ التي تقوم على إنهاء الحاجة للأحزاب وللديمقراطية التمثيلية برمتها وترفض الاعتراف بالانقسام الاجتماعي وبالتالي تعدد الوسائط المعبّرة عن الإرادة الشعبية ومصالح فئاتها وجهاتها المختلفة، وفي سياق مأزوم فقدت فيه السلطة القائمة شرعيتها الشعبية (عزوف شعبي كبير عن جميع المحطات التي رجعت فيها السلطة إلى صناديق الاقتراع) ومشروعية الإنجاز (عدم تحقق غالبية الوعود الرئاسية مثل استعادة الأموال المنهوبة، المشاريع الاقتصادية "العملاقة"، إرساء المحكمة الدستورية وتجريم التطبيع، تحسين مستوى المعيشة، تشغيل أصحاب الشهادات العليا ممن طالت بطالتهم، التخلص من الاقتراض الخارجي والداخلي، تحسين الخدمات، إعادة توزيع الثروات على أساس أكثر عدلا، مقاومة التضخم.. الخ)، يبدو أن مكونات المعارضة على اختلافها -أي المعارضة الجذرية والموالاة النقدية- لم تستوعب بعدُ درس 25 تموز/يوليو 2021 ومن قبله درس عشرية الانتقال الديمقراطي المجهضة.

سنحاول في هذا المقال أن نطرح قضية "التنافي" أو النفي المتبادل باعتباره آلية أساسية من آليات إنتاج المعنى السياسي داخل مختلف مكونات المعارضة، وباعتباره عائقا أساسيا أمام بناء حقل سياسي طبيعي في تونس مهما كان مصير النظام الحالي. فإذا كانت سردية "تصحيح المسار" لا تخفي رفضها لمنطق الشراكة وبالتالي تحكم بمنطق البديل الكلي والشامل والنهائي -وكأنها سبت التاريخ السياسي أو سقفه الذي لا يقبل الارتكاس ولا التجاوز- وإذا كانت هذه السردية ترفض التعامل مع الأحزاب لأنها جزء من "الخطر الجاثم" ولأنها أيضا مركز الديمقراطية التمثيلية التي أنهت الديمقراطيةُ القاعدية الحاجةَ إليها، فإننا لا يمكن أن ننتظر منها غير ما نرى من تحويل شعار "الشعب يريد" إلى "الزعيم يريد"، وتحويل
سبب عطالة الوعي السياسي لدى الفاعلين الأهم في تونس هو تمثلهم أنفسهم باعتبارهم مشاريع للحكم وليس للمعارضة، أي أنهم في جوهر فعلهم السياسي يُمثلون صورة مخاتلة من "تصحيح المسار"
شعار "لا عودة إلى الوراء" إلى ركيزة لنظام رئاسوي لا يقصي الأحزاب فقط عن الشأن العام، بل يمنع تفعيل أية آلية للرقابة والمساءلة والمحاسبة والشفافية إلا على مقاس السلطة، ومع العمل على استثناء الرئيس من أية مساءلة رغم أنه المسؤول الأوّل دستوريا عن السياسات العامة للدولة، تلك السياسات الفاشلة حتى في مستوى الخدمات الأساسية كالتزود بالماء والكهرباء والسلع المعيشية.

مهما كان موقفنا من "تصحيح المسار"، فإن نجاح الرئيس في تمرير إجراءات 25 تموز/يوليو 2021 وإنهاء "الفاصلة الديمقراطية"، قد أكّد هشاشة الانتقال الديمقراطي سياسيا واقتصاديا، ووجود خلل جوهري يخترق السرديات السياسية المهيمنة على الشأن العام منذ هروب المخلوع يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011. فالمسألة عندنا تتجاوز هشاشة المؤسسات والأجسام الوسيطة إلى هشاشة الوعي السياسي الذي يقف وراءها.

ونحن نرد تلك الهشاشة/العطالة إلى سبب أعمق من غلبة المقاربات الهوياتية والثقافوية للصراع السياسي، وأعمق من العلاقات الملتبسة لجميع الفاعلين بمنظومة الاستعمار الداخلي وعدم قدرتهم على التخلص من "وصايتها". ولذلك فإننا نقدم الفرضية التفسيرية التالية: إن سبب عطالة الوعي السياسي لدى الفاعلين الأهم في تونس هو تمثلهم أنفسهم باعتبارهم مشاريع للحكم وليس للمعارضة، أي أنهم في جوهر فعلهم السياسي يُمثلون صورة مخاتلة من "تصحيح المسار"، ولكنها صورة ترفض الاعتراف بهويتها الحقيقية لأسباب تتعلق -من جهة أولى- بطبيعة الديمقراطية التمثيلية "نظريا"، وتتعلق -من جهة ثانية- بموازين القوى التي تطبع علاقاتها البينية، وبعلاقة التعامد الوظيفي أو التخادم التي تربطها بدرجات متفاوتة بالنواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي.

يعلّمنا الدرس السياسي أن الديمقراطية التمثيلية في سياقاتها الغربية الأصلية تُلغي منطق "التنافي" أو الحرب الوجودية؛ بالاعتراف بحق الخصوم في الفشل وبحقه في الحكم مرة أخرى إذا ما أرادت صناديق الاقتراع ذلك. فالفشل السياسي ليس "جريمة" والنجاح السياسي "المؤقت" ليس تفويضا شعبيا مطلقا ونهائيا، والإرادة الشعبية لا تقبل الاختزال في أي مكون مهما اتسعت قاعدته الشعبية. إننا أمام قاعدة إجرائية بسيطة ولكن ذات تداعيات كبيرة على النظام الديمقراطي برمّته. فغياب هذه القاعدة -كما هو الشأن في تونس والأغلب الأعم من الدول العربية- يجعل من الفشل السياسي مؤذنا بتحول السجال العمومي من الدائرة السياسية إلى مدار أمني-قضائي، أما النجاح السياسي "السياقي" والمؤقت فإنه في الأغلب مؤذن بالانقلاب على مبدأ تداول السلطة، وبالتحول إلى تفويض شعبي مطلق ونهائي لا يقبل "سحب الوكالة" على الأقل في مستوى أعلى هرم السلطة مهما كانت مشروعية الإنجاز أو مستوى النجاح في تحقيق الوعود الانتخابية.

إن "تصحيح المسار" في جوهره ليس إلا تفعيلا لمنطق النفي أو الإقصاء الذي يحكم مكونات المعارضة، ولكنه تفعيل لم يستثن حتى أولئك الذين تشكلت هويتهم الأيديولوجية ودورهم الوظيفي -منذ عهد المخلوع- بمفردات الحرب الوجودية واستراتجيتي الاستئصال الصلب الناعم لشركائهم في الوطن، خاصة أصحاب المرجعية الإسلامية أو المحافظة.

إن "منطق الرغبة" الذي يحكم علاقة مكوّنات المعارضة بمنظومة الحكم المأزومة -الرغبة في سقوطها ببلوغ تناقضاتها الداخلية الحد الأقصى، أو الرغبة في تحقق توافق إقليمي ودولي على انتهاء الحاجة لمنظومة الحكم الحالية- هو المنطق نفسه الذي يحكمها في علاقاتها البينية. فمكونات المعارضة الجذرية تهندس المشهد السياسي ما بعد النظام الحالي وكأن سقوطه تحصيل حاصل، أما الموالاة النقدية -أو المعارضة الوظيفية- فإنها تطرح على النظام هندسة سياسية مختلفة تمنع سقوطه مقابل تشريكها في السلطة.

مشكلة المعارضة الأساسية هي أن جميع مكوناتها تستثني أنفسها من النقد الذاتي والمراجعات الجذرية بينما تطالب غيرها بذلك، وهو ما يجعل من بناء أي حقل سياسي متين وغير قابل للارتكاس الانقلابي ومتحرر من هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي وإملاءات القوى المتداخلة في الشأن التونسي من أمحل المحال، بل هو أمر يجعل التونسيين لا يحسمون في موقفهم من النظام الحالي

ونحن في الحالتين أبعد ما نكون عن منطق الواقع، فالمعارضة الجذرية أضعف من أن تكون لرغباتها أية قوة تحديدية للمشهد السياسي القادم، أما الموالاة النقدية فهي أهون على النظام من أن ينفتح عليها أو يستعين بها بحكم معرفته بحقيقة حجمها، ومعرفته كذلك بارتباط قوة الأقليات الأيديولوجية بالدولة لا بالشعب. وهو ما يجعل كلفة الاستعانة بها كتنظيمات وليس كأفراد أكبر من أن تتحملها سردية سياسية قامت على منطق إنهاء الحاجة للأحزاب، بما فيها تلك التي مثلت الحزام البرلماني للرئيس قبل إجراءات 25 تموز/يوليو 2021.

بعد أن اشتدت أزمة النظام الحالي، بسبب المشاكل المتكررة في التزود بالكهرباء والماء وتدني مستوى المعيشة بحكم ظاهرة التضخم، تعالت أصوات الأحزاب المعارضة وقواعدها المختلفة بخطابات "رغبوية" لا علاقة لها بالواقع وبالمحددات الحقيقية للمشهد التونسي الآن-وهنا وفي أية تسويات مختلفة من داخل هذا النظام أو بعد سقوطه. فقد تعالت أصوات تدعو إلى اعتزال الطبقة السياسية القديمة كلها بصورة طوعية، بينما دعت أصوات أخرى إلى اعتزال خصومها الأيديولوجيين والسياسيين، وهي دعوات عامة لم تنج منها أية قاعدة من قواعد الأحزاب الأهم خلال عشرية الانتقال الديمقراطي. ولا شك في أننا هنا أمام دعوات للإقصاء والنفي، ولن تتأخر في التحول إلى واقع استبدادي في صورة تملكها أجهزة الدولة.

إن مشكلة المعارضة الأساسية هي أن جميع مكوناتها تستثني أنفسها من النقد الذاتي والمراجعات الجذرية بينما تطالب غيرها بذلك، وهو ما يجعل من بناء أي حقل سياسي متين وغير قابل للارتكاس الانقلابي ومتحرر من هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي وإملاءات القوى المتداخلة في الشأن التونسي من أمحل المحال، بل هو أمر يجعل التونسيين لا يحسمون في موقفهم من النظام الحالي. فالبديل الذي تروج له قواعد الأحزاب هو في أفضل حالاته بديل يذكرهم بآفات عشرية الانتقال الديمقراطي وصراعاتها الهوياتية العبثية، ولا توجد فيه أية ضمانات لأداء سياسي جماعي مختلف عن الأداء الذي مّهد الشروط الفكرية والموضوعية لـ"تصحيح المسار" وجعله مطلبا شعبيا في لحظة ما من تاريخ "الثورة التونسية" المهدورة.

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)