قطر في مرمى نيران نرجسية نتنياهو

ياسر عبد العزيز
"التطور الأكثر إثارة في خطاب نتنياهو منذ أيام، تمثل في حديثه عن الهجوم الذي شنته قواته على قطر"- جيتي
"التطور الأكثر إثارة في خطاب نتنياهو منذ أيام، تمثل في حديثه عن الهجوم الذي شنته قواته على قطر"- جيتي
شارك الخبر
خلال الشهرين الماضيين، بدا موقف رئيس وزراء الكيان المحتل بنيامين نتنياهو من قطر أكثر تعقيداً من مجرد علاقة عداء أو مواجهة مباشرة. فالدولة الخليجية التي لعبت دوراً محورياً في الوساطة بين الكيان والمقاومة، وكانت في الوقت نفسه موضع اهتمامات في تل أبيب بسبب علاقاتها بالمقاومة، عادت من جديد إلى واجهة الخطاب السياسي في دوائر سياسي وإعلامية الكيان المحتل، لكن هذه المرة بصورة تكشف تناقضا في سياسة نتنياهو تجاهها.

ففي الوقت الذي لعبت فيه قطر، بضوء أخضر أمريكي، دور الوساطة في مفاوضات غزة، لتقود فريقا لعبت فيه كل من القاهرة وأنقرة أدوراً متفاوتة، كانت الدوحة رأس الحربة في قيادة عربة الدفع الرباعي هذه باتجاه التهدئة، لكن وفيما يبدو أن ذلك لم يعجب رئيس وزراء الاحتلال، لأغراض تكشّفت فيما بعد. فرغم وضعه العسكري والسياسي والاقتصادي الذي دفع الشارع والمعارضة إلى رفع الصوت لوقف الحرب، رأى نتنياهو أن يسير في طريق الدم لجني مكاسب سياسية، متدثراً برداء الدكتاتورية وشعاراتها، بـ"لا صوت يعلو على صوت المعركة"، لذا كان صوته يعلو رافضاً كل اقتراح لقطر في وساطتها، متعللاً بأن الدوحة تقدم ما به تنازلات لصالح المقاومة، وتمنحها مكاسب سياسية، حتى وصل الحال أن رفض علناً خطة ترامب بشأن غزة، مؤكداً أن قواته لن تنسحب من الأراضي التي استولت عليها قبل نزع سلاح المقاومة.

تل أبيب تنظر إلى استضافة قطر لقيادات الحركة باعتبارها أحد مصادر القوة السياسية الممنوحة لحماس، فيما ترى الدوحة أن وجود هذه القنوات مفتوحة ضرورة للوساطة والتفاوض، وتدلل على ذلك بأزمة أفغانستان واستضافتها لمكتب تمثيل سياسي لطالبان قبل تولي مقاليد الحكم

هاجم نتنياهو الدوحة بكل قوة، ما دفع الأخيرة لإعلان انسحابها من أية جهود في هذا الملف الأهم في السياسة العالمية، قبل أن تعود بضغوط دولية لطاولة المفاوضات كوسيط. وكانت الدوحة فاعلاً مهماً في مسار التفاوض، بل إن نتنياهو سمح باستمرار الاتصالات المتعلقة بالرهائن والمفاوضات في الدوحة والقاهرة، رغم الخلافات العميقة مع قطر.

لمح نتنياهو وصرح في أكثر من مناسبة بما يكشف عن مشكلته مع قطر، إذ لم تكن في الدور الذي تلعبه الدوحة في المفاوضات، وإنما في علاقاتها بالمقاومة الفلسطينية، لا سيما مع حركة حماس. فتل أبيب تنظر إلى استضافة قطر لقيادات الحركة باعتبارها أحد مصادر القوة السياسية الممنوحة لحماس، فيما ترى الدوحة أن وجود هذه القنوات مفتوحة ضرورة للوساطة والتفاوض، وتدلل على ذلك بأزمة أفغانستان واستضافتها لمكتب تمثيل سياسي لطالبان قبل تولي مقاليد الحكم.

هذا التناقض انعكس أيضاً داخل الدوائر السياسية في تل أبيب متمثلاً في قضية "قطر جيت"، وهي القضية التي اتُهم فيها عدد من مساعدي نتنياهو بعلاقات أو اتصالات مع جهات قطرية، إذ أصبحت القضية أحد أكثر الملفات حساسية سياسياً بالنسبة لرئيس وزراء الاحتلال، خصوصاً وأن الاتهامات طالت مقربين منه، وأثارت تساؤلات حول احتمال تضارب المصالح، والتأثير الخارجي في دوائر صنع القرار في الكيان المحتل، وقد بلغت القضية مستوى سياسيا حاداً منذ نهاية 2025، عندما طالب خصوم نتنياهو باستقالته على خلفية ما وصفوه بعلاقات مشبوهة لمستشاريه بقطر.

الثعلب البولندي لم يجعل من قضية "قطر جيت" محوراً دائما للهجوم على الدوحة خلال الشهرين الماضيين، مستغلاً نقطة مهمة، وهي أن أكثر ما نشر عن القضية جاء من خصومه، والتقارير الإعلامية، ما يمكن فهمه على أنها محاولة التفاف على واحدة من زلاته وقصور في أداء فريقه السياسي والأمني، مع ذلك ظل نتنياهو يهاجم الدوحة خلال الشهرين الماضيين، وكان أبرز ما كشفه نتنياهو في تصريحاته الأخيرة يتعلق بالأموال القطرية التي دخلت قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة.

ففي مقابلة منذ يومين مع قناة "آي 24 نيوز" العبرية، دافع نتنياهو عن قرار السماح بتحويل الأموال القطرية إلى غزة، رافضاً الاتهامات بأنها كانت تستخدم لتمويل النشاط العسكري للمقاومة، وقال إن الأموال كانت مخصصة لأغراض إنسانية، وإن تحويلها جرى بناء على توصيات الأجهزة الأمنية، بما في ذلك الموساد والشاباك، مضيفا أن الأموال القطرية لم تمثل إلا 2 في المئة من إجمالي ما دخل القطاع من أموال.

وهنا تظهر المفارقة السياسية بوضوح. فالدولة التي يتهمها نتنياهو باستضافة قيادات حماس وتمكينها من العمل السياسي، هي نفسها التي سمحت الحكومات المتعاقبة في الكيان المحتل، ومنها حكوماته، لتلك الأموال بالدخول إلى غزة، لذا يحاول نتنياهو تقديم الأمر باعتباره سياسة أمنية وإنسانية اتخذتها إسرائيل، وليس تمويلاً ممرا إلى المقاومة "بخطأ استراتيجي"، من حكومته والحكومات السابقة.

الطرح الذي قدمه نتنياهو في هذه المقابلة يفتح الباب إلى سؤال سياسي كبير: إذا كانت حكومات الاحتلال، وعلى رأسها حكومات نتنياهو المتعاقبة، تعرف العلاقة بين قطر والمقاومة، وعلى رأسها حماس، وكانت تدرك أن الأموال القطرية تدخل القطاع، وأن جزءاً منها يذهب إلى رفع القدرات اللوجستية للمقاومة، فلماذا استمرت في السماح لها؟ وعلى النقيض، لو كانت هذه الأموال تذهب لأغراض إنسانية بحتة، فلماذا أصبحت العلاقة القطرية مع حكومة نتنياهو الآن واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل دوائر السياسة في تل أبيب؟

التطور الأكثر إثارة في خطاب نتنياهو منذ أيام، تمثل في حديثه عن الهجوم الذي شنته قواته على قطر خلال الحرب الأخيرة على غزة، في إشارة إلى العملية التي استهدفت قيادات من حماس في الدوحة، وهنا انتقل الخطاب من انتقاد الدور القطري إلى تأكيد استعداد تل أبيب لاستخدام القوة ضد أهداف مرتبطة بالمقاومة داخل الأراضي القطرية، في انتهاك صريح لقواعد القانون والأعراف الدولية، في حالة شديدة التبجح، حالة ترقى إلى خطاب "بلطجي" في حارة من حواري شيكاغو.    

العلاقة الإسرائيلية- القطرية لا يحكمها مبدأ ثابت، وقد لا تحكمها الضرورة السياسية، بل تحكمها حالة جنون عظمة وشخصية نرجسية سلطت على المنطقة لتزيد حالة التوتر التي تعيشها

قطر في خطاب نتنياهو أصبحت في موقع شديد التناقض، فهي من جهة دولة تستضيف قيادة حماس، وتتعرض للتهديد بسبب ذلك، ومن جهة أخرى قناة تفاوض لا تستطيع إسرائيل الاستغناء عنها بالكامل، وهذه الازدواجية ليست تفصيلاً دبلوماسياً، بل تعكس طبيعة الصراع النفسي نفسه لدى نتنياهو.

في دراسة أجراها كل من شاؤول كيمتشي وساجيت يهوشوع وياردين أوليئيل، لتحليل سلوك بنيامين نتنياهو في عامي 1999 و2017، جاء أن الرجل شديد التمحور حول الذات والثقة بقدراته، ويرى نفسه سياسياً استثنائياً، مع ميل إلى ربط نجاحه الشخصي بمصير الدولة، وأن المناورة السياسية والمرونة في تغيير المواقف واستخدام الخصوم والأعداء أدوات أساسية لديه، وأن هدف البقاء السياسي يحتل مكانة مركزية في سلوكه، كما ترصد الدراسة شكاً مرتفعاً وشعوراً متكرراً بأنه مستهدف، خصوصاً من الإعلام والخصوم السياسيين، مع ميل إلى تفسير الانتقادات باعتبارها جزءاً من مؤامرة ضده.

الآن وبعد مرور ما يقارب عشر سنوات من هذه الدراسة، نرى كيف يبدو نتنياهو سلوكيا ونفسياً. لذا يمكن من خلال هذه الدراسة كمرجعية فهم حالة الهجوم المتصاعد على قطر في خطاب نتنياهو، فالعلاقة الإسرائيلية- القطرية لا يحكمها مبدأ ثابت، وقد لا تحكمها الضرورة السياسية، بل تحكمها حالة جنون عظمة وشخصية نرجسية سلطت على المنطقة لتزيد حالة التوتر التي تعيشها، فلم تكتف الأقدار بمن سُلط على العالم في 2025، لتزيد جرعة التوتر بنتنياهو الطامح إلى أربع سنوات أخرى تبدأ في تشرين الأول/أكتوبر القادم، لتبدأ معها دورة جديدة من تنفيس العقد النفسية على شعوب المنطقة..


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)