أي "ديمقراطية" ممكنة في تونس؟

عادل بن عبد الله
"الرئيس حوّل حالة الاستثناء إلى مرحلة تأسيسية لنظام جديد"- جيتي
"الرئيس حوّل حالة الاستثناء إلى مرحلة تأسيسية لنظام جديد"- جيتي
شارك الخبر
بعيدا عن الصراع المحتدم بين النظام وخصومه في المعارضة التونسية، فإنّ نجاح "تصحيح المسار" في إغلاق "الفاصلة الديمقراطية" بكل وسائطها ومؤسساتها وسردياتها الكبرى قد أظهر مدى هشاشة الديمقراطية التمثيلية وعجز الفاعلين الأساسيين فيها عن تحصينها ضد أي مشروع مضاد يمكن أن يتخلق داخلها ثم ينقلب عليها. فـ"تصحيح المسار" هو سردية سياسية جديدة أساسها انتفاء الحاجة إلى الديمقراطية التمثيلية وأجسامها الوسيطة، ولم يكن التعلل بأولوية الانتقال الديمقراطي السياسي على الانتقال الاقتصادي ليشفع للأجسام الوسيطة -بكل أشكالها الحزبية والنقابية والمدنية- عند شريحة واسعة من المواطنين الذين رأوا رأي العين أن "الديمقراطية" بنظامها البرلماني المعدّل قد أفقرتهم ولم توفر لهم احتياجاتهم الأساسية، بل لم تحفظ كرامتهم حتى في مستوى علاقته بمؤسسات الدولة المدنية والأمنية. كما رأوا تلك "الديمقراطية" تتحول إلى ما يشبه "السّيرك السياسي" أحيانا وإلى حلبة صراع متسفّل أحيانا أخرى، وهو ما حوّل الديمقراطية التمثيلية تدريجيا إلى ديمقراطية صورية لا يذهب خراجها إلا للفاعلين فيها أو المقرّبين منهم أيديولوجيا وتنظيميا.

مهما كان موقفنا من إجراءات الرئيس قيس سعيد يوم 25 تموز/يوليو 2021 فإنها قد مثّلت -خاصة في مرحلتها الأولى، أي قبل أن تتحوّل "حالة الاستثناء" المؤقتة دستوريا إلى مرحلة تأسيسية لجمهورية جديدة، خيارا مقبولا من لدن أغلب الفاعلين الجماعيين وكذلك من جزء معتبر من الشعب، فالعبث السياسي البرلماني قد بلغ أوجه والأزمة الاقتصادية كانت تتفاقم بالتوازي مع وباء كورونا. وبعد انتقال حق اقتراح اسم رئيس الوزراء من الحزب البرلماني الأغلبي -أي حركة النهضة- إلى رئيس الجمهورية، أصبح مركز السلطة في قصر قرطاج، وبالتالي في أيدي "حكومة الرئيس" التي لم تعد تعبّر عن التوازنات البرلمانية بقدر تعبيرها عن إرادة رئاسة الجمهورية. وهي وضعية لم تكن تقبل الاستمرار، ولذلك كنا أمام فرضيتين: إما أن يستعيد البرلمان سلطته وينجح في تمرير حكومة "توافقية" (وهي فرضية أقرب إلى المحال في ظل التجاذبات الأيديولوجية والصراعات الهوياتية داخل قصر باردو)، وإما أن "يحيّد" الرئيس
كانت القوى المساندة لإجراءات الرئيس تتوقع أن يقدّر لها النظام ما قدمت من خدمات لتمهيد الشروط النفسية والموضوعية لنجاح "تصحيح المسار" وأن يتعامل معها بمنطق الشريك ولو تحت سقف شراكة لا متكافئة، كتلك التي كانت زمن المخلوع
البرلمان بصورة كاملة مستغلا تحالفه الموضوعي مع "أحزاب الموالاة" للقصر، أي تلك الأحزاب الرافضة لهيمنة حركة النهضة على المشهد السياسي بعد انهيار "حركة نداء تونس" وتشتت مكوناتها. وهي الفرضية التي تحققت بطريقة كانت وما زالت محل جدل عمومي سواء من جهة ما يؤسّسها دستوريا أو من جهة مساراها ومآلاتها.

قبل إعلان إجراءات 25 تموز/يوليو 2021، لم تكن الأجسام الوسيطة الموالية للرئيس منحصرة في الأحزاب، بل كانت تشمل اتحاد الشغل (أكبر منظمة عمالية) والأغلب الأعم من مكونات ما يُسمى بـ"المجتمع المدني" ووسائل الإعلام العمومية والخاصة. وهي وضعية كان يمكن للرئيس فيها أن يّفعّل فيها الفصل 80 من الدستور وأن يفرض "حالة الاستثناء" دون التقيد بالضوابط الدستورية التي وضعها المشرع لتفعيل هذا الفصل (استشارة رئيس الحكومة ورئيس البرلمان، وجود محكمة دستورية، عدم حل الحكومة أو توجيه لائحة لوم ضدها، عدم جواز حل البرلمان وبقاء المجلس في حالة انعقاد دائم، الطابع المؤقت لحالة الاستثناء.. الخ). فأغلب "النخب الحداثية" التي استفادت من "عشرية الانتقال الديمقراطي" وهيمنت على أجسامها الوسيطة كانت مستعدة لغض الطرف عن كل ذلك مقابل إعادة هندسة جذرية/فوقية للحقل السياسي، وهي هندسة يراد لها تحقيق شرطين: إقصاء حركة النهضة وتحويلها من شريك سياسي إلى ملف أمني-قضائي، وانفتاح النظام الجديد على "العائلة الديمقراطية" بمنطق تشاركي، ولا ضير في أن تكون تلك التشاركية في ظل نظام رئاسي ينقل السلطة إلى قصر قرطاج ويخرجها من قصر باردو.

رغم أننا نستطيع أن نذهب إلى أن موقف "القوى الديمقراطية" من إجراءات الرئيس -خاصة في مراحلها الأولى- يدل على أن الديمقراطية التمثيلية ليست أولوية نخبوية ما دام المستفيد الأعظم منها هم "الخوانجية"، ورغم أننا نستطيع أن نجزم كذلك بأن الإرادة الشعبية وصناديق الاقتراع لا قدسية لهما إذا ما خالفا انتظارات النخبة الحداثية ووضعاها أمام زيف ادعاءاتها في تمثيل الشعب واحتكار الحديث باسمه، فإننا سنكتفي بالقول بأن الديمقراطية التمثيلية المقبولة لدى الأغلب الأعم من القوى الديمقراطية هي ديمقراطية بلا إسلاميين، وهي أيضا ديمقراطية "فوقية"، أي خاضعة لهندسة أجهزة الدولة واحتياجات النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي وإملاءات رعاتها الإقليميين والدوليين. وقد كانت القوى المساندة لإجراءات الرئيس تتوقع أن يقدّر لها النظام ما قدمت من خدمات لتمهيد الشروط النفسية والموضوعية لنجاح "تصحيح المسار" وأن يتعامل معها بمنطق الشريك ولو تحت سقف شراكة لا متكافئة، كتلك التي كانت زمن المخلوع. ولكنّ النظام كانت له حسابات أخرى، فـ"حساب الحقل ليس كحساب البيدر".

كان سقف "الديمقراطية الوظيفية"، أي الديمقراطية الصورية التي ترعى علاقة التعامد الوظيفي بين النخب وأجهزة الدولة وأذرعها الأيديولوجية، هو السقف الذي تحركت تحته انتظارات "الموالاة" بكل أشكالها العلنية والخفية، ولكنّ ذلك السقف كان هو قاعدة "تصحيح المسار" وأساسه المتين، خاصة في المرحلة التي سبقته وفي المراحل الأولى التي أعقبت إعلان "الإجراءات". فالرئيس كان يحتاج إلى
انكسار أفق انتظارات "الموالاة النقدية" وتحولها بالتدريج وعلى استحياء إلى صف المعارضة، دون الاستيئاس من إمكانية الضغط على النظام لشراكة على مقاس "الديمقراطيين الوظيفيين"
تفكيك الديمقراطية التمثيلية من الداخل وإلى الدفع بتناقضاتها إلى الأقصى لشرعنة بديله السياسي، ولم يكن الرئيس يستطيع الدفع بهذا البديل إلى الواجهة ولا أن يدخل في صراع مفتوح مع حلفائه الموضوعيين إلا بعد أن يعيد هندسة الحقل السياسي بقوة الأوامر والمراسيم الرئاسية× التي كان أهمها الأمر الرئاسي عدد 117 الصادر في 22 أيلول/سبتمبر 2021. فبعد هذا المرسوم اتضح للجميع -بما في ذلك الموالاة النقدية- أن الرئيس قد حوّل حالة الاستثناء إلى مرحلة تأسيسية لنظام جديد، واتضح لكل من له أدنى حس سياسي سليم أن هذا النظام يقوم على منطق البديل لا على منطق الشريك، وأنه يقوم على التقابل المطلق والكلي مع "العشرية السوداء" وكل أجسامها الوسيطة، وهو ما يعني انكسار أفق انتظارات "الموالاة النقدية" وتحولها بالتدريج وعلى استحياء إلى صف المعارضة، دون الاستيئاس من إمكانية الضغط على النظام لشراكة على مقاس "الديمقراطيين الوظيفيين".

إن فشل الديمقراطية التمثيلية وفشل الديمقراطية المجالسية أو المباشرة يطرح سؤالا يتجاوز شكل الديمقراطية من حيث ممارسة السلطة أو تنظيم الحكم وكذلك من حيث الفلسفة/الممارسة السياسية. وهذا السؤال هو التالي: هل الديمقراطية بصيغها المعروفة ممكنة في الكيانات الوظيفية؟ ولو شئنا صياغة السؤال بصورة مختلفة لقلنا: في ظل كيانات وظيفية تسمّى مجازا "دولا حرة مستقلة ذات سيادة" وهي تفتقد لكل ما تؤكده دساتيرها وسردياتها الرسمية - بل حتى المعارضة- كيف يمكن بناء حقل سياسي "طبيعي" و"سوي" يعكس الإرادة الشعبية وما يوجهها من مصالح مادية رمزية تتعارض جذريا مع خيارات "الدولة العميقة" -وتهدد أصلا علة وجودها ووجود ملحقاتها الوظيفية- وتتعارض كذلك مع استراتيجيات أغلب القوى الإقليمية والدولية المتداخلة في الشأن التونسي؟ إنه السؤال المركزي الذي لا يقبل الإجابة الفردية ويحتاج إلى إجابة جماعية، ولكننا لا نُرجح إمكانية ظهور تلك الإجابة وتحولها إلى مطلب شعبي في المدى المنظور، لغياب "الكتلة التاريخية" القادرة على بناء نموذج ديمقراطي مستأنف يستطيع إنجاز هذه المهمة التحريرية للإنسان وللكيان.

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)