"كلّ مقهورٍ
سوف يقهر من هم دونَه لا محالة حين تتاح له الفرصة.. وكلّ إنسانٍ مهدورٍ سيهدرُ ما
عداه من ناس ومؤسسات وموارد" (مصطفى حجازي، الإنسان المهدور.. دراسة تحليلية
نفسية اجتماعية، ص: 39).
هذه الكلمات تحمل
في جوفها شيئاً من سر الحروب الطويلة؛ فالقهر يبدأ واقعة تقع على الإنسان ثم يمضي
الزمن فيتسلّل من الواقعة إلى النفس ومن النفس إلى طرائق النظر والتصرف، ليجد
المقهور نفسه بعد تبدل المواقع ممسكاً بالأداة ذاتها التي جُرح بها ومستعيداً صورة
القوّة التي أبغضها يوم كانت مسلّطة عليه، وممارساً على من دونه شيئاً مما ثار في
صدره على من كان فوقه.
وسؤال: ماذا فعلت
الحرب بأخلاقنا؟ يتوجه إلى أجيال كاملة في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والسودان
وسواها من البلاد التي أثقلتها الحروب؛ إلى شباب عاشوا القصف والنزوح والسجون
والفقد، وإلى آخرين نشأوا في بيوت تحمل ذاكرة تلك السنوات وتتكلم بلغتها وتخاف
مخاوفها، ثم دخل الجميع زمناً جديداً وفي النفوس شيء من الزمن القديم، وفي طرائق
الخصومة والعمل والتربية والسياسة بقايا من قواعد تشكلت تحت الخوف.
هنا تظهر المعادن
للمحنة سلطانٌ
يكشف ما سترته أيام السّعة؛ فالكرم الذي كان فضلةَ مال يصير رغيفاً يقسمه صاحبه مع
جائع، والشّجاعة التي كانت حديثاً في المجالس تصير خطوة نحو جريح تحت النار،
والوفاءُ يصير ستراً لمطارد مع معرفة ثمن الستر، والأمانة تصيرُ مال غائب يقدر
صاحبه على أخذه ثم يصونه.
أجيال كاملة في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والسودان وسواها من البلاد التي أثقلتها الحروب؛ إلى شباب عاشوا القصف والنزوح والسجون والفقد، وإلى آخرين نشأوا في بيوت تحمل ذاكرة تلك السنوات وتتكلم بلغتها وتخاف مخاوفها، ثم دخل الجميع زمناً جديداً وفي النفوس شيء من الزمن القديم، وفي طرائق الخصومة والعمل والتربية والسياسة بقايا من قواعد تشكلت تحت الخوف
وقد حفلت حروبنا
بمشاهد من هذا المعدن الإنساني الرفيع، ورأينا أناساً حفظوا آدميتهم في مواضع كانت
كل الظروف تدفعهم إلى التخلي عنها، وهؤلاء جزء أصيل من تاريخ الحروب ومن
الظلم أن
تحفظ الذاكرة أسماء القتلة وتدع الذين وقفوا في وجه
القسوة بأخلاقهم يضيعون في
زحام الدم.
غير أن الحرب
تفعل في النفس فوق ما تكشفه منها؛ فالفعل المتكرر يدخل العادة، والعادة تستقر في
الخلق، وقد قال الراغب الأصفهاني في "الذريعة إلى مكارم الشريعة" (ص:
101)، في باب ازدياد الإنسان في الفضائل والرذائل بتعاطيها: "كلّ متعاطٍ لفعل
من الأفعال النفسية فإنه يتقوى به بالازدياد منه، إنْ خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ".
والذي عاش أعواماً
يتوقع الخيانة قد تستقر الريبة في مزاجه، والذي طال اضطراره إلى إخفاء خبره طلباً
للسلامة قد تسهل عليه المواربة بعد زوال الخطر، والذي رأى القوّة الباطشة تحسم
الخصومات مرة إثر مرة قد تتسلل إلى وعيه منزلة للقوة تتجاوز قدرها؛ فيصبح شديد
الإعجاب بمن يبطش وشديد الاستخفاف بمن يرفق ثمّ يسمي هذا خبرة اكتسبها من الحياة.
وقد التقط ابن
خلدون هذا التحول بكلمات قليلة نفاذة، فقال في "المقدمة" (1/743) في وصف
أثر العسف: "وعلّمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخُلقا وفسدت
معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه
ومنزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق
الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين، وهكذا وقع
لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره
عليه".
وقوله "عادة
وخُلقاً" يفتح أصل المسألة؛ فالذي وُلد تدبيراً للخوف استقر طريقةً للحياة،
وما بدأ في ساعة استثناء انتقل مع صاحبه إلى ساعات الأمن فصارت الحرب تكشف خلقاً
موجوداً وتنشئ إلى جواره خلقاً آخر، وتترك في النفس آثاراً يحتاج صاحبها إلى
معرفتها حتى يملك أمرها.
ما الذي تعلمناه
من القهر؟
أشد آثار القهر
خفاءً أن يحتفظ المقهور بصورة القاهر في داخله؛ فالطفل الذي عرف الإهانة قد يكبر
وهو يرى الهيبة في إخافة من تحته، والموظف الذي عاش أعواماً تحت مدير متسلط قد
يعيد الصورة ذاتها إذا صار صاحب سلطة، والجماعة التي ذاقت العقاب بذنب أفراد منها
قد تستسهل يوم قدرتها أن تحمل أفراد جماعة أخرى أوزار جماعتهم.
وهذه هزيمة
أخلاقية عميقة؛ لأن الجلاد يغيب ويبقى منطقه يعمل في ضحيته، وتتحول المقاومة التي
قامت رفضاً للقهر إلى إعادة إنتاج له بأسماء أخرى.
ويصبح الامتحان
أشد في ساعة الغضب، وقد وضع القرآن
العدل في هذا الموضع بعينه فقال الله تعالى: "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ" (المائدة: 8).
فالشنآن قائم
والعدل قائم معه، ووزن الأخلاق يظهر في الموضع الذي تمتلك النفس فيه ألف حجة لتمنح
هواها اسم الحق. ولقد قال ابن حزم في "الأخلاق والسير" (ص: 165): "من
أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه فإنه يلوح له وجه تعسفه".
وهذه الكلمة
ثقيلة على أبناء الحروب؛ فكلّ جماعةٍ تحمل قبورها وذاكرتها وأسماء من فقدتهم، وكلّ
جرح يستطيع أن يتحول إلى منظار يرى صاحبه العالم من خلاله حتى يغدو الألم حجة ويصبح
الغضب قاضياً ويمسي الانتماء ميزاناً للبراءة والإدانة.
اختلال أسماء
الأشياء
تدخل الحرب إلى
الأخلاق من باب اللغة أيضاً؛ إذ يحتاج الإنسان إلى أسماء تريح ضميره مما يفعل،
فتأخذ القسوة اسم الحزم، ويأخذ سوء الظن اسم الفطنة، ويأخذ التشفّي اسم الوفاء
للضحايا، وتأخذ المحاباة اسم نصرة الجماعة، ويأخذ الكذب اسم خدمة القضية، ويصير
البطش دليلاً على قوة الشخصية. وهنا تبلغ الإصابة موضعاً خطيراً؛ فالمرء يستطيع أن
يقاوم ظلماً يسميه ظلماً أما الفعل الذي منحه اسماً كريماً فيصبح جزءاً من صورته
عن فضيلته.
ومن هذه الأبواب
قول ابن حزم في "الأخلاق والسِير"، (ص: 31): "لم أرَ لإبليس أصيد
ولا أقبح ولا أحمق من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما اعتذار من أساء بأن
فلانا أساء قبله، والثانية استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس".
فالجملة التي تقول: "فعلوا بنا" تستطيع أن تصير مستنداً طويل العمر؛
فعلوا بنا فنفعل بهم، وأهدروا حرمتنا فتهدر حرمة من ينتسب إليهم، وظلموا رجالنا
فنحمّل أبناءهم شيئاً من تبعة رجالهم. وعند هذه النقطة يكون المعتدي قد علّم ضحيته
منطقه، وصار جرمه مصدراً لقواعد السلوك عند من قاومه.
وحق المظلوم
محفوظ في إنصافه ومحاسبة من اعتدى عليه ورد الحقوق إلى أصحابها، ثم يبقى فعله هو
معروضاً على الميزان نفسه؛ فعدالة القضية تمنح أصحابها مسؤولية في صيانة عدلها،
وكل قضية تستبيح الأخلاق في سبيل نصرتها تبدأ في خسارة شيء من روحها.
ما يبقى من الحرب
بعد الحرب
قد تصمت البنادق
وتبقى الحرب مستمرة في طريقة إدارة المكتب وفي تربية الطفل وفي خطاب السياسي وفي
لغة الجماعة مع مخالفيها؛ فمديرٌ يرى السؤال تمرداً وأبٌ يرى الهيبة خوفاً ومعلمٌ
يفسر ضبط الصف بالقهر، وسياسيٌ يحتاج خصماً دائماً حتى يحتفظ بتماسك أتباعه، وشابٌ
خبر سنوات الارتياب حتى صار حسن الظن عنده سذاجة.
بناء ما بعد الحرب يبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة والمؤسسة؛ من طفل يرى كبيراً قادراً على الغضب ثم يملك غضبه، ومن مواطن يرى قوياً يخضع لقانون يخضع له الضعيف، ومن موظف يعرف أن أمانته ترفعه، ومن مجتمع يتعلم بالممارسة اليومية أن العدل قابلٌ للحياة
وهذه البقايا أشدّ
خطراً لأنها تدخل الحياة الجديدة بثياب الخبرة؛ فيحسب النّاس بعض ما اكتسبوه في
زمن الخوف حكمةً صالحة لكل زمن، مع أن مجتمع العمران يحتاج قانوناً وثقةً ومساءلةً
وقدرةً على الاختلاف، ويحتاج صاحب السلطة إلى أن يعرف أن قوته تظهر في ضبط نفسه
بقدر ما تظهر في إنفاذ قراره.
ولهذا فإن بناء
ما بعد الحرب يبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة والمؤسسة؛ من طفل يرى كبيراً قادراً
على الغضب ثم يملك غضبه، ومن مواطن يرى قوياً يخضع لقانون يخضع له الضعيف، ومن
موظف يعرف أن أمانته ترفعه، ومن مجتمع يتعلم بالممارسة اليومية أن العدل قابلٌ
للحياة.
استرداد الميزان
والمعيار
ويبقى بعد انقضاء
الحرب سؤال لا مهرب منه: ماذا أبقت فيَّ أنا؟ أيّة قسوة ألفتُها حتى حسبتها قوة؟
وأيّة ريبة سميّتها فطنة؟ وأيّة عصبية لبست عندي ثوب الوفاء؟ وأيُّ ظلم رقَّ حكمي
عليه لأن فاعله من جماعتي؟
تُعاد البيوت
وتُفتح الطرق وتعود المؤسسات إلى عملها، أما ما استقر في النفس زمن القهر فهو الأبطأ
زوالاً؛ ولهذا يكون استرداد البلاد ناقصاً حتى نسترد معها الميزان والمعيار؛ وهو
أن يبقى الظلم ظلماً أيّاً كانت اليد التي جاءت به، ويبقى العدل عدلاً أيّاً كان
المستفيد منه، ويبقى البريء بريئاً مهما حمل من اسم يوقظ فينا الغضب، وأن نحاسب
صاحبنا بالميزان الذي نحاسب به خصمنا؛ فالحق الذي يتغير بتغير الأسماء يصير هوىً
والعدل الذي يدور مع الجماعة وجوداً وعدماً يصير عصبية.
وتنتهي الحرب في
موضعها الأعمق يوم تفقد سلطانها على الضمير؛ يوم نحمل جراحنا من غير أن نجعلها
شريعة لجرح غيرنا، ونستردّ حقوقنا من غير أن نستعير من ظالمنا منطقه، ويبقى فينا
من القوة ما يكفي لنقول للظلم: هذا ظلمٌ ولو صدر عمن نحبّه، ونقول للعدل: هذا عدلٌ
ولو جرى لمن نخاصمه ونشنّئه.
x.com/muhammadkhm
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.