ضحايا المناجم يكشفون حقيقة أزمة السودان

ياسر عبد العزيز
"الحرب الدائرة الآن، والتي من المصادفة أحد أهم أسبابها هو التعدين وتهريب الذهب، لم تكن السبب الوحيد لهذه الكوارث"- منصة الطاقة
"الحرب الدائرة الآن، والتي من المصادفة أحد أهم أسبابها هو التعدين وتهريب الذهب، لم تكن السبب الوحيد لهذه الكوارث"- منصة الطاقة
شارك الخبر
إذا كان حادث منجم "أم دريصاء" في ولاية كردفان عام 2021 يعد الأضخم في سلسلة حوادث الانهيارات في كوارث المناجم في السودان، إلا أن العام الجاري شهد العدد الأكبر من كوارث انهيارات المناجم التي تودي بحياة الأبرياء من فقراء المعدّنين السودانيين الذين يعملون من أجل فتات ما يخرج من هذه المناجم، حيث أصبحت هذه الحوادث المتكررة مشهداً شبه يومي، منها ما لم نسمع به، ومنها ما يُكتشف فيُعلن عنه، في ظل اعتماد قطاع التعدين الأهلي على أدوات بدائية مع صفر سلامة مهنية، والأهم غياب الرقابة الحكومية المنشغلة بالحرب.

لكن الحرب الدائرة الآن، والتي من المصادفة أحد أهم أسبابها هو التعدين وتهريب الذهب، لم تكن السبب الوحيد لهذه الكوارث التي يروح ضحيتها آباء اختاروا المخاطر من أجل لقيمات يقمن بها صلب عائلاتهم، ففي عام الناس هذا فقط وخلال الأشهر العشرة المنصرمة منه، شهد حادثان كبيران الأول في منجم "الزرع" في غرب كردفان، خلّف أكثر من 82 قتيلاً وعشرات المفقودين، والثاني منجم "أوني" في ولاية البحر الأحمر، خلّف عشرات القتلى وعشرات المفقودين، لكن شبكة "عاين" الحقوقية رصدت خلال العام مقتل ما لا يقل عن 83 معدّنا في عشرات الحوادث الشبيهة خلال الأشهر الأولى من العام.

الفساد هو العامل الرئيس في الظاهرة بالأساس، ذلك الفساد الذي خلف الفقر والطمع والجوع، وكلها مغذيات دافعة لأن يخاطر الأغنياء والمتنفذون بأرواح الفقراء من أجل تحصيل مكاسب غير شرعية، وتضحية الفقراء بأرواحهم من أجل سد الجوع والخروج من مساحات الفقر

في آخر تصريح للمديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، قالت إن الجوع وسوء التغذية يهددان حياة الملايين في السودان، ودعت إلى تحرك دولي عاجل لمنع هذه الأزمة من التحول إلى مأساة كبرى، في حين حذرت ثلاث منظمات أممية من أن ما يقارب الـ20 مليون سوداني يواجهون خطر الجوع، فإذا احتجت الحكومة بالحرب في عدم متابعتها لهذه الكوارث التي تودي بحياة العشرات من الأبرياء، شهداء لقمة العيش، في بلد يتنازع عساكره الغنائم تاركين الشعب ضحية للجوع والمرض، فإن هذه الحوادث مستمرة مع بداية الحرب وقبلها. ويكفي ذكر حادثة منجم أم دريصاء في كردفان، وانهيارات مناجم وادي حلفا وجبال ولاية البحر الأحمر، وانهيارات منجم جبل عامر في شمال دارفور، وانهيارات منجم قبقبة في وادي حلفا، وكلها انهيارات وقعت قبل الحرب الدائرة الآن.

تعزو الحكومة أسباب هذه الانهيارات، إلى التعدين العشوائي، وبُعد مناطق التعدين، ما يصعب معها الرقابة، لكن الحقيقة التي لا يمكن أن تعترف بها الحكومة الحالية ولا من سبقها من الحكومات العسكرية، حتى ولو تدثرت بلباس مدني، هو أن الفساد هو العامل الرئيس في الظاهرة بالأساس، ذلك الفساد الذي خلف الفقر والطمع والجوع، وكلها مغذيات دافعة لأن يخاطر الأغنياء والمتنفذون بأرواح الفقراء من أجل تحصيل مكاسب غير شرعية، وتضحية الفقراء بأرواحهم من أجل سد الجوع والخروج من مساحات الفقر التي تتسع كل يوم يمر تحت حكم دكتاتوري، الذي لا يأبه بتوزيع عادل للثروات ولا توفير حياة كريمة لشعبه، والأهم في كل هذه الأسباب هو تراجع مؤشرات الانتماء للوطن لدى المواطن الذي يرى في انتزاع ما يمكن انتزاعه من خيرات هذا البلد هو حق لو لم يقم به يأثم في حق نفسه وعائلته.

الأزمة الحقيقية تكمن في الدكتاتورية والفساد اللذين نخرا في جسد الوطن وأفقر شعبه. لقد جردت الأنظمة العسكرية المتعاقبة على السودان المواطن من أبسط مقومات الحياة البسيطة

أظهر استطلاع رأي أجرته منظمة أفرو باروميتر أوائل عام 2021، أن غالبية السودانيين يرفضون الحكم العسكري والأنظمة غير الديمقراطية الأخرى. والمنظمة نفسها في عام 2025 أجرت استطلاعاً آخر عن أولويات المواطن السوداني بعد أربع سنوات من الحرب، وتحديداً بعد اختيار مجلس السيادة حكومة مدنية انتقالية، وكانت النتيجة أن الأغلبية وضعوا الحالة الاقتصادية ووجوب حل أزمتها في صدارة الأولويات، ثم الخدمات الأساسية، فعدم الاستقرار السياسي. لكن الأغلبية شككت في قدرة الحكومة العسكرية على الحد من عدم المساواة في الدخل، ومعالجة الفساد، وتحسين الاقتصاد، فيما رفضت أغلبية السودانيين حكم الحزب الواحد والديكتاتورية، بينما عارض النصف الحكم العسكري.

أزمة ضحايا المناجم تكشف عن حقيقة الأزمة، إذ لا تكمن الأزمة في هشاشة التربة الوعرة والجبال، والتعدين العشوائي، وعم الالتزام بمعايير السلامة المهنية، بل الأزمة الحقيقية تكمن في الدكتاتورية والفساد اللذين نخرا في جسد الوطن وأفقر شعبه. لقد جردت الأنظمة العسكرية المتعاقبة على السودان المواطن من أبسط مقومات الحياة البسيطة، وأضعفت روح الانتماء لوطن يرى خيراته تُنهب بأيادي إخوانه لصالح جهات خارجية، فلم تُبقِ للفقراء سوى المخاطرة بأرواحهم في أنفاق تفتقر لأدنى مقومات الأمان في صراع مع الموت لسد الرمق.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)