لماذا يكذب الحكام على الشعوب؟!

ياسر عبد العزيز
"خطورة الكذب السياسي لا تكمن فقط في اختلاق الروايات، بل في اعتقاد الملايين في تأثيرها في الرأي العام ما يسبب هزيمة نفسية عميقة للمجتمع"- Pixabay/Mohamed-Hassan
"خطورة الكذب السياسي لا تكمن فقط في اختلاق الروايات، بل في اعتقاد الملايين في تأثيرها في الرأي العام ما يسبب هزيمة نفسية عميقة للمجتمع"- Pixabay/Mohamed-Hassan
شارك الخبر
دوماً كان يطاردني سؤال منذ أن كنت صغيراً، لمّا كان والدي يطوف بنا في عالم السياسة، ويسرد لنا بعض ما جاء على لسان المسؤولين من تصريحات، ويفندها ويكشف بالحقائق والوقائع والتاريخ كذب بعض المسؤولين، في بعض الأمور التي يمكن أن يكون السامعون عايشوها.

يعرف علم النفس الاجتماعي الكذب بأنه "أداة لإدارة الانطباعات، وحماية الصورة الذاتية، وتجنب العقاب، وتحقيق المصالح، ومن ثم التأثير في سلوك الآخرين"، وكان يلح عليّ دوماً سؤال: لماذا يلجأ المسؤول أو الحاكم إلى الكذب، وهو يمتلك سلطة إصدار القرار، ويملك التحكم في مؤسسات الدولة، ويملك الإعلام للسيطرة على الرأي العام، ويملك الأمن لقمعه؟! والسؤال الأهم: لماذا يكذبون حتى عندما تكون الحقيقة واضحة، أو يصبح كشفها شبه مؤكد؟!

أدى كذب المسؤولين إلى كوارث، أودت في بعض الأحيان إلى إزهاق حياة الآلاف الأبرياء

في التاريخ، أدى كذب المسؤولين إلى كوارث، أودت في بعض الأحيان إلى إزهاق حياة الآلاف الأبرياء، كما فعل مثلا الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، حين ادعى أن السفن الأمريكية تتعرض لهجمات متكررة من القوات الفيتنامية الشمالية، فيقرر الكونغرس منحه صلاحيات استخدام القوة في جنوب شرق آسيا، بعد أن قدم صورة غير مكتملة عن الوقائع، والنتيجة مقتل ملايين الفيتناميين ونحو 60 ألف عسكري أمريكي. والغريب أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة ظلت تقدم مبررات للشعب، رغم تأكد كذب ادعاء جونسون، لتظل كذبة مستمرة لعشر سنوات.

وفي مشهد آخر يبدو أقرب للمعاصرة، كان احتلال العراق مثالا صارخا على كذب الإدارة الأمريكية، حين تبنى جورج بوش الابن، اتهامات وزير خارجيته بامتلاك العراق أسلحة الدمار شاملاً، ومشى على دربه رئيس الوزراء البريطاني في حينها توني بلير، لتندلع الحرب وتخلف حوالي ربع مليون ضحية عراقي، وعلى أقل تقدير باعتراف القوات الأمريكية 77 ألف مدني، غير دمار شبه كامل للبلاد وملايين اللاجئين والنازحين العراقيين، وفتحت الباب لعنف الطائفي خلف آلاف الضحايا. هنا ضخم الرئيس الأمريكي وإدارته الخطر، لإنتاج موافقة بل وإجماع دولي لتقليص مساحات الاعتراض، حتى استطاعوا جعل الشعوب تقبل الحرب، بل تخاف من عدم خوضها.

وعلى المستوى العربي تتشابه القصص في كذب الحكام للبقاء في سدة الحكم، فمن عدم الرغبة في تجديد الولاية، إلى رفض التفكير في تعديل الدستور لصالحه، وتكرر ذلك مع زين العابدين والبشير ومبارك وغيرهم الكثير، حتى أيام مضت من الأسبوع الماضي، وتخرج في كل مرة الجماهير الموجهة من قبل أنظمة المخابرات لتطالب ببقاء الحاكم المُلهَم والمُلهِم في سدة الحكم، وتصوير رحيله بأنه نهاية الوطن، وانكساره، في واحدة من الكذبات التي يستخدم فيها الحكام تغيير القواعد القانونية، بدلا من خرقها. فالحاكم الكاذب لا يحتاج إلى تغيير الدستور أو خرقه، بل يكفي استخدام مؤسسات الدولة وأجهزتها لإزالة الضمانات الدستورية لتمرير رغبته في البقاء.

لا يستثنى من هذا التوصيف تلك الدول التي تصدر الديمقراطية، فكان ولا يزال الإعلام أداة مهمة للحاكم لتمرير الأكاذيب والروايات المضللة، وإن اختلفت درجاتها

"أعطني إعلاماً بلا ضمير، أعطك شعباً بلا وعي"؛ هكذا لخص جوزيف جوبلز، وزير إعلام الدولة النازية في ألمانيا، وظيفة الإعلام في أنظمة الكذب، ولا يستثنى من هذا التوصيف تلك الدول التي تصدر الديمقراطية، فكان ولا يزال الإعلام أداة مهمة للحاكم لتمرير الأكاذيب والروايات المضللة، وإن اختلفت درجاتها، لكن دعونا نفرّق بين الكذب المتعمد والدعاية السياسية والتضليل. فقد يصنع الحاكم رواية تخدم هدفه السياسي، ويستخدم الإعلام بتكرارها لتصبح تصورا متبنى، وقد يحتكر الحاكم الرواية لتظل روايته هي الحقيقة، ويجعل الإعلام يتبناها، ومن هنا يستطيع الحاكم صناعة الإجماع على ما أراد، فلا يرى شعبه إلا ما يرى ولا يهديهم، بطبيعة الحال، سبيل الرشاد.

وبعيدا عن هتلر ووزير إعلامه، فقد قدم الرئيس جمال عبد الناصر وإعلامه نموذجاً لهذا التضليل شهدت ذروتها في هزيمة 1967، فبينما كانت القوات المصرية تتعرض لخسائر كبيرة في سيناء كان الإعلامي أحمد سعيد، مدير إذاعة صوت العرب، يتحدث عن انتصارات مدوية، فاستخدم عبد الناصر الإذاعة الأكثر انتشارا في الوطن العرب للكذب على الجمهور العربي وإخفاء الحقائق دون مراعاة حتمية كشفها.

وفي أم الدنيا أيضاً ظل إعلام مبارك يبث صوراً للشوارع الفارغة وكورنيش النيل ليؤكد أن لا ثورة ولا غضب شعبي، حتى كانت لحظة الحقيقة، وتنحى مبارك وانتصر الشعب؛ أو أن يمنّي الحاكمُ الشعبَ بتحسين الأوضاع ويقطع على نفسه عهدا بتنفيذ ذلك في ستة شهر، لتمتد لسنتين ثم ثلاث، ثم ينتهي الأجل ولا يحل الأجل، وهو ما فعلته أيضاً واشنطن بكذبها في حربها في فيتنام، حتى تفجر الغضب في شوارع كل الولايات بعد أن تكشفت الحقائق.

يستطيع الإعلام أن يمنح الرواية الرسمية انتشارا، وتتعامل معها الجماهير باعتبار أنها صحيحة، رغم أن مصدرها واحد، ولا يوجد مصدر آخر للتأكيد، وقد يؤجل ذلك مواجهة الحقيقة وبالتالي المحاسبة، لو استطاعت الجماهير إلى ذلك سبلا، لكنه في النهاية لن يستطيع أن يمنح الحاكم ونظامه حصانة تاريخية، فيما لو أفلت من المحاسبة الآنية. فلم تؤدِّ الدعاية المتكررة في أمريكا عن حرب فيتنام إلى نجاة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، كما لم تنجُ دعايات أحمد سعيد في صوت العرب عبد الناصر ونظامه من المحاسبة التاريخية.

بالنتيجة، فإن خطورة الكذب السياسي لا تكمن فقط في اختلاق الروايات، بل في اعتقاد الملايين في تأثيرها في الرأي العام ما يسبب هزيمة نفسية عميقة للمجتمع.لكن الأهم من كل هذا هو السؤال الأكثر إيلاماً: لماذا يصدق المواطن أكاذيب الحاكم؟!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)